مشاهدة النسخة كاملة : مولاي: حكاية شاب لم يستطع فهم مهمته


أبو فاطمة
06-30-2011, 02:19 PM
مولاي: حكاية شاب لم يستطع فهم مهمته (أحمد ولد الوديعة)

في ثقافة سكان البلاد السائبة هناك قناعة تقترب من العقيدة مفادها أن المال يستطيع أن يحل كل المشاكل،" فهو اللسان لمن أراد فصاحة.. وهو السلاح لمن أردا قتالا، أما بالنسبة لأصحاب المال فالأمر ليس مجرد ثقافة وقناعة بل إنه يكاد يكون قانونا فتجاربهم مع مختلف الفئات والطبقات والأجناس تقول لهم إنه لامستحيل مع المال، وأن الإنسان الموريتاني قد يستعصي على أمور عديدة لكن عندما يتعلق الأمر بالمال فالعقد مصيرها الحل والتمنع نهايته الخضوع والاستجداء.
على هذه الثقافة القانون كان يعتمد أحد قارونات موريتانيا الجديدة عندما استدعى الشاب مولاي العربي المعين يومها على مؤسسة من أهم مؤسسات الدولة التي تعود " قارونات موريتانيا القديمة والجديدة أن يرضعوها حتى ما يدر لها ثمل.. قدم القارون ما في جعبته من تجارب وخبرات لكنه فوجئ بنمط جديد من الموريتانيين لم يتعوده..
أعاد القارون نثر كنانته وأعاد المحاولة أكثر من مرة مستعينا بخبرته الطويلة فى إخضاع المتمنعين لكن الشاب النحيف بدا محصنا ضد أسلحة القارون الفتاكة، فهو مصر على رؤيته التي رسم لإخراج الشركة من وضعها المتردي وليس مستعدا – تحت أي ظرف- للتنازل عن ذلك
عندما شعر الرجل أن وسائل الإغراء والإغواء التقليدية لم تفد اتكأ على جانبه الآخر وضغط على زر السلطة فهو قارون مخضرم يجمع بين الثروة والسلطة وتلك إحدى ميزات قارونات موريتانيا القدماء والمحدثين وتلك بكل تأكيد واحدة من كبريات مصائب موريتانيا منذ اتخذها العسكر جزء من متاعهم.. ضغط القارون على زر السلطة فلبت طلبه سريعا وسعت بما تملك " لتفهم الشاب مولاي" أن عليه أن يتعامل بحكمة مع القارون المدلل.. لكن مصير تلك المحاولات لم يختلف عن مصير المحاولات السابقة فالشاب المسلح بإيمان قوى بالله سبحانه وتعالي والتزام صارم بمقتضيات ذلك،وبشهادات علمية مميزة وبرصيد أخلاقي وعملي ثر.. كان يرد على تلك المحاولات الواحدة تلو الأخرى ويؤكد تمسكه بالصراط المستقيم الذى رسم لإنقاذ المؤسسة التي كلف بإدارتها من وحل الافلاس الذى تتخبط فيه جراء سنوات بل ربما عقود من التسيير الزبوني المتفلت من كل القيم اللهم إلا " قيم تسخير المال العام لرغبات الافراد الذى مرد عليها القارونات وطوعوا له وعليه العشرات من نخبة البلد على مدى سنوات حكمهم العجاف.
استنفد القارون ما في جعبه من إغراء وإغواء من تهديد ووعيد ولم يستطيع زحزحة الشاب عن موقفه المبدئي قيد أنملة.. شعر ربما للمرة الأولى بالإهانة وبانهيار قانون التأثير السحري دارت به الأرض وبات يسائل نفسه هل هذا أنا ،هل هذه هي موريتانيا.. كيف لهذا الشاب " الأعزل" من المال والسلطة أن يتحداني بهذه الطريقة .. تنفس المرارة، وجمع ما بقي معه من قوة وقال للشاب وهو يعلن رفع الجلسة العاصفة " حسنا سنقول إنك شاب لم يستطع فهم مهمته.."
خرج الشاب المهندس عائدا إلى حيث كلف أن يعمل وبقي القارون في مكتبه جريحا وسجل على أجندته أولوية عاجلة عنوانها تلقين مولاي درسا يكون عبرة له ولمن قد يفكر فى السير على نهجه من الشباب المغرورين بأن هناك قيما وطنية أعلى من مصلحة تحالف قارون وفرعون وهامان.
انطلق الرجلان كل في المهمة التي رسم لنفسه؛ المهندس لتطبيق خطط إصلاح المؤسسة، والقارون لرسم وتطبيق خطة " الانتقام" ممن سولت له نفسه أن يقول لا " لتحالف السلطة والمال.. استطاع المهندس خلال وقت وجيز أن يحول الشركة التي كانت في قعر بئر الافلاس إلى مؤسسة قائمة على أسس متينة تحظي بعلاقة ممتازة مع الزبناء فى الداخل والخارج،ويشعر العمال فيها ربما للمرة الأولى في تاريخهم أنهم جزء من مؤسسة محترمة وفي حساباتها أكثر من مليار أوقية.
أما القارون فقد وصل الليل بالنهار بحثا عن " منتقم " لكن محاولاته اصطدمت فى مرحلة من مراجلها بقمة هرم السلطة الذى كان يومها رجلا اقتصاديا مدنيا ديمقراطيا رفض أن يوفر المظلة للانتقام من المهندس المصلح.. وكانت تلك صفعة قوية ثانية تلقاها القارون على خده الأيسر فلم يبق أمامه إلا أن يشق قميصه ويستصرخ كل من تربطه به صلة فى الداخل والخارج ويوظف كل الأوراق فكتب التقارير عن قرب قيام دولة طالبان في موريتانيا.. وحرك مخاوف بعض الدول المجاورة، وفتح الخطوط مع القوى الغربية النافذة مهيئا الأرضية للبيان " رقم واحد" الذى كان " رفيق دربه " يعده انتقاما لكرامة القارون وثأرا من قوى الخير والإصلاح التي كانت تستعد لإخراج موريتا نيا من قبضة حلف القارونات والهامانات والفراعنة..
ومنذ اليوم الأول للانقلاب كان واضحا لكل من تصلهم معلومات من دائرة القصر أن الإنتقام من "الشاب الذى لم يفهم مهمته " كان في صدارة جدول الأعمال، فحكم الإدانة جاهز عند الرئيس المنتصر لرفيق الدرب وولي النعمة ولابد من الحصول على أدلة تثبت الإدانة.. كان رئيس المجلس الأعلى للقضاء والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس المجلس الأعلى للدولة ورئيس الحزب الحاكم يكرر فى اجتماعات مجلس الوزراء إن مولاي " لص ومجرم ولابد من وجود أدلة على ذلك.. تعيش العدالة.. لص ومجرم ولابد من وجود الأدلة على ذلك...؟؟؟؟؟؟
سخرت أجهزة الدولة التفتيشية للبحث عن " أدلة بعدية" تثبت الحكم الذى كتبت مسودته فى مكتب القارون وتم تحريره على مكتب رئيس المجلس الأعلى للقضاء، لكن كل تلك المهمات التفتيشية عادت بخفى حنين فكلما وجدته أمامها من حجر ومدروبشر ووثائق وتقارير وإفادات كان يوضح أن مولاي كان حالة متفردة فى الاستقامة والكفاءة والتضحية.. يومها يبدو أن حكما جديدا صدر أن جهات التفتيش الموريتانية " لم تفهم مهمتها" تماما كما هو حال المهندس الشاب المدان مع وقف التنفيذ فى انتظار " العثور على أدلة ، أي أدلة " وكما في كل مرة يجد فيها حاكم موريتانيا الحالي نفسه في مأزق تم التوجه إلى السادة فى " افرانس افريك" فهناك كل شيئ بطلب.. والإفادات الصادرة من هناك حتى ولو كانت من أشخاص مطلوبين للعدالة ومعروفين بالتزوير هي إفادات كافية لأنها صادرة من فرنسا وبالذات من فرنسا الافريقية.
وكما لم تخيب " افرانس افريك" ظن حاكم موريتانيا العسكري عندما استجار بها من رفض الداخل والخارج له فغيرت له الموقف الفرنسي الرسمي وحركت له جيوشها فى الرباط ودكار، كذلك فعلت عندما نثرت كنانتها فأخرجت منها خبيرا متخصصا فى إعداد التقارير حسب الطلب فجاء " الخبير إلى نواكشوط" وهو يعرف جيدا ما هي الأمور التي يريد تحالف القارونات و الهامانات والفراعنة اثباتها ، وبعد جولات من البحث المضني يأس فيها الخبير من تأسيس خبرته على وقائع كما يأس الكفار من أصحاب القبور.. قرر أن يركب رأسه ويصوب سهامه إلى حيث أراد الحاكم العسكري والقاضي الأول فأعد تقريرا يتجاوز حد اتهام مولاي إلى فتح الطريق أمام اتهام شخصيات أخرى سياسية ومالية تتوزع ما بين مغضوب عليهم من النظام وضالين عن تقديم فروض الولاء والطاعة بشكل دائم.
صدر التقرير فتنفس الحاكم الصعداء وقد وجد أخيرا من يفهم مهمته فيقدم وثيقة يمكن على أساسها تنفيذ حكم الإدانة المعلق بحكم المهندس الذي لم يفهم مهمته.. فتسارعت الخطوات وأودع مولاي السجن وبدأت التحضيرات لتنفيذ الحكم بحق آخرين يمثل بعضهم منافسا ماليا قويا ويمثل البعض الاخر منافسا رئاسيا محتملا فى الانتخابات القادمة.
الظاهر فى الصورة حاليا أن مولاي هو السجين وأن تحالف القارونات والهامانات هو المنتصر.. ولكن عمق المشهد يقول شيئا آخر مؤداه أن مولاي هو الحر الطليق وأن السجانين الظالمين هم المعتقلون.. مولاي حر لأنه هزم لأول مرة طواغيت الفساد وعراهم أمام الملأ وأظهر شرههم وضيق أفقهم وحقدهم على كل حر شريف.. مولاي حر لأنه لم يقبل أن يسير وفق المهمة التي أراد له هؤلاء أن يسير وفقها وكان بإمكانه أن يفعل كان بإمكانه أن يقبل استمرار سونمكس بقرة حلوبا للقارونات، وحديقة خلفية للهامانات.. لكنه استعلى على تلك المحاولات وتحرر من دواعي الضعف فى نفسه – وتلك هي الحرية الحقة –
أما السجين الفعلي في قضية مولاي الحالية فهو من قبل أن ينزل من موقعه " السامي " إلى " منفذ " لثارات أباطرة المال والفساد.. هو من أسرته مصالحه الضيقة، وحساباته الصغيرة فى معركة خاسرة ضد رجل وطني مؤمن كان الأولى بمن يعتبر نفسه رئيسا لكل الموريتانيين وقائدا لجيشهم ورئيسا أعلى لقضائهم أن يكرمه ويجعل منه قدوة لأجيال جديدة من الشباب الموريتاني
أخيرا أقول للسجين للحر لاتحزن يا مولاي ولاتبتئس بما يحيكون فوالله إنه لكيد سحرة ولايفلح الساحر حيث أتي.. أعرف أن وقع الظلم على النفس صعب وأعرف أن ثمة من قد يقول لك إنه كان بإمكانك أن" تفهم المهمة" وتعيش حياة مختلفة.. وأجزم أن هناك من حمل إليك أو سيحمل إليك خلال الأيام القادمة رسائل " نصح" مليئة بالدعوة للحكمة والتعقل والتعاون مع هؤلاء الحاكمين حتى لايورطوك فى السجن فترة طويلة.. أعرف أن لديك رصيدا إيمانيا قويا سيمكنك – كما مكنك فى السابق – من رفض تلك الترهات لكني أختم هذا المقال بأبيات رائعة لشاعر مصري اكتوى بنار التحالف البغيض الذى يسجنك اليوم ، وذات مرة حدثته نفسه فى لحظة ضعف أنه كان بإمكانه أن" يفهم المهمة" فيجنب نفسه وأهله ويلات السجن فأجاب من قصيدة طويلة مؤثرة
هذا حديث النفس حين تشف عن... بشريتي وتعود بعد ثوان
أنفاسك الحرى وإن هي أخمدت.. ستظل تغمر أفقهم بدخان
وقروح جسمك وهو تحت سياطهم... قسمات صبح يتقيه الجان
دمع السجين هناك فى أغلاله.. ودم الشهيد هنا سيلتقيان
حتى إذا ما أفعمت بهما الربي... لم يبق غير تفجر البركان

نقلا عن السراج الإخباري