مشاهدة النسخة كاملة : أحلام "إسرائيل" وكابوسها!! (خيري منصور)


أبو فاطمة
06-29-2011, 09:46 PM
أحلام "إسرائيل" وكابوسها!! (خيري منصور)

القراءة الانتقائية للصحف العبرية تورطنا أحياناً بالتعتيم على ما لا نود قراءته أو سماعه، بعكس القراءة البانورامية التي تحيط بالمشهد من مختلف الزوايا والمقتربات، وحين تستوقفنا مقالات بالعبرية من طراز مقالة شترنغر في هآرتس فليس لأنها صرخة في وجه العنصرية الصهيونية، أو تحذير من المستقبل الذي لن يرحم من تجاهلوه وتصوروا أنه مجرد إعادة إنتاج للماضي، مقالة شترنغر باختصار تعلن أن أكثر اليهود في العالم حتى من يؤيدون الدولة العبرية أصبحوا عاجزين عن الدفاع عن أطروحاتها وسياساتها وثمة من اليهود كما جاء في المقالة من تحولت حياتهم إلى كابوس طويل، وخصوصاً الذين يصنفون في خانة الليبرالية، ولو شئنا البحث عن مقالات من هذا الطراز وفي المناخ ذاته فسوف نجد أنها لم تعد من الاستثناءات التي كان يكتبها يساريون كتلك التي كانت تنشر في هاعولام هازيه التي يرأس تحريرها افنيري وهو اليهودي المناهض لعنصرية الصهيونية والساخر من تلك الديمقراطية المفصلة على قياس اليهود فقط، لهذا اقترح يوري افنيري أن تقسم الديمقراطية في العالم بأسره إلى نمطين، الأول هو المتعارف عليه منذ الأغريق والثاني ما ابتدعته الصهيونية، فهذا النمط الهجين من الديمقراطية حكر على اليهود فقط، وهكذا تتحول الديمقراطية المعنصرة دكتاتورية في أقصى تجلياتها العرقية.
إن الدفاع عن أطروحات الدولة العبرية الآن، وكما تتجسد في خطاب نتنياهو المتكرر والممل أمر متعذر على كل من له دراية ولو بدائية بالمنطق والمحاججة، وقد تكون البرهنة على استطالة الأرض أو عدم دورانها أسهل من هذه المهمة العسيرة، لأن الجرائم التي تقترفها دولة الاحتلال والاستيطان متلفزة ومشهودة في نطاق كوني، ولم تعد على غرار تلك الجرائم التي مارستها عصابات شترن والهاجاناة عام 1948، يوم كان كل شيء يتم سراً وبعيداً عن عيون الشهود..
إن ما يكتب الآن عن تحول الحلم إلى كابوس لدى أكثرية اليهود يفتضح مزاعم المشروع منذ بواكيره، والباحثون الآن عن ريادة ثانية من طراز ليبرمان يفوتهم أن الريادة الأولى ذاتها لم تعد أيقونة، وأنها أصبحت عرضة للشكوك فيها جذرياً.
ما يحدث الآن لدى شريحة واسعة من اليهود هو بمثابة اكتشاف حتى لو كان متأخراً لتلك الخديعة، فمن سيقوا إلى فلسطين تحت شعار العودة إلى أرض الميعاد سرعان ما وجدوا أنفسهم في المنفى، وكان عليهم أن يولدوا مرة أخرى كي يصبحوا مؤهلين لمواطنة غير مسبوقة في التاريخ، وهي مواطنة مدفوعة الأجر، فالذاكرة لا تزرع كالأعضاء والانتماء الأصيل لا يتم بأساليب الإغواء والاستدراج إلى الموت أو الحياة في ثكنات على حافة الموت.. ومن توقعوا مثل هذه النهاية المبكرة نسبياً لفشل المشروع الصهيوني لم يذهبوا بعيدا عن الواقع، أو أن عواطفهم وحدها هي ما دفعهم إلى ذلك التوقع، لأن المشاريع الاحتلالية والحلولية أيضاً بالمعنى الوجودي تحمل بذور شيخوختها المبكرة وبالتالي موتها في طياتها وفي جذر البنية التي يتشكل منها نسيجها الفكري!
ولا نظن أن راشيل مزراحي وشلومو رانخ وآخرين قد أخطأوا عندما رأوا عن بعد مثل هذا المصير الكابوسي، فهم ليسوا أعداء لأبناء جلدتهم من اليهود بقدر ما يشفقون على أطفالهم وأحفادهم من مستقبل أرادت له الصهيونية أن يكون صورة أو طبعة مهودة من الماضي، وإذا به يتحول إلى كمين..
قبل أعوام كانت مثل هذه الكتابات أشبه بأحزان موضعية كما سماها د. البحراوي في كتابه عن الأدب الصهيوني بين حربين.
لكنها الآن تتسع وتتمدد وتتحول إلى مناخ أو مزاج سياسي ليس موضعياً على الإطلاق!!

نقلا عن المركز اللسطيني