مشاهدة النسخة كاملة : بنت محمد الأمين: ظلال الصدمة ومعاناة "المهاجرين شمالا"


ام خديجة
06-27-2011, 11:17 AM
بنت محمد الأمين: ظلال الصدمة ومعاناة "المهاجرين شمالا"
بعثة الأخبار - نوذيبو (6)

http://www.youtube.com/watch?v=a7Ty1v0hRTE

نواذيبو :"وصلت نواذيبو منذ العام 1996 قادمة من منطقة اطويل بولاية الحوض الغربي، كنت حينها أتاجر في الملابس الخاصة بالمرأة الموريتانية "الملاحف" لكني تزوجت في العام ذاته من أحد العمال اليوميين هنا، وقررنا الاستقرار بشكل نهائي في هذه المدينة".


يشكل القرار آنف الذكر نقلة في حياة آمنة بنت محمد البدوية القادمة من أقصى الشرق الموريتاني لمدينة تتداخل حدودها البحرية مع أوربا، ومن مناطق تعتمد بشكل دائم على اللحوم الحمراء والاستفادة من خيرات الحيوانات المنتشرة هناك وخصوصا الأبقار إلى منطقة تشكل مصدرا أسياسيا للحوم البيضاء بكل أشكالها وخصوصا الأسماك، ويبدو أن آمنة التي رحلتها السلطات الإدارية في نواذيبو قبل حوالي عام من محل سكنها في حي الصالة اليابسة بالعاصمة الاقتصادية نواذيبو إلى حي الترحيل (15) في المدينة ذاتها لم تتجاوز الصدمة بعد رغم مضي أكثر من 15 على استقرارها في "الموطن الجديد".

فهي في موطنها الجديد شاهدت القطار لأول مرة وهو يزحف بعرباته محملا بخامات الحديد في طريقها إلى مورديها، كما رأت عن قرب سفنا عملاقة تمخر عباب الأطلسي جيئة وذهابا، واستغنت –ولو لحين- عن الجمال والحمير في تنقلاتها، كما أخذت عطلة –يبدو أنها طالت قليلا- عن ممارسة الزراعة في موسها الخريفي كل عام.


ظروف... وحنين

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=333w__bent_5.jpg

مشهد من الشارع العام في حي الترحيل وفي الصورة أطفال ومياه منقولة باتجاه إحدى الصور (الأخبار)

ظروف آمنة وهي أم لستة أطفال أربعة ذكور وبنتين، وزوجة لعامل يومي في شركة الصناعة والمعادن "اسنيم" لا تسمح له بالتفكير في تغيير برنامجها اليومي أحرى التفكير في السفر خارج المدينة، أو العودة لمرابع الصبا في بوادي الحوض الغربي، فهي بحاجة للقيام بعمل يدوي يعزز من العائد المادي - غير المضمون - لعمل زوجها، وهو ما تصفه بقولها "زوجي يعمل كعامل يومي أحيانا يتمكن من جلب ما يكفي من المال، وفي أحايين أخرى يعود خاوي الوفاض بعد أن استنفد كل جهده، وقد نبقى أسبوعا أو أكثر دون أن يحصل على مردود مادي من عمله".


تبذل الزوجة آمنة كل جهودها لمساعدة زوجها في مواجهة ضغوط الحياة، وضمان ما يمكن من مستوى مادي لأولادهما، وتسعى الأم آمنة لأن يكون أبناؤها في وضع مختلف عن وضع أبويهما ماديا و علميا، لكن واقع التعليم في حيها غير مبشر بالمرة، فأكثر "من 130 طفلا يتكدسون في فصل واحد، ومدرسوهم لا يبذلون الجهد الكافي من أجل رفع مستوياتهم، وذلك سينعكس بالتأكيد على مستواهم المادي في ظل الضغط الكبير الذي تعرفه العمالة في المدينة ومضايقة الأجانب لأبناء الوطن في كثير من الأشغال".

وهناك بعد آخر في شخصية آمنة لا يقل عن الأبعاد الأخرى الأسرية، إنه البعد النضالي الحقوقي، فآمنة هي المتحدثة باسم حيها "لرفع مطالبهم إلى السلطات" وحتى للحديث مع الصحفيين، وتوصيف "أوضاع الحي البائسة"، وهي "محور الجلسة التي تعقدها نساء الحي ضحى عند حانوت شركة "سونمكس" الذي يبيع مواد مخفضة، حينها تطلق النسوة لشجونهن العنان، ويتحدثن عن كل شيء.

تحدثهن آمنة على "الصبر وعلى الاستمرار في الإلحاح على السلطات، فهي لم تقدم لنا أي شيء حتى اللحظة"، محاولة إقناع إحدى السيدات التي تبدو مترددة، ومضيفة "ماذا فعلوا لنا حتى اللحظة، لقد رمونا خارج المدينة وفي مكان مقفر ولا وجود للحياة فيها".


مقومات الحياة...

تعداد آمنة لنواقص حي الترحيل في نواذيبو حيث تسكن مع عدد من زميلات الأحياء العشوائية جمعهم الفقر والجهل وقلة الحيلة، وأخيرا الترحيل القسري من السلطات الإدارية في ولاية نواذيبو، تعداد هذه النواقص يشمل مختلف ضروريات الحياة، فالماء يصل بصعوبة، والكهرباء معدومة مع أن السلطات نصبت لها أعمدة وسط الحي، أما المركز الصحي فبعيد عن الحي وخدماته متردية، ولا يبدو وضع التعليم أحسن من سابقيه، فهو يعاني من إهمال المدرسين واكتظاظ الفصول وانشغال الأبوين بتوفير لقمة العيش عن متابعة أو توفير مستلزمات الدراسة.

وتتحدث آمنة عن صعوبات النقل في الحي، ويدفع التذكير بظروف الحي مختلف النسوة لانتزاع الثقة ولو قليلا من "المتحدثة باسمهن" فترتفع أصواتهم دفعة، هذه تشكو التعليم، وتلك قلة المياه، وهذه غياب الكهرباء، ورابعة صعوبة النقل، لكن آمنة سرعان ما تستعيد السيطرة على الموقف لتبدأ من حيث انتهت، وتضيف "ومن أصعب الصعوبات كذلك مشكل النقل، فالسيارات لا تصل إلينا لصعوبة الطريق، وباصات النقل العمومي ترفض النزول عن الشارع الرئيسي وهو يبعد حوالي 5 كلم، وهو ما يفرض علينا السير يوميا كل هذه المسافة، ومعنا الأطفال والمرضى والمسنين والأطفال".


خلسة.. وصدمة

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=333w__bent_3.jpg

بعيد نهاية النقاش وشراء ما استطاعت النسوة شراءه تبدأ العودة إلى هذه "البيوت" لتهيئة الطعام للأطفال (الأخبار)

نجحت آمنة قبل ثلاثة أشهر في اختلاس "أيام قليلة" على حين غفلة من الظروف، زارت فيها مرابع الأهل في مدينة الطويل بالحوض الغربي، ولم يتركها التفكير في مصير الأسرة والأطفال تستمتع بمناظر مدارج الصبا، ولمس أول أرض مس جلدها ثراها، فعادت لكنها أصرت على اصطحاب إحدى أخواتها تعقيم معها اليوم في الحي ذاته.

تحرص آمنة على زيارة الأسر التي تنحدر من ولايتها، وتعرف عددهم بالضبط في كل حي، كما تعرف الأسر المنحدرة من أحياء وقرى مجاورة لهم، وتتكثف اللقاءات في المواسم والأعياد.

ومع الفترة الطويلة لها في العاصمة الاقتصادية، والبرنامج الأسري والعائلي المشحون، والمضغوط بالظروف التي لا ترحم، فإن آمنة لم تتجاوز بعد صدمة "الحياة الجديدة" ولا هي تخلت عن تعلقها بحياتها الجديدة، يشهد لذلك حديثها المستفيض عن حياتها القديمة بمناسبة أحيانا، وأحايين كثيرة بدون مناسبة، كما يشهد له تعلقها بساكنة ولايتها وحرصها على جمعهم والحديث إليهم كلما وجدت لذلك، فرصة، وموضوع الحديث محسوم سلفا، إنه تعاطي تفاصيل الحياة في بوادي الحوض الغربي.


نقلا عن الأخبار