مشاهدة النسخة كاملة : الرق مشكل آن له أن يجد حلا


أبو فاطمة
03-01-2010, 02:53 AM
الرق مشكل آن له أن يجد حلا
بقلم أحمد ولد محمد المصطفى ولد الندى

شهدت الأسابيع الأخيرة جدلا واسعا حول "مشكلة الرق" ومدى وجودها آثارا وممارسة
وطرق حلها"، وهي –في الحقيقة- مشكلة اجتماعية تطاول أمدها، وتعددت تمظهراتها، واختلفت علائقها وأطرافها، هي مشكلة اجتماعية يساهم الوقت في زيادة مخلفاتها، لأنه يدخل كجزء معمق للشرخ يوميا، وكلما تأخر العلاج النافع كلما ازداد "الجرح" اتساعا، ويزداد الأمر خطورة حين يقدم "الداء" –أحيانا- في شكل دواء بل ويصور على أنه الدواء الحقيقي الوحيد..

مشكلة قضيتنا أنها لها خصوصيتها فمع أن هناك "علاجات" عدة (في شكل قوانين(بدأت مع الاستعمار الفرنسي قبل أكثر من قرن، ونالت اهتماما متفاوتا من مختلف الأنظمة المتعاقبة عسكرية أو مدنية أو هجينة، رغم كل ذلك فما زالت المشكلة كما هي؛ إن لم تكن قد تعقدت وزادت عما كانت عليه، بل أصبحت تشكل -من وجهة نظري-أولوية في سلم أولويات الوطن، وينبغي أن تأخذ مكانها المستحق قبل أن تخرج عن "نطاقها"، فالمشكلة مشكلتنا وعلينا مواجهتها وإيجاد الحلول لها، وأي تقاعس أو تردد هو منح فرصة لها لتتفاقم أكثر، ثم هي فرصة للآخرين "الأطراف الدولية" للتدخل بغية تحقيق رغباتهم التي قد لا يكون من أولوياتها خدمة وطن اسمه "موريتانيا" وإنما خدمة أوطانهم وتحقيق مصالحهم الذاتية.
علينا لحل هذه المشكلة أن نمتلك الجرأة والإرادة والصدق مع الذات، وأن نكون على مستوى التحدي ونوقف المشكلة قبل أن تصبح أكبر منا، وقبل أن تخرج عن إطارنا، أما إن خرجت –لا قدر الله- فسنكون حينها "طرفا" في معادلة يمكن القطع مسبقا أننا الأضعف فيها، هذا في حال نجحنا –طبعا- في البقاء كطرف؛ لأن احتمال إسقاطنا حينها يظل ورادا، بل قد يكون هو الأفضل لتلك الجهات للتفرد بالقرار والخيارات وجمع كل الأوراق في يدها للعب بما يناسب كل مرحلة.*
*ولن نتمكن من حل هذه المشكلة إلا من خلال إجراءات عملية نلزم بها أنفسنا ونطبقها على مراحل مضبوطة وأجندة واضحة، طبعا لا بد أن يكون للوقت دوره كجزء من العلاج، لأنه –ببساطة-في مجال الظواهر الاجتماعية لا دور للأوامر والنواهي، ولا حتى للقوانين والمساطر والمراسيم، وإنما يفرض الوقت نفسه كجزء من العلاج أردنا أم كرهنا.

*وهذه الإجراءات هي:*

*أولا: معرفة الظاهرة والاعتراف بوجودها (ممارسة وآثارا)

*لا بد من الاعتراف بوجود الرق في موريتانيا ممارسة وآثارا، لأن "الواقع لا يرتفع" ومن عايش السكان داخل البلاد يدرك –بدون كبير جهد- أن الرق ما زال موجودا، وأن ممارسته باقية في المناطق البعيدة عن المدن والحواضر، وكلما أوغلت في عمق البلاد كلما ازدادت الظاهرة وتعددت مظاهرها، صحيح أن جزء من استمرارها قد يكون عائدا –بشكل مباشر- إلى المستَرَقين أنفسهم، لأنهم ليست لديهم بدائل في حال التخلي عن الرق فهم مهددون في مصدر رزقهم، وهو ما تدره آيادي الأسياد...
لكن هذا السبب في حال النظر إليه بشكل صحيح سندرك أنه عائد إلينا أيضا، لعدم توفير البدائل، وعلينا تحمل مسؤوليته، أدرك أنه حكم قاس لولا أنه صحيح...*

* *

*ومع أني أقرأ هذه اللحظات –في موقع السراج- نفي السيد رئيس الجمعية الوطنية المناضل مسعود ولد بلخير لوجود ظاهرة الرق كممارسة وحصر وجودها في الآثار، إلا أنه يمكن حمل كلامه على نفي الكثرة أو الأغلبية وليس الوجود المطلق، وإلا فالظاهرة ما زالت موجودة وممارسة، لكنها قد تكون في انحصار لأسباب كثيرة ومتعددة، منها حتى رغبة الأسياد في تخفيف عبء تحمل تكاليف باهظة لم يعد الزمن يسمح بتحملها، وخصوصا في حال لم يكن الأرقاء منتجين، ولم تعد وسائل الإنتاج هي نفسها التي كانت معروفة في الماضي كالتنمية والزراعة والتي كان للأرقاء دور كبير فيها.

*ولا أقصد بالاعتراف بالظاهرة مجرد الإعلان عن وجودها لأنه واقع، وإنما معرفة حجم وجودها والأسباب الداعية لبقائها والمناطق المنتشرة فيها وسبل القضاء عليها، هذه المعرفة المترتبة على الاعتراف هي المجدية، وهي الأساس لأي حل، لأنه سيضمن توقف الظاهرة والتغلب على أسبابها، وإنهاء الحالات الموجودة منها، وهذا ما يجعل الإجراءات المتخذة بعد ذلك لعلاج الآثار مجدية ومثمرة.

*ثانيا: العملية في تطبيق الدستور*

*يكفل دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية العديد من الحقوق للمواطنين منها -كما جاء في ديباجته- (حق المساواة، والحريات والحقوق الأساسية للإنسان، وحـق الملكيـة... والحقوق الاقتصادية والاجتماعية...)، ومنطقي جدا أن تطبيق هذه الحقوق سيؤدي إلى القضاء على كل مظاهر التمييز بين المواطنين، لكن المشكلة أن كل الجهود التي بذلت –حتى الآن- كانت في المجال النظري، فوجدنا رزمة من القوانين المجرمة للرق والملغية له... ومع ذلك ظل الأمر كما هو ولم تجد كل تلك القوانين في القضاء عليه، لأننا أهملنا الجانب الأهم وهو الجانب العملي، فلو توفرت إرادة صادقة لتطبيق الدستور لما احتجنا أي نص قانوني، لو "فرضنا" التعليم على الكل دون تمييز، واعتبرنا المواطنة الأساس الصحيح لنيل الحقوق وترتب الواجبات، واعتمدنا تكافؤ الفرص أمام الجميع لكانت الظاهرة الآن قد أخذت مكانها كجزء من التاريخ...

*لكن ما دمنا لم نفعل –في الماضي- فإن علينا أن نتدارك الأمر، وأن نتخذ إجراءات للمساواة في التعليم فالكبر في السن ليس من أسباب سقوط الحق، والجاهل لن يكون حرا مهما حاولت إقناعه بذلك، وينبغي أن تكون تلك الإجراءات بعيدة عن "الكرنفالية" وأن تتم دون منة من أحد لأن "نيل أي كان لحقه ينبغي أن يتم دون منة من أحد"، ثم في تكافؤ الفرص والتوزيع العادل للثروات، فالجائع "عبد بالقوة"
لمن أطعمه، ولذا يتوجب علينا –إذا أردنا حقا معالجة هذا المشكل- بعد الاعتراف به أن نوفر له العلاج المناسب له، وهو المساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص والأنصبة في الثروات الوطنية.

*العلاج الحقيق يبدأ من "آدوابه" نشرا للعلم وبسطا للرزق، وتحقيقا للعدالة، وإلا فلن تجدي كل الإجراءات المتخذة مهما كانت، أما المطالبة بالمساواة أو بالعدالة مع عدم توفر أسبابها وشروطها فهي ضرب من العبث ينزه عنه العقلاء، لكي تصل إلى المساواة الحقيقية بين المواطنين عليك محو أسباب التفرقة، وتوفير أسباب العدالة، وحينها ستتحقق العدالة، أما أن "تترك" اللب وتتجه إلى القشور من سن القوانين "والكذب على الناس أنهم أصبحوا أحرارا وأنهم مساوون للآخرين في حين يدرك الكل أن "واقعهم لم يتغير فيه شيء" وأن "عقولهم وبطونهم" ما زالت مسترقة بل إن المدنية الحديثة، وغلاء وسائل الحياة فيها عمق المشكلة بل وأوجد استرقاقا من نوع جديد، وفاقم من آثار الظاهرة القديمة المستمرة. *

*ما دمنا نسير في هذا الاتجاه فلن نتغلب على المشكل، لأن جهودنا ستضيع في غير محل، ومواجهتنا ستكون مع غير "عدو.*

* ***

*ثالثا: الإنصاف... والصبر*

*يقتضي الإنصاف عدم محاسبة الحاضر بتبعات الماضي، وعدم التغاضي عن ممارسة الحاضر بمبررات الماضي، وإنما أن يؤخذ كل واحد منهما بما يناسبه.*

*وعموما تحتاج معالجة "الظواهر الاجتماعية" لكثير من الصبر والإنصاف وطول النفس، والجهد المتواصل والحكمة وبعد الغور، وتجنب التشنج وردات الفعل..فالظلم –مهما كان حجمه- لا يبرر الظلم، ومن وقع عليه وتعرض له ينبغي أن يكون أبعد الناس عن ظلم الآخرين لأنه ذاق مرارته، وعدالة القضية، وشرف الغاية يحتمان شرف الوسيلة والابتعاد عن الطرق الملتوية، وعن مواطن الشبه، ومزالق الفتن.

*أدرك أن عقودا من الزمن مرت منذ أن رفع عنوان محاربة الرق، وأن بعض مناهضيها قد يكون مستعجلا، وأن السبل المتخذة لعلاج الظاهرة –كما سبق- لن تؤدي للنتائج المرجوة منها، بل إن بعضها قد يؤدي نتائج عكسية.

*وعدم وضوح النتائج أو بطئها أو قلة المتحقق منها قد يدفع بعض الناس إلى التشاؤم والنظرة السوداوية لكل الأمور، أو اليأس الذي يؤدي إلى تصرفات غير محسوبة العواقب وكلها أمور لا تليق بطالبي الحق، ولا بنٌشاد العدل...

*مهما كانت ضحالة النتائج، وبطء التقدم الحاصل في أهدافنا فلا ينبغي أن يؤثر على مسيرتنا ولا أن يميل بنا عن الطريق السوي، والعدل في المطالبة بالعدل، ولا أن يجعلنا نميل عن جادة الصواب، ونطرح طرحا لا يلائم مصلحة الوطن ولا المواطنين، فالوطن ملك للجميع، وخسارته خسارة للجميع، سيكون ضحيتها المسترٍق والمسترَق.

* إن أي حل لا يكون نابعا من الموريتانيين، -كل الموريتانيين- يعني –ببساطة- تقديم "الوطن بكل سكانه وخيراته" هدية للآخر، ليدخله ضمن حساباته التي يساوم عليها في تحقيق مآربه.

* *

*رابعا: مشاركة الجميع...*

*فالمشكلة مشكلتنا جميعا وحلها مسؤوليتنا جميعا، فعلى العلماء والمناضلين وقادة الرأي والإعلاميين والسياسيين وكل من يملك جهدا أن يقدمه في سبيل التغلب على هذه المشكلة، ومن الخطأ اعتبارها مسؤولية الدولة فقط، صحيح أن دورها لا يقارن بدور غيرها، وأن تعلق الأمر بها أكثر من تعلقه بأي شخص آخر، لكن تقصيرها في القيام بحقها –أوقيامها به- لا يعفينا من واجبنا تجاه هذه المشكلة، من المسؤولية الأخوية لإخوان لنا "ظلموا في التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والسياسة والاجتماع"، وهناك مساع لظلمهم في والواقع والمستقبل بصرف "قضيتهم" بل قضيتنا عن وجهتها الصحيحة، ومعالجة ظلمهم بظلم قد يكون أكبر منه.
*علينا تحمل مسؤوليتنا تجاه القضية وعدم تركها بين الجافي عنها المنكر لوجودها في تجاهل واضح لواقع يشكل القفز عليه مرحلة متقدمة من المكابرة، أو السعي لإعطائها غطاء شرعيا لا تملكه ولم تملكه، وبين مغال فيها ومضخم لها بل وواضع لها في إطار أكبر منها وتصوير الأمر وكأنه آثار حرب أهلية مدمرة عرفتها البلاد ولم تبق ولم تذر...

*والمعول عليه –بعد توفيق الله تعالى وحفظه- هو تسامح الشعب الموريتاني وبساطته، وقرب عفوه وبعده عن الانتقام، واستعداده لتناسي الظلم مهما كان حجمه، وتجاوز الجور ولو كان بالغا، ولولا هذه الصفات لكانت الدولة قد ذهبت مع أيامها الأولى، ولعشنا حروبا مدمرة في تاريخنا، لكن تأصل الدين الإسلامي، وسماحة التعامل في الشعب وعدم حمله الحقد تجعل الحل في المتناول... بل قد يكون أقرب مما يتصور كثير من المهتمين بهذا المجال، لكن بشرط توفر الصدق والصراحة والإرادة والفعل...*


نقلا عن الأخبار