مشاهدة النسخة كاملة : المصالحة ورياح الغرب (أمجد عرار)


أبو فاطمة
06-23-2011, 08:28 PM
المصالحة ورياح الغرب (أمجد عرار)

عندما وقّعت حركتا “فتح” و”حماس” اتفاق المصالحة في أجواء احتفالية خيمت عليها بركات الثورة المصرية، انتعشت أساريرنا وانفرجت همومنا واستبشرنا خيراً . ولما خرج بعض الفلسطينيين والعرب ليشكّكوا في نجاح هذه المصالحة والاستمرار فيها، بل سخر بعضهم من المصالحة وجزم بعضهم بفشلها . في موروثنا الشعبي، نصف هؤلاء عادة بالبوم أو الغراب الذي “لا يبشّر إلا بالخراب”، وأنكرنا عليهم مجرّد التعبير عن هذا السيناريو التشاؤمي الذي شاركهم فيه كتاب ومحللون وسياسيون “إسرائيليون” . لقد كنا أمام لحظة انتظرناها لأكثر من أربع سنوات عجاف طافحة بالدماء الفلسطينية . أربع سنوات لم يتوقّف فيها تهويد القدس وهدم المنازل والزحف الاستيطاني والاجتياحات للمدن والقرى واستمرار زج الفلسطينيين في السجون . كنا كمن يمر بحلم لا يريد أن يستيقظ منه .
كنا منتشين طائرين من الفرح ونحن نرى الإخوة الأعداء يتعانقون في قاهرة التحرير عاصمة الثورة، ولم نحتمل أية توقّعات متشائمة، لكنّنا نخشى الآن أن تكون هذه “الغربان” مصيبة في توقّعاتها، فيما نحن أخذتنا عواطفنا باتجاه تحويل الأمنيات إلى توقّعات، أو أننا ظننا أن الإخوة الأعداء رفعوا منسوب المسؤولية إحساساً بخطر وجودي يهدد ليس قضيتهم فحسب، بل وجود شعبهم فوق أرضه . اعتقدنا أنهم تجاوبوا مع تحركات الشباب الفلسطيني في كل مكان الذي رفع شعار “الشعب يريد إنهاء الانقسام”، وكدنا نظن أننا بتنا أمام صفحة جديدة من العلاقات الفلسطينية الداخلية والوحدة الوطنية .
مضطرون الآن أن نعتذر لكل “بوم” و”غراب” أسأنا الظن في توقّعاته وتشكيكاته بنجاح المصالحة، فلربما كان التوقّع مبنياً على أساس أن من الصعب تحوّل كواكب الانقسام إلى نجوم مصالحة .
لم نلق بالاً لفصائل وقيادات انتقدت نهج المحاصصة الثنائية، بل كدنا نقول لهم: بالله عليكم اتركوا المصالحة تحث خطاها حتى ولو بالمحاصصة، بالله عليكم اتركوا هؤلاء يتقاسموا كل شيء، وادعموا المصالحة من خارج السلطة التي لم يدخلها بعضكم أصلاً . فالمهم ألا نرى اقتتالاً مرة أخرى، وألا نسمع مناكفات مقرفة، وأن تتفرّغ الألسن التي لم نعد نملك غيرها في الحديث عن تهويد أولى القبلتين وثالث الحرمين، وعن الاستيطان الذي يزحف مثل مياه الفيضانات تحت أقدام المنقسمين المقتتلين المتناكفين .
الآن تخيّم علينا ذكريات اتفاق مكة الذي لم يعمّر سوى بضعة أسابيع، وجاء ما بعده أسوأ بأضعاف مما قبله . حينها كان الخلاف على أجهزة الأمن صاعق التفجير، أما الآن فالخلاف يبدأ مع البداية، عنوانه اسم رئيس الحكومة . ولا ندري ما معنى إصرار البعض على مرشّحه لرئاسة الحكومة، ما دام عنوان الصيغة “التوافق” . لا تفسير لهذا الاصرار إلا احتمالين لا ثالث لهما: فإما أن الشعب الفلسطيني خال من الكفاءات سوى اسم واحد، أو أن رياحاً خارجية، وتحديداً غربية، تعصف بالمصالحة .
كلنا أمل ورجاء أن يكون الخيار الأول هو “السبب”، فالزمن مفتوح أمام الشعب الفلسطيني إن كان “معدوم الكفاءات” أو أن هؤلاء الممسكين بمصيره هم الخيار الوحيد . وإن عجز هذا الشعب عن صنع الكفاءات بإمكانه استيرادها من الخارج، بتمويل أمريكي وأوروبي . أما الخيار الثاني فقد جربناه وكانت تجربته مريرة . التدخّل الخارجي، خاصة إذا كان غربياً، لا يصنع أوطاناً ولا يحرّرها، لا يؤسس دولاً ولا يحمي مقدّسات تتعرّض للتهويد والتدنيس . لماذا لا تستمعوا لجداتنا اللواتي يقلن “لا يأتي من الغرب ما يسر القلب” .

نقلا عن دار الخليج