مشاهدة النسخة كاملة : الانتخابات التركية وحسم الصراع (يوسف مكي)


أبو فاطمة
06-23-2011, 08:23 PM
الانتخابات التركية وحسم الصراع (يوسف مكي)

انتهينا في حديثنا السابق إلى أن الحكومات الغربية لم تكن سعيدة بصعود الإسلام السياسي إلى الحكم في تركيا . وقد توصلنا إلى أن الغرب يقف مع الديمقراطية شرط اتساقها مع سياساته . وإذا ما رأى في وجودها ما يتعارض مع مصالحه، لا يتردد عن تأييد أي انقلاب عسكري على مناوئيه، حتى وإن وصلوا إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع
ذلك يفسر لنا لماذا وقف الغرب ضد فوز نجم الدين أربكان، وكيف لم يتمكن حزبه من الصمود طويلاً . فقد حل الحزب بعد تسعة أشهر من تأسيسه، بقرار من المحكمة الدستورية . لكن أربكان التف على قرار الحل، فأسس حزب السلامة الوطني عام 1972م، الذي فاز في الانتخابات العامة ب 50 مقعداً، مكنته من المشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري عام 1974 . وتولى أربكان منصب نائب رئيس الوزراء، وحقق اعترافاً للإسلام السياسي . وتقدم للبرلمان بمشروع يحرم أنشطة الماسونية، وأعلن تأييده لحقوق الشعب الفلسطيني . وفي عام ،1980 طالب بقطع علاقات بلاده ب”إسرائيل”، وقاد مظاهرة ضخمة ضد قرار “إسرائيل” ضم مدينة القدس .
لم يقبل العسكريون بهذه التطورات، وقام قائدهم، كنعان إيفرين بانقلاب عسكري أطاح الائتلاف الحاكم، وأعاد للتيار العلماني اعتباره، وشكل مجلساً للأمن القومي، وعطل الدستور وحل الأحزاب واعتقل الناشطين الإسلاميين واليساريين .
في عام ،1983 أثناء حكومة أوزال، حدث انفتاح تركي على الحريات، فأسس أربكان حزب الرفاه الوطني، الذي تمكن في انتخابات عام 1996 من الفوز بالأغلبية، وترأس حكومة ائتلافية . وعمل على استعادة دور تركيا الإسلامي، وشكل مجموعة الثماني الإسلامية التي ضمت، إلى جانب تركيا: إيران، باكستان، إندونيسيا، مصر، نيجيريا، بنغلاديش، وماليزيا . لكن هذه الحكومة لم تستمر طويلاً، فقد تقدم جنرالات الجيش بطلبات إلى أربكان، تضمنت وقف كل مظاهر النشاط الإسلامي، فاضطر للاستقالة من منصبه . وحظر حزبه عام ،1998 وأحيل إلى القضاء بتهم انتهاك مواثيق علمانية الدولة، ومنع من مزاولة النشاط السياسي لخمس سنوات . وعاد أربكان، بعد انتهاء مدة الحظر عام 2003 ليؤسس حزب السعادة، واعتقل في العام نفسه، وحوكم بتهمة اختلاس أموال من حزب الرفاه المنحل، وحكم عليه بالسجن سنتين .
في هذه الأثناء، كان أردوغان يراقب عن كثب مشوار أربكان . وحين حل حزب الفضيلة عام ،2000 شكّل مع عبد الله غول حزب العدالة والتنمية عام 2001 واستفادة من التجارب المريرة التي تعرض لها التيار الإسلامي من قبل، فآثر عدم إثارة غضب المؤسسات العلمانية، وأعلن أن حزبه سيحافظ على أسس النظام الجمهوري ولن يدخل في صراع مع القوات المسلحة، وأن هدفه هو إقامة مجتمع متحضر في إطار القيم الإسلامية التي تؤمن بها أغلبية الأتراك . وخاض الحزب الانتخابات التشريعية عام 2002 وحصل على أغلبية ساحقة . وتولى زميله، عبد الله غول رئاسة الحكومة .
تسلم أردوغان رئاسة الحكومة في مارس/آذار ،2003 وعمل على تحقيق الاستقرار والأمن . تصالح مع الأرمن واليونان، وفتح جسوراً مع الجمهوريات السوفييتية السابقة، وأرسى تعاوناً مع سوريا، ونمّى علاقات تركيا الاقتصادية والسياسية مع العالم، وأصبحت إسطنبول العاصمة الثقافية الأوروبية عام ،2010 وكان موقفه “حازما” ضد خرق “إسرائيل” المعاهدات الدولية وقتلها المدنيين أثناء الهجوم “الإسرائيلي” على غزة . وقد أسهم موقفه ذلك في تدهور علاقات تركيا بالكيان الصهيوني .
وكانت العلاقات التركية مع الكيان الصهيوني قد شهدت جملة من الانهيارات . ففي 29 من يناير/كانون الثاني 2009 غادر أردوغان منصة مؤتمر دافوس احتجاجاً على عدم إعطائه وقتاً كافياً للرد على الرئيس “الإسرائيلي” شيمون بيريز، واتهم “إسرائيل” بقتل الأطفال . وأعقب ذلك إيقاف المناورات العسكرية المشتركة، بين تركيا و”إسرائيل” . وسعت تركيا في محاولات فك الحصار عن قطاع غزة، وقيادة قوافل الحرية، التي انتهت بصدامات دموية بين المشاركين في القوافل والقوات “الإسرائيلية” .
كيف تقرأ هذه التطورات؟ وهل تأتي في سياق الالتزام السياسي للتيار الإسلامي بقضية فلسطين؟ أم أن لها أسباباً أخرى؟ وما علاقة ذلك بالتعديلات الدستورية الأخيرة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة يختزلها الصراع المرير المحتدم قرابة أربعة عقود بين الإسلاميين والمؤسسة العسكرية العلمانية . صحيح أن تيار الإسلام السياسي، يتبنى في الأساس، قضايا المسلمين، من رؤية عقائدية، لكن من الواضح أيضاً، أن هذا التيار، تبنى طيلة تاريخه مواقف براغماتية، مكنته من التعايش لفترات معقولة مع المؤسسة العسكرية .
الواقع أن التجربة التاريخية أوحت للتيار الإسلامي استحالة استمراره طويلاً في السلطة، حتى مع حصده غالبية المقاعد في البرلمان . إن الضمان الحقيقي لاستمراره في الحياة السياسية ليس الدستور أو البرلمان، أو الاحتكام للقانون، ولكنه الشارع التركي ذاته . لقد أدرك هذا التيار، بقيادة رجب طيب أردوغان، أن العسكر لن تكون معركتهم معه سهلة، إذا ما تمكن من جعل الشارع يقف إلى جانبه . وليس هناك سياسية أكثر قدسية وعدالة من قضية فلسطين . وجاذبيتها كفيلة بإضعاف العسكر .
إن أية خطوة تقدم عليها حكومة أردوغان تجاه تقوية علاقاتها بالشرق والجنوب، ستكون رصيداً مضافاً لها أمام الشعب التركي . فقد اكتشف هذا الشعب طيلة عقود طويلة أن الأوروبيين ليسوا على استعداد لقبول تركيا عضواً في قارتهم، رغم محاولات تركية متكررة، لتجاوز عقبة الدخول إلى السوق الأوروبية، والاتحاد الأوروبي . وطالما رفض الأوروبيون منح تركيا عمقاً أوروبياً، فليس لها سوى الاتجاه لمجالها الحيوي الذي استمدت منه حضورها التاريخي، البلدان العربية والإسلامية .
هكذا تغير المشهد السياسي والثقافي التركي، فشهدت تركيا مؤتمرات التأييد لعروبة القدس، وبث التلفزيون التركي مسلسل “صرخة حجر” فاضحاً حملات الإبادة “الإسرائيلية”، وانتقلت العلاقة مع سوريا، من علاقة مشحونة بتوترات إلى مستوى استراتيجي، وكل ذلك من شأنه أن يضعف المؤسسة العسكرية، راعية العلمانية . ليصل الأمر حد المطالبة بتغيير الدستور، ليتواءم مع المتغيرات الجديدة .
لكن جملة من الأسئلة تظل قائمة، وتلح في طلب المزيد من التحليل والمناقشة: هل تمكن الإسلام السياسي من حسم الصراع نهائياً مع المؤسسة العسكرية لمصلحته، أم أنها استراحة محارب؟ وما هي الأسباب التي دفعت بحكومة رجب طيب أردوغان لتغيير مواقفها السياسية والاستراتيجية، وتبني مواقف راديكالية، تندفع إلى اليمين بقوة، تتسق مع تدخل حلف الناتو في ليبيا، وأيضاً تزعزع العلاقة مع النظام السوري، بعد الحركة الاحتجاجية التي عمت المدن السورية في الشهور الثلاثة الأخيرة؟ هل يمثل ذلك انتقالاً آخر نحو الغرب، ومغادرة لاستراتيجية التوجه نحو العمق الاستراتيجي في الشرق والجنوب؟
أسئلة سوف تكون محور مناقشتنا في الحديث القادم، بإذن الله تعالى .

نقلا عن دار الخليج