مشاهدة النسخة كاملة : قوى التقدم... تهافت الطرح السياسي و"الهروب إلى الوراء" (محمد البشير ولد محمذن )


أبو فاطمة
06-21-2011, 08:32 AM
قوى التقدم، تهافت الطرح السياسي و"الهروب إلى الوراء" (محمد البشير ولد محمذن )

قبل عدة أيام طالعتنا الصحف والمواقع المحلية بفحوى المؤتمر الصحفي الذي عقده رئيس حزب اتحاد قوى التقدم ـ لمدى الحياة ـ السيد محمد ولد مولود والذي خصصه لعرض رؤية حزبه للأوضاع الراهنة في البلد، وجاء في بداية عرض" دكتاتور" عفوا أقصد دكتور اتحاد قوى التقدم المستحوذ على رئاسة حزبه منذ ما يقارب عقدين من الزمن أنهم منذ فترة لم ينظموا مثل هذا المؤتمر، انتظارا لما سيظهره النظام من توجهات ورؤى واضحة للنهوض بالبلد،
ولكن ـ على حد قوله ـ للأسف ظهر العكس حيث البلاد الآن تعيش مأزقا حقيقيا على كل الأصعدة ،وعليه فالحزب ملزم بإطلاع الرأي العام على الواقع والموقف منه" حسب قوله.
و قبل مواصلة فحص الطرح السياسي المتهافت الذي اتسمت به تصريحات دكتور اتحاد قوى التقدم خلال هذه المهزلة الصحفية، تستوقفني ملاحظة هامة وهي أن خرف الشيخوخة السياسية بدأ يدب في أوصال صاحبنا الذي لم يعد يذكر (أو هو يتجاهل) سيل البيانات والتصريحات والهرطقات التي تصدر على مدار الساعة عن ناديه السياسي الخاص، في كل مناسبة وبدون مناسبة، منذ الهزيمة النكراء التي حاقت به وبإخوته الأعداء يوم الثامن عشر يوليو 2009 وعصفت ببقايا معسكرات الشيوعية المنهارة وأزلام أنظمة الاستبداد والظلامية التي تعاقبت على البلاد طيلة خمسة عقود خلت إلى غير رجعة..... فهل يريد منا حارس المغارة الأثرية لأسرار الأنظمة المنهارة بقوله: " إنهم في "إلحاد قوى التقدم" منذ فترة لم ينظموا مثل هذا المؤتمر" هل يريد منا أن نصدق كونه كان في فترة بيات شتوي....؟ أو في رحلة تأملية لكاهن أرثودكسي في شتاء روسيا القارص....؟ أم أن الورع والهروب من الخوض في أعراض العباد وعدم الإنشغال بحياكة ونسج خيوط المؤامرات الظلامية ضد سكينة البلاد ما كان يوما شغله الشاغل....؟ هيهات له ذلك، فنحن لم تخنا الذاكرة بعد كما يحاول دكتور "إلحاد قوى التقدم" أن يوهمنا بذلك، فكلنا نذكر تعاطيه من تحت الطاولة مع نظام ولد الطايع وهو يترنح في آخر أيامه قبل السقوط، وكلنا يذكر مبايعاته السرية للأنظمة العسكرية المتعاقبة التي يجد اليوم الوقت والمتسع الزمني والفضاء الديمقراطي المناسب، بعيدا عن العمل السري في أقبية العمالة، للتنكر لها والتهرب من تاريخه المشترك معها ولو بعد حين، وكلنا يذكر كيف عارض ولد مولود وناديه السياسي الخاص والمشكل من أدعياء الفكر والنخبوية نظام سيدي ولد الشيخ عبد الله قبل أن يطعن ولد داداه في الظهر ويدخل في حلف مكشوف مع هذا النظام في آخر أيامه حين كانت أغلبيته تتبرأ منه تماما كما فعل فعلته مع نظام ولد الطايع في الوقت الضائع حين كان الموريتانيون ينصرفون فرادى وجماعات من صفوف المؤيدين له، وكان ولد مولود كالغراب الناعق في أطلال بدأت تندرس يحوم حول الحمى يوشك أن يقع فيه صحبة القوى السياسية التي أعيتها لعبة القط والفأر، لولا أن استبقته وقبيله يد القدر، وجاء تغيير الثالث من أغسطس 2005.
ألم يعد صاحبنا يذكر أن ما تسميه نحلته السياسية وناديه الضيق بـ"سنوات النضال ضد الدكتاتورية" لا يعدو كونه تاريخا أسود من التآمر على هوية هذا الوطن وقيم هذا المجتمع وحضارته العربية والإسلامية بامتداداتها الإفريقية المشرفة، ودربا من دروب خيانة المبادئ المعلنة واعتناق سياسة الحرباء وحيل التلون في المواقف والانتهازية في التحالفات المشكوك أصلا وفصلا في جديتها.
نعم إنه وقبيله من الورثة الشرعيين للأنظمة العاجزة ما زالوا يتربصون الدوائر بمشروع التغيير البناء الذي ولد على غير ما يشتهون بمناعة مضادة لسموم الدعاية السياسية الرخيصة التي اعتادوا أن ينفثوها بكل خبث في مفاصل كل نظام جديد في هذا البلد الطيب قبل أن ينقضوا على مشروعه الإصلاحي.
لقد أثار استغراب كل المتتبعين حتى من داخل صفوف منسقية المعارضة ما بدا جليا من محاولة الرئيس الدكتور بأساليب بدائية جدا نقل الكرة من ملعب صقور منسقية المعارضة ـ وهم أقرب إلى الغربان ـ بعد ما بات واضحا الجنوح المتجدد لكل الخيرين في الساحة السياسية الوطنية وعلى رأسهم السيد محمد ولد عبد العزيز رئيس الجمهورية إلى دخول حلبة الحوار السياسي الجاد بعد طول انتظار وتعويق من لدن من يتشبثون بمنطق "أنا والبحر من ورائي"، فما كان من معسكر المرجفين إلا أن تأبط حقائبه وجمع أمتعته للانطلاق في فصل جديد من أوديسيا التعويق والتشكيك ومحاولة الالتفاف على خيارات الأمة الموريتانية الممثلة في النظام الديمقراطي التعددي الذي باسمه يتسنمون كل المنابر المباحة وغير المباحة لنشر ادعاءات واهية ودعايات مغرضة أزاحها الموريتانيون من طريقهم غداة اختيار مشروع التغيير البناء المنبثق من رحم الثورة الشعبية الهادئة التي جسدتها حركة تصحيح السادس من أغسطس 2008 بعد أن أسست لها الإطاحة بنظام الفساد الذي جثم على عقول وقلوب الموريتانيين لأكثر من نصف قرن. ففي مؤتمره الصحفي الذي اختار وقته بعناية لا تخطئ لفت انتباه الجميع لما يراد به من إرباك لجهود التوافق داخل وخارج منسقية المعارضة حول خارطة طريق لإطلاق الحوار في ظل إجماع وطني مطلوب ومنشود في هذه الظروف العربية والدولية الدقيقة، حاول ولد مولود أن يفرض رؤيته المشوشة للأحداث والوقائع في الساحة الوطنية على المتلقين من خلال تقديم موريتانيا وكأنها على حافة الهاوية، فهي من وجهة نظره "سائرة لا محالة نحو السقوط في أتون انهيار كامل بفعل الصراعات العرقية والقبلية بسبب الفقر والجوع وغياب مؤسسة الدولة، أو بفعل انقلاب عسكري وشيك أسبابه انسداد الأفق وغياب روح الانفتاح والعودة إلى زمن الانقلابات، أو بفعل انتفاضة شعبية تؤدي للإطاحة بالنظام القائم...... "، وفي تناقض صريح ومكشوف مع الفكر الانقلابي التحريضي الذي يستمده صاحبنا من صميم ترهات مخياله السياسي الآسن، يحاول ولد مولود بأسلوب متهافت استدراك شطحاته هذه وتصحيح هفواته حين يعود في نفس المكان والزمان قائلا: " إن الطريقة المثلى التي يتعين اعتمادها في هذه الظروف هي التغيير السلمي المتحكم فيه بالتوافق على وضع مرحلة انتقالية واللجوء إلى تحكيم صناديق الاقتراع للخروج من الواقع المزري" وكأننا في أزمة انتخابية خانقة، إنه عين التضليل الذي درج الدكتور المرتبك على تسويقه على مر العقود الخمسة الماضية ملفوفا في ستائر النضال من أجل إحقاق الحق وإصلاح الشأن السياسي الوطني، فعن أي شيئ يتحدث حين يحاول تقديم هزيمته في الحلبة الديمقراطية على أنها انتكاسة وأزمة لا سابقة لها في تاريخ البلاد...؟ أو أن يقدم خيار وإرادة الأغلبية الساحقة من الموريتانيين على أنها تكريس لحكم فردي للرئيس المنتخب محمد ولد عبد العزيز باعترافه هو نفسه بعد أن قهرته حجج المنظومة الدولية والوطنية واشتراطات وإكراهات المسار الانتخابي الشفاف الذي أوصل ولد عبد العزيز للسلطة. أما حين يحاول الدكتور الضائع في رماد أضغاث أحلامه أن يختصر قضية وطن وشعب وأمة بكاملها وما تعانيه من مشاكل تنموية وتبعات سيئة لتراكمات عقود من الضياع كان هو نفسه من أباطرتها ونخاسيها، أن يحاول اختصار كل ذلك في شخص رجل واحد هو الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي تشهد له الإنجازات والوقائع والورشات والمشاريع الملموسة حيز التنفيذ بأنه مثل بنظام حكمه النابع من إرادة الشعب قطيعة مع الماضي، فإن ولد مولود يبدو هنا كمن يمارس النفخ في الرماد لإثارة زوابع التعمية والتضليل السياسي. فبالله عليك يا ولد مولود دعنا وشأننا نسير في ركب قوم أرادوا الإصلاح بعد أن ظلت موريتانيا ترزح تحت وطأة الفساد والمفسدين لعقود خلت، دعنا من فلسفة التعويق التي طالما انتهجتها وقبيلك من المفلسين سياسيا في التشويش على حركة التاريخ وحتمية التغيير، إنها أساليب وحيل لم تعد تنطلي على أحد من العالمين لأنها تعبر باختصار شديد عن مستوى متقدم من الإحباط السياسي المشين خاصة بالنسبة لمن يدعون أنهم أهل طول النفس والمصابرة والتجربة في مقارعة أنظمة الفساد البائدة. أكلما تبين لكم أن نظام التغيير البناء أزاح وهما آخر من أوهامكم عن واجهة الهم السياسي الوطني وخلص منه البلاد والعباد دون الخروج على آداب وقيم الديمقراطية طفقتم تشوهون خيار أمة وتمعنون في احتقار إرادة الناخبين الموريتانيين لسبب واحد هو أنكم أقصيتم من مواقع الفعل المباشر وغير المباشر في التلاعب بعواطف الموريتانيين ومقدرات البلد، وأن غيركم نال ثقة الشعب التي أدعيتم ذات يوم تمثيلها حتى أتاكم حكم صناديق الاقتراع صاعقة من السماء، وهل أعمتكم الرغبة الجامحة في الوصول إلى السلطة بأية طريقة عن احترام مبادئ الجمهورية وروح الدستور ودولة المؤسسات التي لم تكن في أتم جاهزيتها لممارسة الديمقراطية الحقة أكثر من حالها اليوم.....؟ لعل الأيام القادمة تكشف لنا بما لا يدع مجالا للشك ـ إن كان من حاجة لذلك ـ أن الشعب الموريتاني بكل أطيافه السياسية في الموالاة و المعارضة الديمقراطية الجادة قادر على صناعة الحدث وإعادة ترسيخ وتجديد التجربة الديمقراطية الموريتانية باستمرارعبر خلق أطر بديلة للخطاب السياسي المتشنج الذي تحاول بعض أطراف منسقية المعارضة فرضه علينا وسيلة للابتزاز السياسي وطريقة مستهجنة في التعبير عن خيبة الأمل في مشاريعها السياسية المبنية على فلسفة الهروب إلى الوراء بعد أن أعيتها أساليب الهروب إلى الأمام.

نقلا عن السراج الإخباري