مشاهدة النسخة كاملة : يجب أن تخسر "إسرائيل" هذه المعركة (علي الغفلي)


أبو فاطمة
06-21-2011, 07:59 AM
يجب أن تخسر "إسرائيل" هذه المعركة (علي الغفلي)

عقد الفلسطينيون العزم على الذهاب إلى الأمم المتحدة في الخريف القادم من أجل استصدار قرار دولي بإعلان قيام الدولة الفلسطينية. يعتمد القادة الفلسطينيون في خطوتهم هذه على الاعتقاد أن دول العالم الممثلة في الجمعية العامة متعاطفة من حيث المبدأ مع مطلب إعلان دولة فلسطين، وأن أغلبية مريحة من الدول الأعضاء ستصوت في مصلحة دعم المطلب الفلسطيني، وذلك كما يبشر على الأقل سجل الجمعية العامة الذي ظل في مجمله مناصراً للقضية الفلسطينية خلال العقود الماضية.
تدرك الحكومة "الإسرائيلية" أن طرح مسألة إعلان قيام دولة فلسطين أمام الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة ليس بالأمر الذي يمكنها تجاهله أو الوقوف مكتوفة الأيدي حياله، وذلك من منطلق النزاهة النسبية التي يتسم بها السلوك التصويتي في هذه المؤسسة تحديداً تجاه الكيان الصهيوني بصفة عامة، والتي تعتبرها تل أبيب بمثابة العدائية الدولية تجاهها، ولا يمكن ل"إسرائيل" بأي حال أن تنسى القرار الذي اتخذته الجمعية العامة منذ نحو خمسة وثلاثين عاماً بمساواة الصهيونية بالعنصرية، على الرغم من أن القرار قد تم إلغاؤه في مرحلة لاحقة.
تعلم "إسرائيل" أن الانحياز الأمريكي الكامل إلى جانبها لا يجدي نفعاً في الجمعية العامة، وأنه سوف يتعين عليها أن تعتمد على قدراتها الذاتية من أجل مواجهة الدعم العالمي الضخم وراء تقديم مشروع قرار إعلان قيام دولة فلسطين في شهر سبتمبر القادم، والذي سيجري في إطار أجواء دولية لن تكون مريحة بالنسبة للحكومة "الإسرائيلية" على الإطلاق، خاصة في ضوء غياب آلية الفيتو الأمريكي الذي ظل يحمي انتهاكات "إسرائيل" وجرائمها منذ نشأتها وإلى اليوم ضد قرارات الانتقاد أو المحاسبة أو المعاقبة من قبل مجلس الأمن الدولي.
الدولية، وقد شرعت بالاستعداد لها منذ أن تأكد لها أن الفلسطينيين مصممون على الذهاب بمطلب إعلان الدولة إلى الأمم المتحدة. إن الدبلوماسية "الإسرائيلية" في حالة استنفار شديد خلال هذه الفترة، حيت عمدت وزارة الخارجية إلى إلغاء أو تقليص الإجازات الصيفية لقطاعات كبيرة من موظفيها، وحشدت جهود دبلوماسييها من أجل تحقيق هدف محدد، يتمثل في إقناع ثلاثين دولة على الأقل بعدم التصويت لصالح قرار إعلان قيام الدولة الفلسطينية.
لا يبدو هدف تل أبيب المتمثل في محاولة ضمان معارضة ثلاثين دولة لمشروع قرار قيام دولة فلسطين طموحاً إلى درجة كبيرة، ولكنه يوضح إدراك الحكومة "الإسرائيلية" لمدى حساسية الموضوع بالنسبة إليها من جهة، وصعوبة الوقوف في وجه تمرير مثل هذا القرار في الجمعية العامة، من جهة أخرى. تؤمن الأغلبية العظمى من دول العالم أن أوان استحقاق الدولة الفلسطينية كان قد حل منذ فترة طويلة، وتشعر دول كثيرة أن بقاء قيام الدولة الفلسطينية غير معلن طيلة العقود الماضية قد ظل وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، وقد حان أوان إزالة ذلك العار من خلال دعم حق الفلسطينيين في الحصول على دولة كاملة الأركان وتتمتع بالاعتراف الدولي.
لقد سئمت دول العالم المماطلة غير المثمرة التي أصابت عملية السلام في الشرق الأوسط، وصارت معظم دول العالم تعتقد أن مواصلة هذه العملية التي استمرت على مدى عشرين عاماً لم يعد خياراً عقلانياً أو إنسانياً على الإطلاق، خاصة حين يتبين أمام شعوب العالم وحكوماته أن الوتيرة المتباطئة والمتآكلة التي أصابت عملية السلام لم تعد قادرة على صنع القناعة الكافية بأنها ستؤدي إلى أية اتفاقات مهمة بين الفلسطينيين و"الإسرائيليين"، ناهيك عن ضمان حصول الشعب الفلسطيني على حقه المشروع بإنشاء دولة وطنية.
لم يعد بإمكان تل أبيب أو واشنطن إخفاء حقيقة وجود الشعب الفلسطيني الذي يمتلك الهوية الوطنية المميزة والخاصة به، والتي عجزت عشرات السنين من الإنكار والتجاهل والمناورة التي مارستها "إسرائيل" والولايات المتحدة في القضاء عليها أو حتى تشويه معالمها. ولم يعد بإمكان تل أبيب وواشنطن الاستمرار في تضليل الرأي العام العالمي بشأن قدرة الفلسطينيين على حسن إدارة شؤونهم الوطنية وممارسة حقوقهم السيادية، وذلك بعد أن بدأت شهادات الدول والمنظمات الدولية تتوالى بخصوص التأكيد على صلابة أداء المؤسسات السياسية الفلسطينية، والتي تدعمت بشكل جوهري بعد إعلان التوصل إلى اتفاق المصالحة الوطنية بين حركتي فتح وحماس.
تزداد صعوبة الموقف "الإسرائيلي" في تحقيق هدف إقناع العدد الكافي من الدول بعدم مناصرة خطوة إعلان الدولة الفلسطينية حين الأخذ في الاعتبار حالة شبه العزلة المتزايدة التي يواجهها الكيان الصهيوني على مستوى العالم، خاصة في ضوء السياسات المتشددة التي تتبعها حكومة نتنياهو في خصوص مسائل عدة، أهمها عرقلة جهود استئناف مفاوضات السلام على المسار الفلسطيني- "الإسرائيلي"، والإصرار على تنفيذ جريمة توسيع المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والوتيرة المتسارعة لإجراءات التهويد في مدينة القدس، والتمادي في تطويق قطاع غزة وعزل نحو مليون ونصف المليون فلسطيني عن العالم، وحالة الغليان الشعبي العربي التي تهدد بالانفجار في أية لحظة ضد استمرار جريمة الاحتلال "الإسرائيلي".
لن تعدم الحكومة "الإسرائيلية" حيلة من أجل المساومة بغرض التأثير في السلطة الفلسطينية لثنيها عن المضي قدماً في خطوة طلب إعلان قيام الدولة الفلسطينية من الأمم المتحدة، ولعل تهديد وزير الخارجية ليبرمان بأن تل أبيب سوف تتخلى عن اتفاقات أوسلو في حال ذهاب مشروع إعلان الدولة الفلسطينية إلى المنظمة الدولية يجسد أحد أنماط المساومات "الإسرائيلية" المتوقعة. على الرغم من ذلك، يبدو أن الكيان الصهيوني أقرب إلى خسارة معركة الدولة الفلسطينية في الجمعية العامة، ولكن التأكد من إلحاق الهزيمة به في هذا الصدد يتطلب أن توفر الدول العربية كافة أوجه الدعم السياسي والدبلوماسي من أجل مساعدة القادة الفلسطينيين على إنجاز خطوتهم المزمعة بنجاح.

نقلا عن المركز الفلسطيني