مشاهدة النسخة كاملة : مسعود ولد بلخير...إلى أين؟


أبو فاطمة
06-19-2011, 06:54 PM
مسعود ولد بلخير...إلى أين؟

تعددت محطات الجولة، لكن الخطاب كان واحدا، فقد حرص ولد بلخير، أن يضع كل النقاط على الحروف وأن يكون واضحا أكثر من اللازم، في حديثه مع مناصريه، وتلك شيمة من شيم رجل، عركته السياسة وعركها، على مدى العقدين الماضيين.
فمسعود الذي قال ذات يوم من زمن، اشتدت فيه الأزمة السياسية حتى بلغت القلوب الحناجر، إن انتخابات 6-6، لن تمر إلا على أجساد مناضلي الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، هو ذاته الذي جعل الجميع يحبسون أنفاسهم، عندما أعلن في مهرجان ابريل عام 2010، أن المنسقية لم تعد تطالب بالحوار مع النظام بل أصبحت تسعى إلى الإطاحة به.
واليوم ها هو الرجل يعود بقوة إلى الواجهة، يحمل في جعبته انتقادات عديدة، وزعها بالقسط بين ندمائه في المنسقية وغرمائه في الأغلبية.
خرج مسعود إذن من جلبابه الثوري وبدا وديعا ومسالما، إلى درجة أنه سخر من شباب 25 فبراير، بعدما كانت جهات عديدة في المنسقية، تأمل أن يجر ذلك الحراك الشبابي، عربة المعارضة، المعطلة منذ وقت طويل.
لكن اللافت في خطاب مسعود، هذه المرة، هو استعداده التام للحوار وسيره بخطوات حثيثة نحو نظام كان وحتى فترة قريبة من أكبر منتقديه ومعارضيه.
فما الذي دفع مسعود إلى اتخاذ هذا الموقف؟ وإلى أين تتجه سفينة التحالف الشعبي التقدمي؟
الإجابة على هذا السؤال، تقودنا إلى الشوط الثاني من انتخابات مارس 2007، عندما قرر ولد بلخير أن يدعم مرشح المؤسسة العسكرية آنذاك، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، على حساب رفيق دربه أحمد ولد داداه.
كانت تلك لحظة فارقة في الفلسفة السياسية لدى مسعود وحزبه ، شكلت بداية مرحلة جديدة تقوم على النضال من خلال المشاركة في منظومة صناعة القرار السياسي لا من خارجها.
وبهذا المعنى فإن معارضة مسعود الشديدة لانقلاب 2008، وترشحه لرئاسيات 2009، وعدم اعترافه بنتائج تلك الانتخابات ، وتهديده بالعمل على إسقاط النظام شكلت في مجملها محاولات للضغط على نظام ولد عبد العزيز بغية إيجاد موطئ قدم له ولرفاقه في السلطة، وفق مقاربة أبدع الحلفاء الجدد لمسعود، "التيار القومي الناصري"، في نسج خيوطها .
وتقوم تلك المقاربة على أن الحزب لا يمتلك من الزخم والشعبية ما يجعله يطمح للرئاسة، لكن موقعه في المعادلة السياسية، يجعله رقما صعبا، يسعى الجميع لإضافته لرصيده.
وإذا كان هذا النهج قد لاقى نجاحا باهرا إبان حكم الرئيس المنصرف فإنه يتجه في الوقت الحالي نحو تحقيق مكاسب أخرى في زمن الرئيس الحالي.
ولا شك أن الجميع ما زال يذكر اجتماع "تفيريت" الشهير، الذي أكد فيه مسعود ولد بلخير، أن موريتانيا ليست مستعدة للخروج من أزمة الانقلاب، للدخول في أزمة الانتخابات، وقد أجهضت تلك التصريحات وقتها، المهرجان الكبير الذي كانت المعارضة، تنوي تنظيمه غداة اانتخابات الثامن عشر من يوليو، للتنديد بالخروقات التي شابت تلك الانتخابات، حسب رأيها، والتأكيد على عدم اعترافها بالنتائج التي أسفرت عنها.
كانت تلك بمثابة رسالة وجهها مسعود إلى ولد عبد العزيز، مؤداها استعداده وحلفائه لطي صفحة الماضي، وعندما تبين للأول أن الأخير لم يتلق الرسالة أو على الأقل لم يكلف نفسه عناء الإجابة عليها، بدأت مرحلة التصعيد التي وصلت إلى حد التهديد بإسقاط النظام.
ومع ذلك ظلت مواقف مسعود دائما بين مد وجزر، فكان يشد الحبل عندما يحس بأن النظام بدأ يتراخى في الحوار، لكنه كان يرخيه، عندما يشعر بأن الجانب الآخر بدأ يشده.
والهدف من وراء ذلك، هو الإبقاء على حظوظ المصالحة كاملة.، حتى إذا ما دقت ساعتها، كان الرجل وحزبه على استعداد للتعاطي معها، وهذا بالفعل ما حدث إبان خطاب ال28 من نوفمبر، وتأكد لاحقا خلال المقابلة الأخيرة، التي أجراها ولد عبد العزيز، مع وكالة الأنباء الفرنسية.
لكن هل يعني ذلك أن مسعود والتحالف سينضمان للأغلبية؟
ليس بالضرورة، فحتى عندما كان "التحالف"، شريكا في الحكومة، إبان عهد الرئيس السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، ظل الرجل وحزبه دائما على مسافة من الأغلبية، التي قادها وقتها حزب "عادل".
الاحتمال الأكبر، هو أن يتموقع التحالف بعد انسحابه من المنسقية في الوسط، ويكون عامل جذب لأحزاب عديدة، على رأسها الوئام الذي أعلن رئيسه صراحة، أنه في حال قرر أي حزب من أحزاب المنسقية الذهاب إلى الحوار فسيقتفي أثره.
كما يتوقع أن تنضم إلى هذا التحالف الجديد أحزاب أخرى، ما زالت تعتبر الحوار خيارا استراتجيا لها، وعلى رأسها حزب اللقاء الديمقراطي و حزب التجمع من أجل الإصلاح والتنمية "تواصل"، الذي حط الرحال مؤخرا في المنسقية
وبذلك سينشأ أول ائتلاف للوسط في المشهد السياسي الموريتاني، بعدما باءت جميع المحاولات السابقة لبعثه بالفشل.
أما الاحتمال الآخر، فهو أن تقرر المنسقية المشاركة في الحوار، وهو احتمال مستبعد نظرا لأن القرارات داخل هذا الائتلاف السياسي، يتم اتخاذها بالإجماع، ومن الصعب توقع موافقة صقور المنسقية"التكتل، اتحاد قوى التقدم والوافد الجديد حاتم"، على مثل هذا القرار.
باختصار مواقف مسعود وتوجهاته الأخيرة تنذر بانفراط عقد المنسقية، بعدما طفت الصراعات بين أقطابها، على السطح وبات من المستحيل التوفيق بين تيارين، أحدهما يقوده مسعود، ويؤمن بأن السياسة هي فن الممكن وأن هذا الممكن يعني في الوقت الحالي، الدخول في حوار مع النظام، يفضي إلى إشراك المعارضة في إدارة شؤون البلاد.
والثاني يقوده ولد داداه، ويقول إن نظام ولد عبد العزيز يعاني من تعنت مزمن ولا جدوى من التحاور معه وبالتالي فإن الخيار الوحيد أمام المعارضة، هو السعي إلى إسقاطه.
إنه الصراع بين الحمائم والصقور وليست جولة مسعود الأخيرة سوى إحدى جولاته، لكن جميع المؤشرات، تؤكد أن الجولات القادمة ستكون أكثر حدة و إثارة من سابقاتها وأنها ستشهد "الضربة القاضية" التي ستحسم الأمر نهائيا، خاصة وأن الصراع دخل في الوقت بدل الضائع.

نقلا عن موريتانيد