مشاهدة النسخة كاملة : هل تستقيم المصالحة الوطنية مع استمرار الإجراءات العقابية؟ (جمال أبو ريدة)


أبو فاطمة
06-19-2011, 03:25 PM
هل تستقيم المصالحة الوطنية مع استمرار الإجراءات العقابية؟ (جمال أبو ريدة)

عانى الشعب الفلسطيني طوال سنوات النكبة من سلبه لكافة حقوقه الأساسية التي كفلتها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية على حد سواء(...)، وواحد من هذه الحقوق الأساسية حقه في جواز سفر يسافر به إلى كافة دول العالم كبقية البشر(...)، ومنذ النكبة ظل الحصول على جواز سفر فلسطيني حلماً يراود كل مواطن فلسطيني، يستغني به عن جوازات ووثائق السفر العربية وغير العربية التي حملها، وكانت سيئاتها أكثر من حسناتها وتشهد على ذلك الموانئ الدولية، وتحديدًا المطارات التي كان فيها حملة هذه الجوازات والوثائق يخضعون للتحقيق والإهانة المتعمدة، وظل الأمر على ما هو عليه حتى عودة السلطة الفلسطينية في عام 1994م، حيث تحقق للفلسطينيين وللمرة الأولى منذ النكبة في عام 1948م، إصدار جواز سفر فلسطيني خالص يؤرخ لمرحلة جديدة في حياتهم بعد عذابات النكبة الطويلة.
ولكن ومنذ الانقسام السياسي في يونيو/2007م، عمدت السلطة الفلسطينية- وبدون وجه حق- إلى اتخاذ الكثير من الإجراءات العقابية الظالمة بحق معارضيها، وعلى وجه التحديد أبناء حركة "حماس"، وواحد من هذه الإجراءات العقابية هو منع إصدار جوازات سفر لما تسميهم "بقوائم الممنوعين أمنيًا"، الذين وصل عددهم اليوم إلى ما يقارب(30) ألف مواطن فلسطيني، وذلك في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الأساسي الفلسطيني، ولمواده الـ(121) مادة، التي جاءت جميعاً من أجل حفظ وصيانة كرامة المواطن الفلسطيني الذي عانى ما يكفي من الظلم والقهر، عدا أن هذا الفعل هو انتهاك لأبسط القيم الأخلاقية والأدبية، كما أن هذا الإجراء يذكرنا وللأسف الشديد بسياسة الاحتلال (الإسرائيلي) العقابية بحق شعبنا طوال السنوات الستين الماضية هي عمر النكبة، حينما كان يرفض إصدار بطاقات الهوية للمواطنين الفلسطينيين ليتسنى لهم الإقامة في مناطق السلطة الفلسطينية بحجة الرفض الأمني.
إن حرمان السلطة الفلسطينية للمواطن الفلسطيني من حقه في الحصول على جواز سفر هو سابقة خطيرة خلفت بالتأكيد الكثير من "المآسي" للممنوعين عامة، والمرضى على وجه التحديد الذين احتاجوا للعلاج في الخارج من أمراض خطيرة ألمت بهم وأوهنت أجسادهم الضعيفة، حتى أن البعض منهم قد قضى نحبه دون أن يتمكن من السفر لتلقي العلاج في الخارج، رغم الدموع والمناشدات والصيحات التي امتلأت بها وسائل الإعلام من المرضى للرئيس الفلسطيني محمود عباس للتدخل لرفع الظلم عنهم ولكن دون جدوى، كما عانى الطلبة أيضًا من حرمانهم من حقهم في السفر للخارج للالتحاق بجامعاتهم ومعاهدهم العربية وغير العربية ... الخ من مظاهر الحرمان التي يصعب حصرها والوقوف عليها، وذلك بخلاف المفترض الذي يجب على السلطة الوطنية أن تكون عليه من تقديم كافة التسهيلات والسهر على راحة مواطنيها الذين جاءت لخدمتهم، والأهم أنها تستمد مشروعيتها السياسية منهم.
وفي الوقت الذي تطلع فيه الممنوعون من الحصول على جواز السفر انتهاء محنتهم بعد التوقيع على ورقة المصالحة بين حركتي "حماس" و"فتح" مطلع شهر مايو الماضي في القاهرة، ليتسنى لهم السفر للخارج سواء للعلاج أو الدراسة (...)، إلا أن هذا الحلم قد "تبخر" بعدما تبين أن السلطة ما زالت تستخدم هذا الإجراء العقابي حتى هذه اللحظة، رغم موافقتها الأخيرة على استصدار 140 جواز سفر من أصل 400 طلب، تم تقديمها إلى عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" نبيل شعث في زيارته الأخيرة إلى غزة، والسؤال الذي يطرحه كل مواطن فلسطيني، هو: كيف يمكن للسلطة أن تقنع شعبها بأنها جادة في تحقيق المصالحة الوطنية وتجاوز الانقسام السياسي وهي ما زالت عند إجراءاتها العقابية "الظالمة" التي خلفها الانقسام السياسي؟.
إن العقلاء في السلطة الفلسطينية مطالبين اليوم أكثر من أي وقت مضى باستخلاص الدروس والعبر مما يجري في العالم العربي منذ نهاية عام 2010م، من ثورات شعبية سلمية عصفت حتى الآن بنظامي الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك وقبله الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، رغم كل الإجراءات الأمنية والعسكرية القاسية التي لجأ إليها النظامان لمنع خلعهما، بل يمكن القول إن هذه الإجراءات هي التي عجلت بخلع ورحيل النظامين بدلا من بقائهما في الحكم، وما زالت هذه الثورات مشتعلة وتهدد بإسقاط بقية الأنظمة العربية التي سامت شعوبها سوء العذاب، وأصبح الشعار الذي تهتف به هذه الشعوب مجتمعة: " الشعب يريد إسقاط النظام"، على قاعدة "أن الجزاء من جنس العمل والبادئ أظلم".
وعليه فإن السلطة الفلسطينية مطالبة إن أرادت للمصالحة الوطنية أن تكون واقعًا عمليًا وليس مجرد شعار يرفع، التوقف فورًا عن كل إجراءاتها العقابية "الظالمة" بحق معارضيها بعدما تبين بطلان هذه الإجراءات، كما أنها مطالبة أيضَا بالاعتذار عن هذه الإجراءات العقابية، وتعويض المتضررين منها عما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية على حد سواء، وذلك حتى لا تلقى هذه السلطة المصير نفسه الذي لاقاه الحكام العرب المخلوعون.

نقلا عن المركز الفلسطيني