مشاهدة النسخة كاملة : على هامش العودة من المنفى: مصر والمفكرون والثورات العربية


ام خديجة
06-18-2011, 05:32 PM
على هامش العودة من المنفى: مصر والمفكرون والثورات العربية

http://img59.imageshack.us/img59/2339/73061874.jpg
د. كمال الهلباوي

انطلقت الثورات العربية المعاصرة بثورة تونس ثم ثورة مصر، وأسبابها ومبرراتها لا تحتاج إلى المزيد، بل إن تلك الأسباب والمبررات كانت كافية لانطلاقها منذ سنوات عديدة من قبل. سامح الله تعالى من كان مقصرا في اداء الواجب نحو شعبه ووطنه وأمته، ولا نقول في النهاية إلا 'وكل شيء عنده بمقدار'.
قضيت شهرين في مصر الحبيبة أتنقل بحرية كاملة بين بلداتها ومدنها وقراها، خاصة قرية كفرالبتانون ـ منوفية ـ مسقط الرأس، وكنت أتحدث بما أراه صحيحا ومناسباً طوال تلك المدة، لا يعوقني انتماء تنظيمي عن قول أو عمل، ولا تحدني رؤية سياسية جزئية عن الصورة الكاملة في مصر، فالشعب المصري أكبر من الاحزاب السياسية مجتمعة ومنفردة، وأكبر من كل الحركات والمؤسسات، العسكرية منها والدينية والسياسة والاجتماعية وغيرها، والجميع يكمل بعضه بعضا. ومصر أكبر الدول العربية، لا يمكن أن تختزل في حزب سياسي أو حركة أو تيار ديني واحد.
رأيت كثيرا من الزملاء القدامى والاصدقاء والاخوان والكتاب والمفكرين ورجال الاعلام والسياسة من كل التيارات الفكرية، بعضهم بعد 23 سنة كاملة. كما شاركت الثوار في ميدان التحرير بضع مرات فهم، بعد الله تعالى، أصحاب الفضل في تحرير مصر من الديكتاتورية والاستبداد، وفي العودة الى مصر ورؤية الوطن مرة أخرى. وزرت ميدان التحرير مليئا بالثوار وكذلك خاليا منهم، الفرق هائل بين الحركة والسكون. وهناك قهوة صغيره على بعد 50 متراً من الميدان تسمىbona petite حولها الثوار من الجنسين إلى منتدى فكري وثقافي متميز للحوار واللقاء والراحة أحياناً. لقيت فيها العديد من الشباب المصري الثائر عن وعي، والراغب في التضحية عن إخلاص. رأيت الروح المصرية الجديدة في هؤلاء الشباب، إما الروح المصرية أو العربية أو الاسلامية، وإما كل ذلك في شخص واحد.
من بين من قابلتهم وتحدثت معهم وفرحت بالحديث معهم والروح الكريمة السهلة السمحة، الدكتور العزيز يحيى القزاز الذي أعتز كثيراً بروحه المرحه وعقله الكبير، خصوصا عندما قال للشباب ممازحاً 'أنا إخواني على طريقة كمال الهلباوي' وهو يعبر هنا وببساطة عن طبيعة الشعب المصري وإيمانه الفطري وفهمه الميسر للإسلام. ولقد كان لمقالاته العديدة ووضوح رؤيته في الوقوف ضد الفساد والديكتاتورية أثر كبير في تحريك الشعب. وممن فرحت بلقائهم كثيرا الاخ الدكتور عبد الحليم قنديل الذي عرض علي الإسهام معهم بالكتابة في 'صوت الامة' وقبلت عرضه على الفور، فصوت الأمة يجب أن يعلو فوق كل الأصوات الجزئية والأجندات الخاصة. والدكتور عبد الحليم قنديل، خصوصاً في مقالاته وكتابه العظيم 'كارت أحمر للرئيس' كان من أبرز المعارضين للديكتاتورية في أوج قوتها وجبروتها وتسلطها، لم يرهب التهديد ولم يساوم مع المساومين، ولم يركع مع الراكعين والمنافقين للنظام البائد.
فرحت كذلك بلقاء الأخ الكريم الدكتور عمرو الشوبكي لرجاحة عقله وفكره، وقدرته على التقويم الدقيق للوقائع والأحداث وموضوعيته. وقد أكرمنا بدعوته لي مع بعض الاخوة الأفاضل في منطقة جديدة تسمى حديقة الأزهر، يدل تصميمها وتخطيطها على أن المستقبل العظيم يمكن بناؤه، وأن مصر لا تعرف المستحيل. وحديقة الأزهر من أرقى الأماكن السياحية في مصر، بما فيها من استراحات ومطاعم وألعاب ومناظر خلابة، إذ تقع على ربوة قريباً من طريق صلاح سالم وطريق الأوتوستراد، ومنها ما يوحي بالآخرة، خصوصا ًعند النظر الى المقابر القريبة، التي أصبحت مساكن مشتركة للأموات والأحياء. وهذا كان حال النظام البائد، إذ كان يؤكد أن بعض الأحياء في مصر وهم بالملايين، لا يستحقون إلا مجاورة الأموات في حياتهم، ليعتادوا على حياة الآخرة وهم على قيد الحياة في الدنيا قبل الآخرة ومن ثم سهولة الانتقال.
وقد لقيت الأخ الفاضل المهندس أبو العلا ماضي وكيل مؤسسي حزب الوسط، ووقفت على جهده الدائب مع اخوانه الكرام د.صلاح عبد الكريم والأستاذ عصام سلطان وطارق الملط وغيرهم في تسويق حزب الوسط وبرنامجه الجميل للشعب المصري في الانتخابات المقبلة. وكان حزب الوسط قد حصل على الترخيص اللازم في أول جلسة تنظرها المحكمة المتخصصة بعد نجاح الثورة، وذلك بعد انتظار دام أكثر من 15 عاما كانت تؤجل فيها القضية سياسياً حتى لا يحصل على الترخيص بسبب الانتماء السابق للإخوان المسلمين، تلك الجريمة التي سقطت بعد الثورة. لقد كانت هذه سمة الحياة الديكتاتورية في عهد المخلوع مبارك ـ حظر الآخر.
ولو أن مثل هذا الأمر حدث في البلاد الديمقراطية لاستحق حزب الوسط اليوم تعويضات كبيرة تجعلهم بين الاثرياء الكبار في العالم، وربما تركوا السياسة جانبا بعد المعاناة الطويلة واكتفوا بالتعويض المستحق، وأتمنى أن يرفع حزب الوسط قضية بل قضايا ضد النظام البائد حتى لا يفكر أي نظام آخر في مصر أو غيرها في قمع الحريات أو ارتكاب مظالم وجرائم قمع أخرى وتعويق مسيرة الحريات.
وعلى المحاكم المصرية التي رفضت هذا الحزب من قبل لمدة 15 سنة أن توضح موقفها اليوم.
شاركت كذلك في كثير من المهرجانات العامة الشعبية أو الخاصة التي اقامها الاخوان في بلاد ومناطق متعددة، أذكر منها شبين الكوم منوفية، ودمنهور، وأسيوط والقاهرة والاسكندرية. وكانت لقاءات شبين الكوم أكثر إثارة ومتعة، إذ أنها لا تبعد إلا مئات الأمتار عن كفر المصيلحة مسقط رأس المخلوع حسني مبارك. وقد اعتذرت للمهرجانات كلها عن إساءات الرئيسين السابقين من المنوفية في حق الشعب المصري والأمة العربية والاسلامية والأنسانية جمعاء، ولكنني وعدتهم كذلك بأن الرئيس الثالث من المنوفية إن حدث سيكون بمشيئة الله تعالى عادلا وديمقراطيا.
ومن أمتع اللقاءات لقاء منطقة الأميرية والخليج المصري بالقاهرة لعدة اسباب منها:
أنني شاركت الاستاذ الجليل الداعية الدكتور محمد فريد عبد الخالق صاحب التاريخ الطويل والنظرة الحضارية نحو المستقبل، وهو الذي كان مسؤولا في الاخوان عن الطلبة أثناء حياة الامام حسن البنا، وكان عضوا بمكتب الارشاد وقريباً جداً من مراكز صناعة القرار، بل كان في قلب تلك المراكز أيام الإمام البنا رحمه الله تعالى. ومصدر السرور هنا أن الدكتور فريد عبد الخالق من مواليد 1915 وعمره الان 96 سنة - أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية - وهو ينتمي الى جيل عظيم من الاخوان الاوائل ممن رافقوا الامام البنا ومنهم الاستاذ الهضيبي والأستاذ عمر التلمساني والأستاذ صلاح شادي والأستاذ حسن العشماوي والأستاذ عبد القادر حلمي والأستاذ مصطفى مشهور والدكتور أحمد الملط، وهم جميعاً ممن تشرفت بمعرفتهم والاستفادة منهم والتلمذة على أيديهم، خصوصا بعد خروجهم من السجن أو المعتقلات في أوائل أو أواسط السبعينيات، وغيرهم كثير من جيل أرجو أن نستفيد جميعاً من الدروس والتجارب التي مروا بها وعاصروها وشرحوها للأجيال القادمة.
إن الأحداث العظيمة والتطورات الخطيرة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية، تستدعي من المفكرين والكتاب والسياسيين والمؤسسات المدنية والعسكرية أن يكونوا على قدر كبير من العدل والنظرة الموضوعية إزاء الأحداث، أيا كان موقعها الجغرافي أو طبيعة القوى البشرية المعنية بها أو انتماءات النظام الذي يرتكب الأحداث البشعة في حق الشعب، سواء أكان ينتمي إلى أهل السنة أو الشيعة.
إن ما وقع وما يقع في البحرين من ظلم واضطهاد وقتل وتشريد واعتقال وتلفيق تهم، بل إجرام كان ولا يزال، يستدعي دعم المظلومين والوقوف إلى جانبهم لا الوقوف إلى جانب الظالم وزيادة الضغط على الشعب أو طائفة أو تيار دعوي أو سياسي، كما أن ما يحدث في سورية، ويقع من مظالم وتقتيل وتشريد وسجن وتلفيق تهم ومطاردات للمتظاهرين لا ينبغي أن يهمل أو يترك جانبا، لأن النظام يقف ضد الهيمنة الغربية أو أنه يقف الى جانب القضية الفلسطينية أفضل بكثير من أي نظام عربي آخر. والمبدأ القرآني العظيم واضح لا لبس فيه 'فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره'.
أقول هذا الكلام بمناسبة المحاولات المتكرره لوأد برنامج الوحدة الأسلامية ومشروعات تلك الوحدة بين السنة والشيعة، ذلك البرنامج العظيم الذي يتبناه من بريطانيا منتدى الوحدة الاسلامية، الذي اتشرف بالانتماء إليه والى برامج المنتدى. هذا المشروع من بين أهم المشروعات الواعدة فكراً وتأسيساً وتنظيماً، لوقوف الأمة صفاً واحداً كالبنيان المرصوص. تكررت هذه المحاولات الدنيئة لتشويه صورة هذه المؤتمرات في كل سنة مرة أو مرتين بإثارة الشبهات حول هذه المؤتمرات وأنشطة المنتدى من السنة الأولى، وقد اثيرت أيضا هذا العام بسبب المؤتمر الخامس والنشاط الذي يعقده المنتدى بمشيئة الله تعالى في المدة من 17- 20 من حزيران/يونيو الحالي بلندن عاصمة الحريات لأهلها، وعاصمة الاستعمار القديم لغير أهلها. في هذه السنة أعلنت نفس العصابة الدنيئة ما يلي:
'ان الاخوان المسلمين في بريطانيا قد تبرأت من العبد الفقير الى الله تعالى، كمال الهلباوي رئيس المؤتمر الشرفي واعتبار عضويته في جماعة الاخوان المسلمين لاغية من تاريخ اليوم 4-6-2011'. وقد أمهلتنا هذه العصابة التي لا يعرف لها رئيس ولا أعضاء ولا مقر ثلاثه أيام وبخلافه تصبح كل قرارات الجماعة بما فيها إلغاء عضوية كمال الهلباوي في جماعة الاخوان بأوروبا سارية المفعول.
وإنني والله لا أعرف جماعة تسمى جماعة الأخوان المسلمين في بريطانيا ولا أوروبا. ولا أنتمي إلى جماعة بهذا الاسم في بريطانيا، رغم أنني والحمد لله تعالى أول من أسس المركز الإعلامي للإخوان المسلمين في بريطانيا في منتصف التسعينيات، وقد اختارني أعضاء الرابطة الإسلامية في بريطانيا سنة 1997 رئيساً للرابطة التي تمثل فكر التيار الوسطي ولا أزال عضواً فيها. أنا أنتمي الى جماعة الاخوان المسلمين في مصر وذلك قبل انتشار بعض أعضائها وأنشطتها في بريطانيا أو في أوروبا لسنوات طويلة وتأسيس مؤسسات إسلامية معروفة المنهج والمقر والسلوك، أما هؤلاء الموتورون وهم نفس الأفراد أو العصابة التي زعمت سابقا ومن عدة سنوات أن عنوانها في دار الرعاية الاسلامية في فنزبري بارك، وظهر تكذيب ذلك على الملأ، ولم تتعلم هذه العصابة هذا الدرس وواصلت رسالتها الدنيئة الكاذبة. وللاسف الشديد أن الاعلان الذي زعمته هذه العصابة ووزعته بالبريد الألكتروني يوم 4/6/ 2011 تضمن الفقرة العجيبة التالية 'وكلنا أمل أن ترعوي إدارة المؤتمر وأن ترسل بيانا تندد فيه بالحكومة السورية التي تجرم بحق شعبها الأعزل وأن تكرس كافة أعمال المؤتمر من أجل هذه القضية العادلة'، هل تريد هذه العصابة الكاذبة أن تلفت النظر فقط الى القضية السورية؟ لماذا لم تطالب أيضا أن يهتم المؤتمر بقضية بقية الثورات العربية القائمة جميعا، ومنها ليبيا واليمن والبحرين فضلاً عن سورية طبعاً؟
وإذا أصدر المؤتمر بيانا بشأن سورية، ألا يجب عليه أن يصدر بيانات بشأن بقية الثورات ومنها البحرين؟ وإذا أصدر المؤتمر بياناً - كما هو مقــــترح من هذه العصابة الكئيبة - هل سترضى عنا هذه العصابة، وتعيد عضــويتي في جماعة الاخوان المسلمين في بريطانيا وأوروبا، أم أن قراراتهم مقدسة لا يمكن الرجوع عنها؟
تباً لهذه العصابة، وتباً لإعلانهم. لقد وقفت نفسي كما تعلمت من الإمام الراحل حسن البنا وسيرته العطرة وجهاده الدائب ونظرته الموضوعية ورسائله العظيمة رحمه الله تعالى إلى غايات أساسية، هي شرح الإسلام الوسطي للناس جميعاً وإلى السعي لوحدة الأمة الإسلامية بدءاً بالعربية، ووقفت نفسي كذلك على الوقوف ضد سايكس بيكو التي مزقت العرب والمسلمين وفرقت صفوفهم وزرعت بينهم العداوات وجعلتهم مزقاً لا تستطيع دولة واحدة، ان كانت سورية أو البحرين أو أكبر من ذلك أو أصغر أن تدافع عن نفسها ضد الأعداء، فضلا عن تحرير المقدسات وفي مقدمتها القدس.
لقد قامت الثورات العربية ليقوم العدل محل الظلم، وتسود الحريات في مواجهة الديكتاتوريات، بما في ذلك حرية العقيدة وأن تقوم العدالة الاجتماعية محل الطبقية الكريهة وتنتهي الفروق الطبقية المهينة للإنسانية. ومن أهم ما قامت من أجله هذه الثورات العربية المعاصرة أن تسود الثقة بين الشعوب العربية وطنياً وإقليمياً، فضلاً طبعاً عن توفير العيش الكريم للإنسان مهما كان انتماؤه العقدي أو الفكري أو السياسي أو العرقي أو الجنسي.
ويقتضي العدل أن يخرج الإنسان من النظرة الجزئية القاصرة ومن النظرة الطائفية البغيضة إلى نظرة أرحب في ظلال المبادئ الربانية السامية 'ولقد كرمنا بني آدم' وكذلك 'فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر'. فالله سبحانه وتعالى الذي خلقنا فسوانا وأطعمنا وسقانا وشفانا وعافانا هو الذي أعطى الحرية للمخلوق الضعيف أن يؤمن به أو أن يكفر به، هل يفهم الإنسان العربي الدرس؟ وإلى تكملة في ظلال رحلة العمر في مصر بعد (23) سنة من الغياب عنها بسبب الظلم والديكتاتورية والفساد.

' مستشار مركز الحضارات العالمية في لندن


نقلا عن القدس العربي