مشاهدة النسخة كاملة : شنقيط الوجه الآخر ...{محمد براح - شاعر جزائري}


ام خديجة
06-18-2011, 10:31 AM
شنقيط الوجه الآخر

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=300w__mohamed_4.jpg

محمد براح شاعر جزائري

حان وقت السفر لبدء الرحلة إلى شنقيط موريتانيا البلد المطل على ضفة محيط متلاطم تنشر عليه شنقيط فتائل شعرها ظفائرها الذهبية وجمالها الأخاذ، كجمانة تختفي وراء أغوار متداخلة الخيوط والخطوط ،الداخل إلى أعماقها يفتح أسرارها بهدوء وتؤدة حتى لا يفسد للترحال طعمه وجماله ، الصحراء سيدة تتربع على عرش القلوب والأرواح، تفاجئك بساطة العمران وندرة التمدن وازدحام الرمال الزاحفة إلى عتبات الأبواب فتقول في نفسك للوهلة الأولى أين شنقيط العاصمة ؟ أين شنقيط التسوق والعروض وزجاج الواجهات واستعراضات التجارة والمال والأعمال ؟

تفاجئك شنقيط بالصنعة الأولى التي عليها خلقت واستمرت كذلك كل هذه السنين بل القرون صامدة واقفة تتحدى عوامل الطبيعة الصعبة التي أجلت كل شيئ إلى حين،وربما كسرت عوامل التقدم في مجالات البنية التحتية التي يتباهى بها كثيرون في أوطاننا وربما جعلوها مقياس تطورهم ودليل قدرة على مواكبة الركب وكل هذا جميل بالتأكيد لكن العوامل تلك لم تكسر شنقيط الإنسان الضارب في الشموخ والكبرياء والعنفوان.
ولو قدر أن تتساوى الأقطار في القدرات المادية والثروات لكان التنافس يأخذ أبعاده الحقيقية لتحتل شنقيط مكانتها في التفوق فتتصدر الجميع بثروة الإنسان التي قل أن تكون في أي وطن من الأوطان.

شنقيط لوحة لم تتحمل مساحيق الحضارة الزائفة الكاذبة ولو زارها المفر الفيلسوف العالم فريد زمانه مالك بن نبي كما هي الآن فحسب ،لغير نظرته وربما فكر في عنوان جديد لكتابه الحضارة ونظرية القابلية للاستعمار فصنف شروط نهضة جديدة مستمدة من موريتانيا تضاف إلى إبداعه الفريد.

شنقيط وجه الطبيعة الذي لا يتحمل التجميل حين فضلت أن تبقى هكذا قلعة من قلاع الصحراء الصامدة الثرة بالحرف العربي والبداوة العربية والكرم الحاتمي والسخاء المتدفق،وخلف كل ذلك إنسان يتوقد نظارة وحيوية واعتزازا ونظرة حادة هادئة لا تخلو من تفكر ورجحان .

كانت الكوفة والبصرة بالعراق مدرستين مفعمتين بالحيوية في مجال البحث والتنافس تزيد الواحدة على الأخرى في نظرة إلى حرف أو حركة في كلمة أو تحوير في جملة لكنهما ظلتا وعاء يحفظ للغة بهاءها ويعيد إليها بريقها ونظارتها لتظل لغة بكرا معينها لا ينضب .

لكن التاريخ لم ينصف هذا الجزء المارد الساكن في المغرب العربي الإسلامي المتاخم لدول غرب إفريقيا، نسي التاريخ في غمرة اهتمامه بالكوفة والبصرة والحجاز أن جزء مهما من خارطة وطننا العربي الكبير اسمه موريتانيا اللغز لا يزال واقفا يتحدى.

ولو زار ابن خلدون هذا الجزء العزيز لفكر في عنوان جديد يكتبه في مقدمته الأزلية الرائعة شروط ولن يكمل قصصه وحكاياه وسيموت وفي نفسه شيئ من شنقيط كما مات سيبويه وفي نفسه شيء من حتى
هذه الجزء من المغرب العربي الإسلامي ظل محافظا على هويته وأصالته وعمق امتداده إلى أصول هذه الأمة التي فقدت عذريتها في كثير من الأقطار .

حين تأخذك الطريق إلى مركز تكوين العلماء تجد البساطة تحتفل بقدومك وتعتقد للوهلة الأولى أنه بإمكان أي إنسان أن يكون محل قبول وأن يحظى بمقعد في هذا المركز أو المعهد أو الجامعة سمه ما شئت لكنك تكتشف استحالة ذلك مجرد النظرة الأولى إلى برنامج التعليم فيه وتستنتج أن الجلوس هناك صعب المنال لا يكون يسيرا إلا لمن حظي بتوفيق الله ورعايته فالتفكير هنا عال جدا هواء البحث عن العلم نقي جدا لا تتحمله أنوفنا التي تعودت ثقل الأجواء .

إن طلابا وجدتهم من حملة الشهادات العليا في بلدانهم وأساتذة جامعات دفعتهم الرغبة إلى العلم والاستزادة منه أن يجلسوا على حصير متواضع ويفارقوا الأهل والأولاد والأوطان ويعيشوا في شنقيط العلم شنقيط المتون والفقه والأدب والسيرة والعقيدة والمعلقات وعلم الحاسوب ولقد وجدت طالب علم من تلمسان لم يعد الى الجزائر منذ خمس سنوات والسعادة تغمر قلبه بما حصله هو وزوجته من علوم يعتبرها تستحق كل هذا الحجم من التضحية والصبر.

والتقيت واحدا من المسيلة وآخر من قسنطينة أما الجنسيات الأخرى الكثيرة فحدث عنها ولا حرج
معهد تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها موريتانيا تعيش بها جالية واسعة من الأفارقة النازحين إليها من كل مكان فلم تأل جهدا أن يهتم هذا المعهد بهذه الشريحة ليتخرج منه الدعاة والأئمة الذين يسهمون في نشر ما تعلموه في أوطانهم.

الأشياء بسيطة جدا وظروف الحياة متواضعة لكن العنوان كبير وعظيم والنتيجة محققة والثمرة دانية كاملة النضج.

إن هؤلاء ينحتون بأناملهم في عقول الناس تعلقا وتمسكا بدين واعتزازا بعقيدة
لابس الدراعة وهي لباس يعتز به الشناقطة كثيرا يعتبر منظرا خالدا في ذهن رجل إفريقيا إنهم يعتقدون في لابسه الصلاح والتقوى ويعتبرونه مخلصا من قيود الذل وفاتحا إسلاميا يحمل في يديه الخير إلى الإنسانية جمعاء وينظرون إليه على أنه صاحب الفضل في ذلك بتعلم الصغار والكبار فتيان وفتيات أصول اللغة
ومبادئها في خطوة استباقية تعبر عن الغربة التي تعيشها العربية في أوطاننا لكنها في شنقيط مستأنسة بغير الناطقين بها حين احتضنوها دافئة غضة طرية .
جمعية الخير الموريتانية هي أنموذج للحضارة والتطور والتقدم،
أمام مدخل الباب رمل وقش ومظهر بداوة لكنها مجرد الدخول تجد نفسك في عالم يسبح بك في الخيال.
لقد استهدفوا أن يديروا أعمالهم دون ورق وأجبروا آلة الحاسوب الصماء أن تفعل ما خصصت لأجله فلانت لهم الأعمال وتحققت الهداف التي رسموها عن طواعية ودون إكراه .

إن حواسيبهم ما جعلت للعب أوراق النرد ولا لمشاهدة أقراص أفلام الرعب والإثارة لكنها معلومات دقيقة وعمليات عميقة وأرقام تبعدك عن لغة الإنشاء الغارقة في الوهم السابحة في اللاشيء الباحثة عن شقشقة الكلام ، فحري بالجمعيات العاملة في قطاع الشؤون الإجتماعية والخيرية أن تحذو حذوها
رقمنة المعلومات والإبداع في القيام بعمل الخير الذي لا يزال في كثير من أقطارنا سطحيا مزاجيا لا يخضع لعلم ولا يستمد من تجريب وخبرة.

الظاهرة التي تنبئ بالاستمرار هي شخص سيدي ومولاي محمد الحسن ولد الدادو رئيس جمعية المستقبل يكن له الموريتانيون حبا خاصا خالصا .

أعترف لموريتانيا أنها تشعرك أنك رجل كبير ليس السبب في حفاوة الاستقبال ولا كرم الضيافة
ولاسعة الصدور وطيبة القلوب كل ذلك منهم سجية لا تكلف فيها
لكنه سبب آخر لا تشعر به إلا في موريتانيا هو أنك تشتم رائحة العروبة في أصولها الأولى ليست
نسخة مقلدة ولا مستنسخة لكنها هكذا على حقيقتها مما يشعرك أنك حقا كبير فهل تعلمت معي كيف تصبح رجلا كبيرا ؟
زرتها شاعرا وأكاد أجزم أن عنوان الزيارة مغامرة ومجازفة لأن قصيدتك حين تقرأها في بلد المليون شاعر ليست هي نفسها حين تقرأها في بلد المليون أمي أو مليون لاحن في اللغة عمي اللسان بها
حاول أن تقيم نفسك ونصك وقصيدتك أمام جمهور لا يمل من التذوق الواعي المبصر لحقيقة الأشياء واحكم لنفسك أو عليها أمام جمهور الشناقطة التواق الذواق حين تشرئب أعناق الناس باحثة عن نغم القصيدة الجميل ووزنها الخليلي الرائق أو قل باللغة الحسانية التي يحبها الشناقطة كثيرا فهل تجد ذلك في وطن آخر فإن وجدت فلن يكون إلا موريتانيا.


نقلا عن الأخبار