مشاهدة النسخة كاملة : رسالة خطية إلي أخي صالح ولد حننه (محمد الشيخ ولد سيد محمد)


أبو فاطمة
06-16-2011, 02:26 AM
رسالة خطية إلي أخي صالح ولد حننه (محمد الشيخ ولد سيد محمد)

كلمة لصالح وكلام للصالحين وألفاظ للعابثين.
قرأت اليوم نص مقابلتك الجديدة مع موقع الأخبار وبدا لي رغم ما بيننا من علات ووشائج أن أطارحك بعض الهوى، وأن أسدي إليك بعض النصح ولو في ملأ هذه المرة لا كالمرات الأول.
عرفت صالح وأنا مطارد من قبل نظام المقدم محمد خونه ولد هيداله ومدير أمنه جوب مصطفي سنة 1983م حيث بت معه في غرفة بمنزل أخيه المرحوم محمد محمود ولد حننه، كان بيننا وهو ضابط يومئذ حديث عابر وصادق ومضيت مع الانتفاضة بقيادة المهندس سيد محمد ولد لبات، طيب الله ثراه ومضي صالح إلي وجهته، وإن كان لي أن أتذكر فإن مداهمة الشرطة لنا ووداعه لي ترك انطباعا طيبا عنه في قلبي.
كانت مداهمات الشرطة لنا من بيت إلي بيت، وكنا في معركة نكتب علي الجدران ليلا: "بالدم واللهيب سيتم التعريب"، ونوزع ضحي مناشير: "كذب الطغاة"، وكنت يومها قد فقدت بقرار جبري عملي في الإذاعة، وحنت الآذان إلي كتابات برنامجي ذي الخمسة دقائق قبل الواحدة زوال ا(بصراحة) ونداءاتي للعمال في برنامج (صوت الشغيلة الوطنية).
وإذا نسيت فلا أنسي إيواء شيخي وحبي وعظيم امتناني لي، العلامة محمد سالم ولد عبد الودود- الذي لم يكن أبدا متحزبا كما يدعي البعض- والذي دلفت إلي مكتبته بالمدرسة رقم:1 حيث آواني رفيق نضالي أحمد ولد محمد عالي بدون علمه، ومن منزله أدرنا حركة العصيان، وكان الزائر الوحيد لي بالنهار هو والدتي عائشة بنت محمد المختار، وهو ما لفت نظر حبر الأمة، فلم يرض شيخي وهو رئيس المحكمة العليا يومئذ بإيواء مطارد من قبل نظام ملأ السجون وأخاف الناس، بل كان يزورني كل زوال وأنا غارق بين لجج مكتبة
ثرية ألقت جرانها، هي مكتبته، تارة يمازح، وتارة يصبر، وطورا يسأل عن حال الأم، وتارات ينهي عن قراءة كتب الزهد ويقول لي: "إن العربي (بدلالة بني حسان) إذا انكسر قلبه خاب فحافظ علي صفة المخشوشن).
كأنه ينزع لقول عمر بن الخطاب:( تمعددوا واخشوشنوا وانزوا علي الخيل نزوا ولا تتخذوا الركب). ومما أثر في نفسي موقفه من رفيقي فقد كان يوصيه دائما ببيت من روائع شعر العرب هو:
لن يسلم ابن حرة زميله *** حتى يموت أو يرى سبيله.
وهو شاهد مشهور فقد واجه أبو البختري- صحابي من صحابية رسول الله اسمه المجذر ابن زياد فقال له يا أبا البختري لقد نهانا النبي (صلي الله عليه وسلم ) عن قتلك، وكان معه زميل له، فقال له أبو البختري وزميلي، قال لا والله ما نحن بتاركي زميلك إنما نهانا النبي عنك، فقال فلا والله لا اترك زميلي ولأموتن معه فو الله لن اترك نساء قريش ليتحدثوا عني أني تخليت عن زميلي حرصا علي الحياة، وأقبل يقاتل وهو سال سيفه
ويقول:
لن يسلم ابن حرة زميله *** حتى يموت أو يرى سبيله
وموقفه الثاني حين جاء تغيير الحكم 12 في 12 دجمبر1984م فقد سألني عن الموقف مما حدث فقلت كنا نعالج مأمورا من الكادحين، فجاءنا رجل منهم، فنهرني وقال لي بروح العالم المبصر: تمهلوا وشاوروا.. ما خاب من استشار.
كان شيخي محمد سالم ولد عدود من سلف عز نظيره من العلماء:
فهموا عن الـملك الكريم كلامه *** وأقـام أمرهم الرشاد فقاموا
وتوسلوا بـمـدامع منـهلـةٍ *** تـحت الدياجي والأنام نيام
وتلوا من الذكر الحكيم جوامعاً *** جمعت لها الألباب والأفهام
يا صاح لو أبصرت ليلـهم وقد *** صفت القلوب وصفّت الأقدام
لـرأيت نور هـدايةٍ قد حفهم *** فسرى السرور وأشرق الإظلام
فـهم العبيد الخـادمون مليكهم *** نعم الـعبيد وأفـلح الخـدام
سلموا من الآفات لما استسلموا *** فعليهم حتى الـممات سـلام
ووصفهم آخر بقوله:
إذا ما الليـل أظـلم كـابدوه *** فـيسفر عنهم وهم ركـوع
أطـار الخـوف نومهم فقاموا *** وأهل الأمن في الدنيا هجوع
لهم تـحت الظلام وهم سجودٌ *** أنينٌ منه تـنـفرج الضلوع
وخرسٌ في النهار لطول صمتٍ *** عليهم من سكينـتهم خشوع
وقال آخر في حقهم:
إن لله عباداً فـطـنا *** طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلمّا علموا *** أنها ليست لـحيٍ وطنا
جعلوها لـجّةً واتخذوا *** صالح الأعمال فيها سفنا
مضت سنين عجاف وأخر ملبنات، وطرد صالح من الجيش2000 وقبلها حظرت صحفي 1997م، وأذكر
محمد محمود ولد حمادي- ينافح عن صالح زنقة زنقة وبيوتات وديارا، وكنت ممن جاراه في الدفاع عن هذا الابن العم المظلوم، ويعرف النظام بأركانه ذلك.. لأنني كنت أظن كغيري أن الأمر مكيدة ولا يعقل أن يخطط
موريتاني لنسف منصة احتفالات
ثم جاء أخي صالح بانقلاب 8 يونيو ضد معاوية، وأخذنا أسرى مدنيين وعسكريين، مهاجرين ومقيمين، معارضين ومؤيدين.
وأسمح لنفسي أن أبوح بسر لا يزال شهوده أحياء، سأعبر عذابات مدرسة الشرطة، والبحرية، وواد الناقة... وآلام كل أسرة سقط منها قتيل، أو كبل منها أسير، أو قضي على المستقبل المهني المشرف لفلذة من أفلاذ أكبادها.. لأقول إنني وإخوة لي صبرنا في اتجاهين متعاكسين، سواء بتحمل وزر أعمال لا دخل لنا بها، ومحاولة التجني علي أعراضنا بمظالم لم نقترفها.
أتذكر أن مدير أمن ولد الطايع، قال لي بالحرف، بعد اعتقال صالح ولد حننه وانتهاء التحقيق معه: لقد استدعاني الرئيس معاوية بعد 8 يونيو وأسند إلي التحقيق في ملف 8 يونيو2003، وأوصاني علي كشف جميع خيوط المؤامرة والضالعين فيها ولم يوصني علي شخص بعينه إلا أنت قائلا لي: ميدير بالتصغير وكالة الأنباء إذا لم يكن العقل المدبر فهو شريك وهو كتب بيان الانقلاب؟؟ ثم أردف: لم يكن ينجيك من هذا – الاتهام- إلا مجيء صالح بقدميه والتحقيق معه، ولقد أرسلت نتائج الملف وبرأت فيه كذلك قبيلة.... من الانقلاب.. كان ذلك للتاريخ أسابيع قبل محاكمة واد الناقة المثيرة.
الشاهد موجود، والنظام زال، والحرج ذهب أدراج الرياح.
أخي صالح
ذكرت لك هذه المقدمة لأصارحك بحقائق بينة يجب أن لا تغيب عن ذهنك المتوقد وقلبك الطيب.
أول هذه الحقائق أن أفعال العباد مخلوقة ولذلك ألف البخاري كتابه الشهير، وأن هذه الأفعال منها ما هو متعدي الضرر، ليس علي النفس والأهل والأرض والحيوان والجيران، وإنما علي الثورة وقيمها، وعلي المناضلين وعذاباتهم، وعلي الأحزاب وجمهورها، وعلي الصادقين وعلي كثير من الأبرياء.
ثاني هذه الحقائق أن حساب التاريخ يجعل من آداب الكرام أن نعترف للأبرياء ببعض حقوقهم، فلماذا ينفضون من حولنا واحدا واحدا، شيخا ونائبا وعمدة، معجبا ومتيما وولهانا؟.
وللثوار الحقيقيين ببعض مناقبهم مثل إخراج يوسف من البئر والسجون وتشريع الأحزاب ودخول البرلمانات وإعطاء الحقوق في الوزارات والإدارات والمنافع وطي الملفات الآسنة وأشياء أخر.
وثالثها أن السياسة مصالح وأخلاق، وأن العدو للأرض والهوية لا يكون رفيقا إلا إلى طريق مليئة بالألغام.
ورابع هذه الحقائق وهي بيت القصيد لماذا تتحدث عن الأوسمة والنياشين جهارا الآن والآن فقط؟ ولماذا تمدح من ولغ في دمائنا وأعراضنا وأنت الشاهد الغائب؟؟ ولماذا تتحدث في فتح الجراح- جراح التأمت أو أغلقت بعفو أو تعويض أو تجاهل أو نسيان؟؟ هل لمصلحة ما تنكأ الجراح؟جراح من؟ وبسبب من؟.
لست عسكريا ، ولست فارسيا، ولكنني عربي قح، كنت حاتما حين خلت الديار وجاس العدو بالديار ومثلي بل من أنبل ما أنجبت جيادنا وأنقاهم سريرة حامل النياشين الذي رميته مرات بالسهام.
وصدق شاعر الإسلام محمد إقبال
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع اسمك *** فوق هامات النجوم منارا
كـنا جبالا فـي الجبال وربـما *** سـرنا على مـوج البحار بحارا
ومصدق هو كعب بن مالك
لـقد علم الأحـزاب حين تألبوا *** علينا وراموا ديننا ما نوادع
إذا غـايظونا فـي مقـامٍ أعاننا *** على غيظهم نصرٌ من الله واسع
وذلك حـفظ الله فـينا وفضلـه *** علينا ومن لم يحـفظ الله ضائع
وكان عمرو بن معد يكرب شاعرا محسنا، ومما يستحسن من شعره قوله:
إذا لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيع
وشعره هذا من مذهبات القصائد أوله:
أمن ريحانة الداعي السميع *** يؤرقني وأصحابي هجوع
ومما يستجاد أيضا من شعره قوله:
أعاذل عدتي بدني ورمحي *** وكل مقلص سلس القياد
أعاذل إنما أفتى شبابي *** إجابتي الصريخ إلى المنادي
مع الأبطال حتى سل جسمي *** وأقرح عاتقي حمل النجاد
ويبقى بعد حلم القوم حلمي *** ويفنى قبل زاد القوم زادي
وقد صدق شاعر الجاهلية في رسمه:
إن الذي بـيني وبين بـني أبـي *** وبـيـن بني عمـي لمختلف جدا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم *** وان هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
ولا احمـل الحـقد القديـم عليهـم *** وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لسنا يا صالح (من فصالة إلي عين بنتيلي) طلاب سلطة ولكننا بصراحة وبكل وضوح طلاب
عدالة وتنمية، وأمن واستقرار.
ولسنا يا أخي نلدغ في جحر مرتين بكلام وترهات العابثين بأقدار شعبهم فما قال لك السابقون لا يعتريه الصدق فهؤلاء أكلوا الضحية مرارا زنوجا وعربا وإسلاميين ومناضلين وحدثوهم كما أوهموك بأنهم صفحة بيضاء وخمروهم بخمر كذب لذة للشاربين من الحسوة الماسونية.
أناشدك اليوم- أخي صالح- جهارا، وبواحا أن تحفظ الحدود وأن تستشير العقلاء.
هذه كلمة صادقة بخطي لأخي صالح وشعر وكلام في الصالحين وألفاظ مفيدة تقرع مسامع
العابثين بمقدرات وأقدار الشعب الموريتاني الذي سلك طريقه وعرف تاريخه.
ألم يقل الامام النحوي بن مالك في مطلع ألفيته :
كـلامُنا لَفْظٌ مفيدٌ كاسْتَقِمْ *** واسْمٌ وفعلٌ ثُمَّ حرفٌ الْكَلِمْ
واحِدُهُ كَـلِمَةٌ والقولُ عَمّ *** وكَـلْمَةٌ بها كَـلامٌ قد يُؤَمّ

نقلا عن الأخبار