مشاهدة النسخة كاملة : كيف ومتى يكون الموقف صحيحا؟


أبو فاطمة
06-16-2011, 02:12 AM
كيف ومتى يكون الموقف صحيحا؟

لم تزل بعض الأوساط الإعلامية الوطنية، تطالعنا من حين لآخر، بتحاليل ومواقف سياسية، لا تنم عن فهم دقيق، ولا عن تَرَيٌث، قبل إصدار أحكامها التي تحتاج إلى كثير من الإنصاف والتوازن.
فلقد دأبت الأقلام التي تغذي تلك الأوساط الإعلامية منذ سنين عديدة، على أن تكلف أنفسها عناء تَتَبٌع المشهد السياسي الوطني، في تلاحق أحداثه، خصوصا خلال السنوات الأخيرة، بكل تعقيداتها؛ فيسمح هؤلاء لأنفسهم بتناول كل التفاصيل، في تحقيقات وتحاليل، يقدمونها على أنها شاملة وموضوعية.
وكثيرا ما تأتي هذه التحقيقات والتحاليل على خِلاف ما أراد أولئك أو زعموا. ودونما شك فإن المتتبع لما تصدره تلك الأوساط، وما تكتبه تلك الأقلام، لا يخطئ في ملاحظة اختلال المنطق الداخلي الذي يحكم مقالات أولئك، ما بين مقال يحاول قراءة مرحلة، وآخر يقرأ التي تليها؛ حيث ينتهي بنا فهم إلى فهم آخر مغاير له؛ فيغيب في تحليل هؤلاء التوالي المنطقي للأحداث، أحرى إذا كان التطابق ما بين الداخل والخارج (أي بين فهم الوقائع والواقع الفعلي) هو الآخر مفقودا.
وإذن فكيف ومتى تكون المواقف صحيحة؟
إن الموقف من أجل أن يكون صحيحا، لا بد أن يصدر عن فهم صحيح، وأن يكون ذلك الفهم قد ترتب عليه الموقف المناسب في وقته بالذات؛ وليس بعد أن يتم اتخاذ الموقف غير المناسب يكون للفهم اللاحق معنى، كما أن الموقف من أي وضع لاحق، يصعب تداركه بالتصحيح، بعدما يتبين خطأ الموقف السابق.
ليس همنا في التحالف الشعبي التقدمي أن نبين لأولئك الكتاب كيف تكون تحليلاتهم مستقيمة، ولا أن نُبَصٌرهم بالكيفية التي عليهم أن يتعاملوا بها ليتفهموا مواقفنا؛ لأننا في الحالة الأولى لا نأمن عاقبة تسرعهم، وفي الحالة الثانية لأننا لا نرتب كثيرا على سلامة فهمهم مواقفنا، كما لا نرتبه على سوء تفهمهم إياها.
ولكننا حرصا على تنوير الرأي العام، حتى لا يذهب بعض من قد تنتقل إليه عدوى هذه الأقلام، ضحية سوء الفهم ـ نذكر بما يلي:
1ـ أن أكثر العهود التباسا في أوراق اللاعبين السياسيين، وأشدها اختلاطا في المواقف والرؤى، خصوصا في أطراف المعارضة، كما هي في مكونات الأغلبية - هي المدة الممتدة من أواسط أيام معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع؛ والدعوة إلى الوفاق الوطني؛ ثم الدعوة إلى الحوار؛ وإلى انتخابات2007؛ مرورا بتأزيم الأوضاع فى عهد الرئيس سيدي مجمد ولد الشيخ عبد الله؛ إلى الإطاحة بحكومته، إثر انقلاب 6 أغسطس 2008؛ واتفاق داكار؛ ثم انتخابات 2009؛ وأخيرا إلى أجواء الحوار هذه الأيام.
2ـ أنه طوال هذه المدة، وخلال التبايُنات والتقارُبات المتعددة التي طبعت المشهد السياسي، بين كافة الفرقاء، (معارضة ـ وأغلبية، وأغلبية – أغلبية، ومعارضة ـ معارضة ) ظلت مواقف التحالف الشعبي التقدمي، كلاعب رئيس، محكومة بتغليب المعيار الوطني، دون مراعاة أي اعتبار ظرفي (حزبي مصلحي أو انتخابي).
وتقديما للمصلحة العليا للوطن، كان تَبَنٌينا لخياراتنا الحاسمة حسب التفصيل:
أ- إن موقفنا الرافض للانفتاح على ولد الطايع كان لإدراكنا أن التجاوزات التي وقعت في أيامه، وما ينشأ عنها من تهديد الوحدة الوطنية، وتردى الأوضاع السياسية والاجتماعية؛ فاعتبرنا ما يسمى الوفاق الوطني، يومئذ، نوعا من تأجيل نهاية النظام الذي كانت نهايته أكيدة؛ وأصررنا على رفض أي إصلاحات، أو تحسينات تُدخَل عليه، واعتبرنا زواله هو الحل الضروري، ولم نستجب لدعوة بعض الفرقاء إلى الحوار في ذلك الوقت.
ب ـ إن دعمنا للمرشح سيدي محمد ولد الشيح عبد الله جاء تتويجا لاتفاق لا لبس فيه، إثر مفاوضات، اتسمت بالجدية والوضوح، أفضت إلى تَبَنٌي برنامجنا الرئاسي، ومشاركة فعالة في إدارة البلد، تشريعيا وتنفيذيا؛ ووُضِعت برامج، وسُنٌت قوانين تفي بالمطلوب لتحقيق أهدافنا مرحليا، وصَدَقت الإرادة في الوفاء بتعهداتنا.
ولذا فإننا غير نادمين على ذلك الموقف. وقد تأكد أن بصيرتنا أعمق، وراجع بعض من لم يدركوا سلامة خيارنا مواقفهم بسرعة. ونحن نؤكد استعدادنا، إذا ما اقتضت الحال، أن نتخذ الموقف نفسه، كلما توافرت شروطه.
ج ـ إن رفضنا للانقلاب كان صارخا، ومعارضتنا له كانت عنيدة، ومقاومتنا إياه هي الأقوى، وقد قدمنا في سبيلها من التضحيات ما بَوٌأنا صدارتها، قيادة ومناضلين.
د ـ أن دورنا في إبرام اتفاق داكار كان هو الأبرز، وقد ظللنا ندعو إلى تطبيق كافة بنوده؛ معلنين تمسكنا القوي به. ومن ثم جاءت دعوتنا إلى الحوار وتمسكنا بجديته ولم نقبل صيغ التمييع، أو إضاعة الوقت؛ ولا أن تكون الدعوة إليه صادرة من غير أعلى سلطة، وبشكل واضح ومحدد؛ لينتهي إلى حل للمسائل الخلافية حول تسيير شؤون البلد، وتذليل الصعاب التي تهدد وحدته وأمنه ومساره الديمقراطي.
هـ ـ هذا الفهم للحوار الجاد الملزم هو ما يفسر رفضنا أي حوار ليست هذه صفاته ولا اقتضاءاته، كما فعلنا سابقا، وفعلنا الآن، قبل أن يعلن رئيس الجمهورية، الذي لم نكن أول المعلنين من المعارضة قبول نتائج الانتخابات التي فاز بها، أنه مستعد لحوار جاد، غير مشروط.
3 ـ إن هذه المواقف التحالفية التي ذكرنا بها، تستدعى منا، مقابل ذلك، أن نُذكٌر بمواقف الآخرين، خلال المدة نفسها، ومن القضايا ذاتها:
أ ـ أليس بعض من حملوا لافتات المعارضة قد ناوءوا سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وبعد ما حُسِم الأمر، أقبلوا عليه إقبال المتودد والناصح الأمين؟ ناسين أن أسلوب الحكم يحسن أن يكون غير مخالف البرنامج الذي كان أساس الخلاف.
ب ـ أو أليس بعض المعارضين قد ساهم ورعا؛ بل نَظٌر، وخلق الأجواء المُهَيٌئة للإطاحة بالرئيس المنتخب، في أول انتخابات أكثر شفافية؟ أم أن هؤلاء لم يستطيعوا الاستفادة مما كانوا يظنون أنه فراغ سياسي سيحدث؛ ليستغلوه، وصولا إلى كرسي الرئاسة؟
ج ـ أم أنهم لم يدركوا، في الأوان، أنه ما كان لمن يصل دفة الحكم مخاطرا، ليُسَلٌمها على طبق من ذهب لمن كانت مساهمته مجرد الدعوة إلى حجب الثقة عن حكومة سيطاح بها؟ أم أن تَبَنٌي الحوار، حتى قبل أن يكون رسميا وجادا، كان تَبَنٌيا تكتيكيا، طمعا في أن يقود إلى إخلاء كرسي الرئاسة، فحسب؟
د ـ إن هذه التساؤلات تسلمنا إلى سؤال آخر، هو: أيمكن أن تكون مفهومة الدعوة إلى العدول عن الحوار، والدعوة إلى النزول إلى الشارع، بعدما كان الحوار محل إجماع من المعارضة، وبعد ما اشترطت فيه الجدية، بدعوة من الرئيس مسعود ولد بلخير، وأن يعلن عنه رسميا من طرف رئيس الجمهورية، بلا واسطة؟ أمن الانسجام بين مقدمات المواقف السياسية ونتائجها، وتسلسل الأحداث المنبنية عليها أن يكون رفض الحوار، بعد الاتفاق عليه، وبعد قبوله من طرف النظام، ووفق اشتراطات المعارضة؟
هـ - هل رؤى التحالف الشعبي التقدمي ومواقفه، في مقابل رؤى و مواقف أحزاب تستظل بالمعارضة، هي سبب الإقبال الذي شهده التحالف، ومن كل مكونات الشعب الموريتاني وشرائحه، في حين عانت تلك الأحزاب، و تعاني من النزيف البشرى القاتل، كما عانت التردد في المواقف الذي يؤدي إلى أن تظل تراوح في مكانها؟
4 ـ وإذا تذكرت أقلامنا الموقرة ما لا يمكن أن ينسيها إياه إلا التسرع، و نحن لا نتهمها بضعف الذاكرة، أو ازدواج المعايير،حين تخص التحالف الشعبي التقدمي بخانة، وتضع خانة، أو خانات أخرى لغيره، و تحصي المكاسب عدا، فإن لنا أن نؤكد لها، حقائق يصعب أن تفوت على أي مشتغل بالشأن العام، وهو يحاول المطلوب من اللياقة في المواقف، حين يرى أن يتخذ موقفا، تلك الحقائق هي:
أ ـ أن التحالف الشعبي التقدمي، كما هي حال أي حزب وطني وحدوي كبير، لابد أن يكون فيه تعدد الآراء، وليس تطابق الآراء كافة أمرا ضروريا؛ ليوصف الحزب بأنه معرض للاختلال في منظومته الفكرية؛ وأنه – لا قدر الله – سائر إلى التفكك. هيهات هيهات لما يظن هؤلاء؛ إن حزبنا الآن أقوى من أي وقت مضى، وقد واجه من التحديات ما هو أصعب، واستطاع أن يتجاوز صعابه، وبكل سلاسة وقوة وتماسك.
ب ـ كما أن حزبنا لا يتخذ المواقف مدفوعا بالخوف على وضعه الداخلي؛ وإنما إصابة تحليله السياسي، وقوته الاستشرافية، ووطنيته المتأصلة، وقبوله في الساحة، وتماسكه وتمثيله الوحدة الوطنية، وكونه قبلة لمن يريد التغيير وتحقيق العدل والمساواة؛ كل تلك الصفات هي التي أهلت حزبنا لأن يحافظ على نهجه الذي يراعى المصلحة العليا للبلد، و ظل قادرا على اتخاذ مواقفه، بما تمليه وطنيته دون تردد، ولا إكراه.
ج ـ أن رئيس التحالف الشعبي التقدمي الرئيس مسعود ولد بلخير هو الذي اشترط ألا تستجيب المعارضة للدعوة إلى الحوار إلا إذا أعلن رئيس الجمهورية استعداده له، وبشكل رسمي، والكل يدرك أن البلاد الآن تعيش أزمة متعددة الجوانب، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، والوضع الأمني متدهور، ولا توجد طريقة لتخفيف حدة المشاكل، والتغلب على بعض الصعاب إلا الحوار، وترك البلاد تتردى في مشاكلها يعني السير التلقائي نحو تهديد الوحدة الوطنية، والانهيار الكلي، واللجوء إلى العنف لا يتحمله البلد، بهشاشته وتعقيد مشاكله.
د ـ وإدراكا لهذه الحقائق، ووعيا بطبيعة المشاكل والمخاطر المترتبة عليها فإن الرئيس مسعود ولد بلخير والتحالف الشعبي التقدمي أعلنا تَمَسٌكَهما بالحوار، أسلوبا وحيدا ممكنا. ولكن حرصا على سلامة هذا النهج اشترطنا جدية الحوار، وأن يعلن عنه رسميا وأن يكون ذلك فورا؛ حرصا على تدارك البلد، وانتشاله من الهاوية التي يرسف فيها.
ولذلك ـ أيضا ـ نعلن استعدادنا للشروع في الحوار وفورا، بعدما استجاب له النظام، وفق الشروط التي حددنا، وندعو إلى اتخاذ الإجراءات الضرورية للبدء فيه.
و أخيرا فإن أكثر ما نخشاه، أن تؤول الأمور إلى وضع يكون فيه ما للتحالف للتحالف، و ما لسواه لسواه؛ وكل موفق لما يختار.
أمانة الإعلام في حزب التحالف الشعبي التقدمي

نقلا عن الأخبار