مشاهدة النسخة كاملة : السلام يُصنع في العقول (عبدالحسين شعبان)


أبو فاطمة
06-15-2011, 02:45 AM
السلام يُصنع في العقول (عبدالحسين شعبان)

تبدو قضية العنف إشكالية ومشكلة، غير قابلة للحل حتى إشعار آخر، وقد باءت بالفشل حتى الآن محاولات إنهاء مشكلة العنف سواءً في المنزل ضد المرأة أو الطفل أو المدرسة أو العمل أو على النطاق الاجتماعي أو الاقتصادي، ناهيكم عن علاقة الحاكم بالمحكوم، حتى غدا العنف داخل المجتمع، وبشكل خاص العنف السياسي بجميع أشكاله ومظاهره، كأنه سيرورة، خصوصاً من خلال الانتهاكات والقمع وممارسة التعذيب وصولاً الى القتل، الأمر الذي يحتاج إلى جهود مضنية وطويلة للحد منه . فما هو البديل عن العنف؟
إن الكفاح اللاعنفي هو أسلوب سياسي له منطقه الخاص وله أسلحته الخاصة ومصادر قوته كثيرة ومتنوعة تبدأ من أبسطها وحتى أرقاها مثل الاحتجاج الرمزي وعدم التعاون الاجتماعي والمقاطعات الاقتصادية والإضرابات والاعتصامات والتظاهرات وعدم التعاون السياسي، وصولاً الى العصيان المدني، وينبغي عدم انصراف الذهن الى الخلط بين أسلوب النضال اللاعنفي وفكرة اللاعنف في بعض المعتقدات الدينية أو الأخلاقية التي تحث على نبذ العنف . ولعل واحداً من مصادر قوة العمل اللاعنفي هو أنه قد يرتدّ على الخصم وهو ما يطلق عليه “الجودو السياسية”، وهذا الأسلوب أصاب بالخوف وإلى درجة الفزع الحاكم بعد أن كان المحكوم خائفاً، وهو يفسّر ذعر الحكام من شعوبهم الغاضبة، وهو ما حصل في تونس ومصر، لاسيما باقتناص اللحظة الثورية .
يمتاز العمل اللاعنفي بأربع آليات للتغيير ضد قمع القوى المتسلطة: الأول، التحوّل وذلك بانتقال قسم من معسكر الخصم الى معسكر اللاعنف . وثانياً التكيّف عندما يضطر الحاكم الى تقديم تنازلات . وثالثاً الإرغام اللاعنفي، وذلك عند تغيير الموقف واضطرار الحاكم الى التنازل من خلال وصول التحدي الى درجة لا يمكن أن يصمد أمامها، ويصبح النظام مشلولاً وتتقلص قدرته على القمع . ورابعاً التحلل، وذلك بقطع مصادر قوة الخصم الذي ينهار أو يستسلم .
ولعل خيار اللاعنف سواءً كان خياراً فلسفياً باعتباره الوسيلة الناجعة للوصول الى الهدف، كما تبنّاه المهاتما غاندي وحقق فيه ومن خلاله أعظم انتصار للشعب الهندي على الإمبراطورية البريطانية، أو كان خياراً استراتيجياً، أي أن الخيارات الأخرى مستبعدة، لأنها حتى إن وصلت الى الهدف فستكون التضحية كبيرة والتبعات خطيرة أحياناً، فإنه خيار أخذ ينتشر ويتسع ويجمع أنصاراً وحركات، ليتبلور كتيار، سواءً لمواجهة النزاعات الفردية أو الاجتماعية بما فيها مشكلات الصراع الاجتماعي وتوزيع الثروة أو النزاعات الاقتصادية المتعلقة بقضايا العدالة أو النزاعات السياسية، بما فيه مجابهة الأنظمة الدكتاتورية أو مقاومة الاحتلال .
هكذا يبرز تيار اللاعنف، لا باعتباره قوة استسلام أو انهزامية وميوعة أو دعوة لعدم المواجهة، بل هو شكل من المواجهة الشجاعة، المدنية، السلمية بقوة ناعمة تستبعد الحلول الخشنة أو العنفية . اللاعنف يظهر أيضاً قيماً جديدة باتجاه أهداف قيمية، مثل الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والعدل، سواءً من خلال التضامن المجتمعي ومشاركة واسعة من أعداد غفيرة من الناس أو يمتد عبر الحدود، وذلك من خلال التضامن الدولي والأممي . والخيار اللاعنفي حسب أحد أبرز مفكري اللاعنف في العالم العربي الدكتور وليد صليبي هو خيار وجودي علني سلمي ومدني وواضح، وليس موارباً، انقلابياً، تآمرياً، عنفياً، وهو يعني إعادة اتصال بالهوية الإنسانية، وإعادة اكتشاف الذات، وهو يعتقد أن المرحلة الراهنة مؤاتية لتوسيع خيارات اللاعنف جذرياً في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص، خصوصاً من خلال التربية على اللاعنف ونشر الثقافة اللاعنفية .
واللاعنف هو تحمّل مسؤولية فردية بالأساس وجماعية في الوقت نفسه إزاء قضية التغيير، من خلال أعمال مدنية، سلمية تبدأ من الاحتجاج وتتطور تدريجياً، وقد جرّبت بلدان غير قليلة خيارات اللاعنف، وكانت الانتفاضة الفلسطينية أواخر عام 1987 وأوائل عام 1988 برمزيتها “الحجارة” خياراً لا عنفياً ضد الاحتلال، وقبلها انتفاضة عام ،1936 وقد ساهمت حركة تضامن عربية وعالمية باستمرارها مدّة ستة أشهر، ويُذكر أن العلامة الشيخ كاشف الغطاء كان قد أعلن من العراق عن التضامن مع الانتفاضة ودعوة المسلمين الى الحج في ذلك العام الى القدس، استثناءً، تضامناً مع الشعب العربي الفلسطيني ضد الصهيونية وممارساتها في السعي لاحتلال الأرض والعمل والإنتاج والسوق .
قد لا يؤمن الكثير من الناس الذين يعانون من عنف الأنظمة والاحتلال بمثل هذه المعادلة للمقاومة اللاعنفية، أو ليست لديهم الثقة بأنها ستحقق الهدف المرجو وهو إزاحة الأنظمة وإلغاء الاحتلال، لكن تجربة تونس ومصر مؤخراً، كما هي تجارب أوروبا الشرقية وعدد من دول أمريكا اللاتينية أثبتت نجاعة هذا الطريق، خصوصاً بالتصميم والعزم والثقة بالنفس وبمهارات المقاومة المدنية اللاعنفية، ولاسيما إذا كانت ضمن خطة وتكتيك وهي خيارات للتحرير الاستراتيجي إذا ما تم الاختيار فلسفياً واستراتيجياً في الآن ذاته .
لعل مناسبة الحديث هذا أيضاً هي تأسيس “جامعة اللاعنف وحقوق الإنسان” (جامعة أونور unohr)، حيث كان حفل افتتاحها في بيروت وكما عبّر عنها مؤسساها الدكتورة أوغاريت يونان والدكتور وليد صليبي وصديقهما وعضو مجلس أمناء الجامعة البروفيسور جان ماري مولر أن هدفها تربوي تغييري، أي أنها جمعت المشروع الأكاديمي مع مشروع التغيير، من خلال تهيئة كوادر علمية تؤمن باللاعنف وعبر نشر الوعي القانوني والحقوقي بأهمية ثقافة السلام والتسامح واحترام حقوق الإنسان .
ولعل هذه السمة السلمية، اللاعنفية، المدنية كانت السمة الأغلب للثورات والانتفاضات المشتعلة في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، كما أن مسيرات العودة التي انطلقت باتجاه الحدود مع المحتل “الإسرائيلي”، إنما هي تعبير مدني، سلمي، حضاري، لا عنفي، لاستعادة الحقوق بهدف إرغام العدو على التسليم بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وعودة اللاجئين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، على الرغم من مجابهة “إسرائيل” لها بالرصاص .
قد تبدو فكرة وجود جامعة لنشر ثقافة اللاعنف وحقوق الإنسان، مثالية لكنها، كما أرى، ضرورة وحاجة ماسة، وبالقدر نفسه فهي مهمة أكاديمية ونضالية لفرض هذه الثنائية المتلازمة، المتفاعلة، العضوية والتي يمكن أن تتحول إلى قوة مادية يصعب اقتلاعها إذا ما استطاعت إقناع أوساط واسعة بصواب ومبدئية هذا الطريق .
ولعل هذه الجامعة هي أول جامعة على المستوى العالمي تُنشأ بمبادرة وتعاون بين نخبة أكاديمية متميّزة دولية وعربية، وهي محاولة جديدة، واثقة وهادفة وحتى إنْ بدت عكس التيار، إلاّ أنها تدرك وعورة هذا الطريق، بقدر إدراكها صدقيته ونبله وضرورته الحياتية لجيلنا الحالي وللأجيال القادمة، لبناء سلام حقيقي قائم على العدل واحترام حقوق الإنسان، وهي الثقافة التي تخشاها القوى المتنفّذة والمتسيّدة على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية .
وإذا كان السلام يصنع في العقول قبل صناعته على الأرض، فإن العنف يتم القضاء عليه بالعقول أولاً، لاسيما عبر تشخيص أسبابه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والنفسية، ذلك هو السبيل لمواجهته الجدية . إذاً لنبدأ رحلة العقول والحق والمعرفة، فالمعرفة قوة لا تضاهيها أية قوة أخرى .

نقلا عن دار الخليج