مشاهدة النسخة كاملة : التشكيك في المعارضة لمصلحة من؟ (محمد عالي ولد معاوية)


ابو نسيبة
06-13-2011, 03:12 PM
التشكيك في المعارضة لمصلحة من؟ (محمد عالي ولد معاوية)

يسوءني كثيرا أن بعض الأشخاص لا يفوتون سانحة إلا استغلوها في كيل الاتهامات للمعارضة بأنها حفنة من المرتزقة وطلبة المجد الشخصي،إلى غير ذلك من النعوت.
وبغض النظر عن كون هؤلاء كثيرا ما يكونون ممن يرون أن إنكار ما ستقوم به المعارضة لو أنها حكمت أكثر أولوية من إنكار ما يقوم به النظام حاليا من فساد؛ فإنني أظن أنه من غير الموضوعي الحديث بهذا الشكل عن معارضة أثبتت على مدى عشرين سنة أنها عصية على الإغراء الذي أسقط الكثيرين في براثنه.
نعم كان ينتقد على هذه المعارضة الكثير من التشدد الذي لا يقبل أنصاف الحلول. وهذه تهمة بقدر ما تحيل على مثالية لا تخدم المرحلية في الإنجاز والمناورة المرنة التي هي مبادئ أساسية في السياسة، فإنها أيضا تشهد بالتمسك بالمبدأ والصدق فيه.
لكن هذه المعارضة خففت من مثاليتها المتشددة بعد تجاوزها لـ"عقدة ول الطايع"؛ وهو ما تمثل في رفع النظام الحاكم من مرحلة "الشيطان" إلى مرحلة الغريم الذي يصادم أحيانا ويهادن أحيانا، بل يتحالف معه أحيانا أخرى. وأبرز الأمثلة على المهادنة ابتداع حزب تواصل لأسلوب "المعارضة الناصحة" منذ انتخابات 2006 و2007، أما التحالف معه فأمثلته كثيرة من دعم التحالف الشعبي لول الشيخ عبد الله في الشوط الثاني 2007، إلى دخول تواصل وقوى التقدم في الحكومة 2008، إلى دعم التكتل لانقلاب أغشت 2008.
وبالرغم من أن دعم التحالف الشعبي التقدمي لمرشح النظام (2007م) اتسم بحالة من البرغماتية لم تكن مألوفة في الساحة السياسية يومئذ، إلا أن هذه البرغماتية ظلت ترخصا في وقت السعة، لا يساوم على المبدأ في أوقات العزيمة؛ وهو ما يشهد له تمسك الحزب بالشرعية حينما أراد حلفاؤه في الأغلبية التخلي عنها مجاراة للعسكريين، إذ لو كانت القضية قضية أطماع لا مبادئ لذهب مسعود ورفاقه مع العسكريين لأنهم الطرف الأقوى.
أما دخول تواصل وقوى التقدم في حكومة ول الشيخ عبد الله فهو شعور مبكر بالانقلاب الذي يعد له الجيش على التجربة الديمقراطية الوليدة، فمن ثم كان عليهم مسؤولية حماية الحد الأدنى من الديمقراطية الذي انتزع من العسكريين خلال المرحلة الانتقالية 2005 ثم عادوا ليسرقوه؛ ولكن تدخل هذين الحزبين غير موازين اللعبة فاضطر العسكريون إلى أن يلعبوا على المكشوف .
لقد استطاعت هذه المعارضة أن تنجز للبلد الشيء الكثير خلال عشرين سنة ومن أمثلة ذلك:
1ـ ظلت مدافعا عن قضايا المجتمع وهويته، ففي ظل نظام عسكري مستعد لبيع كل شيء وقفت هذه المعارضة لتكون لسان وجدان المجتمع الرافض لاستهداف الهوية الإسلامية ممثلة في المساجد والدعاة واللغة العربية... المدافع عن قضايا الشرائح المهمشة وتلك المضطهدة، المشنع على التطبيع بما يمثله من تخل عن القضايا الإنسانية العادلة...
2ـ أجبرت معارضتهم الشرسة العسكريين على التخلي عن ولد الطايع بعد طول استمساك به، وعلى القيام بإصلاحات كبيرة غير مسبوقة في المرحلة الانتقالية امتصاصا للاحتقان الناجم عن نجاح هذه المعارضة في تجييش الرأي العام، وتفاديا لأي تغيير غير محسوب.
وهنا يذكرني حال الشعب الموريتاني ب"العالم الذي: يعلم ويجهل أنه يعلم" كيف لم يفهم كثيرون من هذا الشعب أن ما قدمه العسكريون سنة 2005م لم يكن منحة، وإنما كان تحت ضغط النضالات التي كانت توشك على الإطاحة بالنظام من جذوره. لقد كانت الخطة ماكرة فلنسكت المعارضة ومن خلفها الشعب المنتصر لها بإعطائهم الإصلاحات التي يطالبون بها مؤقتا، على أن نعود إلى الحكم متى ما عاد الشعب المتحفز إلى غفلته، وهو ما وقع بعد ثلاث سنوات عندما عادوا من باب الانقلاب بعد أن نجحت المعارضة التقليدية بتحالفها مع ول الشيخ عبد الله في إغلاق النافذة التي كانوا يريدون العودة منها خلسة.
3ـ كرسوا التعددية وفرضوا المعارضة داخل الجهاز التشريعي والمحلي في تطور ملموس انتقل بالوجود المعارض في هذه الأجهزة من نسبة لا تزيد على الصفر كثيرا في التسعينات؛ إلى سيطرة على كبريات البلديات ونسبة 14% داخل البرلمان في انتخابات 2001م، وتكرس ذلك في انتخابات 2006م بمضاعفة البلديات التي حصلوا عليها، وحصدهم 40% من مقاعد البرلمان.
دوافع غير بريئة
إن ذلك التحامل على المعارضة لا يمكن أن يصدر إلا عن واحد من اثنين:
معارض ذو مثالية محلقة يعيب على المعارضة بعضا من المرونة بدأ يدخل أداءها في الفترة الأخيرة، فمثالية هذا المعارض العتيد تلعب بطريقة "كل شيء أو لا شيء". وفي الحقيقة فإن هذا الأسلوب يتسم بالكثير من التصلب الذي لا يناسب السياسة، كما أنه يجعل المعارضة هدفا في حد ذاتها.
أما الثاني فهم المستفيدون من استمرار الفساد وهؤلاء هم أكثر من يلعب بورقة التشكيك بالمعارضة، وأكبر المستفيدين منها حيث يثبطون إرادة التغيير عند الناس من خلال الزعم بأن المعارضة متى حكمت فلن يكون هناك أي اختلاف بينهم وبين الحاكمين الحاليين؛ وهذا منطق معيب من نواحي عدة:
1ـ أنه يسوي بين من ولغوا في الفساد بل غرقوا فيه حتى الآذان، وبين من وقفوا معارضين له ولم يلينوا في ذلك ولم يداهنوا. وهو منطق جائر لأنه يسوي بين من فشل في الاختبار ومن نجح فيه بامتياز.
2ـ أن "النخبة" التي تحكمنا قد علمنا سوءها، أما هؤلاء فعلى الأقل غير ميئوس منهم.
3ـ أن المعارضة والنظام ضدان، ولايمكن أن يصنفهما في خانة واحدة إلا أحمق أو صاحب غرض مشبوه.
المعارضة والنظام ضدان؛ إذا كان أحدهما خيرا فالآخر شر تلقائيا. ولأن النظام شر وفساد فهو يروج من خلال أجهزته الدعائية أنه والمعارضة من طينة واحدة؛ كي يثبط الشعب عن دعم التغيير. ومن خلال عملاء النظام المبثوثين في الباصات وسيارات الأجرة وفي الأماكن العامة تصل هذه الدعاية السوداء إلى ألسنة بعض الحمقى والمغفلين ليرددوها دون وعي وببغائية بلهاء.
وليس معنى هذا أنني راض عن المعارضة. غير أن الأمانة الموضوعية تقتضي أن أفرق بين التقدير والإعجاب الذي يستحقه النجاح الأخلاقي الكبير الذي حققته هذه المعارضة في ثباتها على المبدأ رغم الاضطهاد الذي قاسته وهي ترى المغريات التي يتمتع بها من انحرفوا عن الدرب؛ وبين الإحباط بسبب فشلها الذريع في تحويل القوة المعنوية التي يمنحها لها ذلك النجاح إلى فعل على الأرض يفرض تحقيق الإصلاح المأمول شعبيا.

نقلا عن السراج الإخباري