مشاهدة النسخة كاملة : الثورات العربية من صنع محلي (عبد الاله بلقزيز)


ابو نسيبة
06-13-2011, 08:26 AM
الثورات العربية من صنع محلي (عبد الاله بلقزيز)

على المرء أن يكون على درجة محترمة من الغباء كي يصدق الرواية الرائجة لدى جمهرة من المثقفين والذاهبة إلى دمغ الثورات العربية الجارية بتهمة الصناعة الأجنبية . بدأت هذه الرواية بداية محتشمة أثناء الثورتين التونسية والمصرية، ثم لم تلبث أن انتقلت من الهمس إلى العلن، من الخفوق إلى الذيوع، في الشهرين الأخيرين (إبريل ومايو 2011)، في امتداد خشية أهل هذا الخطاب المفزوع أن يمتد لهيب التغيير فيأتي على حقل النظام العربي كله،ومع أننا لا نتهم القائلين بهذا الرأي، المروجين لهذه الرواية، بأنهم من ألسنة هذا النظام العربي وأقلامه - فبعضهم يساري أو من أصول يسارية - إلا أن مآل ما يقولونه إلى الصب في رصيد ذلك النظام المتداعي أركاناً والمرتجف أوصالاً، في هذه الأيام، الباحث عما يلتمس لأزمته الأعذار بردّها إلى فعل فاعل من الخارج يكيد له ويتربص به .
من يقول إن الثورة من صنع الخارج يجهل - على القطع - معنى الثورة وأسباب نزولها وسائر ما يدخل في جملة تكوينها، ويعاني من نقص حاد في الوعي السياسي والاجتماعي والتاريخي . لسنا في حاجة إلى التذكير بأن أكثر من يهرع إلى مثل هذا التفسير لظاهرة اجتماعية وتاريخية كبرى مثل الثورة إنما هو مسكون بفكرة المؤامرة . والفكرة هذه 0 كما نعلم - من أشد الأوهام فتكاً بالعقل السياسي العربي في تاريخنا المعاصر . ومع أنه قام من التاريخ الحديث أكثر من دليل على مشروعية الأخذ بها كفرضية للتحليل والتفسير، بسبب ما تعرضت له البلاد العربية من تمزيق وتقسيم طيلة الحقبة الكولونيالية، فإن الإدمان على العمل بها في كل الظروف والأحوال، وتحويلها إلى تميمة سياسية، وفكرة تأسيسية في كل تحليل، بل وإلى عقيدة ثابتة في الوعي، إنما يأخذ الوعي المسكون بها إلى حالٍ مرضية حادة تفصمه عن الواقع فصاماً شديد الخطورة في نتائجه، وتلك اليوم حال الوعي الذاهب إلى حسبان الثورات العربية الجارية من فعل فاعل خارجي .
لا تنطلق ثورة، أية ثورة، بالضغط على الأزرار، فهي ليست مادة طبيعية أو اصطناعية، صماء يمكن التأثير فيها أو خلقها أو إخضاعها للبرمجة الآلية .
إنها ظاهرة اجتماعية - سياسية وثقافية ونفسية محكومة بشروطها التاريخية وظروفها الآنية وعواملها العميقة: البعيد منها والقريب، من دون العودة إلى أوضاع تونس ومصر،والتاريخ المعاصر للصراعات الاجتماعية والسياسية فيهما، وضغط مسائل الاستبداد والفساد في الحياة السياسية والاقتصادية فيهما، ومستوى نمّو الوعي الديمقراطي لدى شعبيهما، ودرجة تآكل واهتراء هيبة النظام في الإدراك العام لدى الأجيال الشابة الجديدة، لا يمكن فهم الأسباب التي قادت إلى الثورة في البلدين وأظفرت الشعبين بها . وقُل الأمر نفسه عن الثورات الأخرى التي لم تصل بعد إلى نهايتها السعيدة، كما في اليمن وليبيا، أو عن الحركات الاجتماعية الاحتجاجية والإصلاحية التي لا تزال محتبسة في أنفاق الاستبداد والقمع الدموي ولم تفرج عن نتائجها حتى اللحظة، الخ . فهذه - مثل سابقتها الظافرة - إنما ولدت من رحم ظروفها الاجتماعية ولم تنشأ من أمر آمر فتنزل على مجتمعاتها بعملية إسقاط مظلي .
على أننا إذ ننفي، على وجه من القطع، أن يكون للتدخل الخارجي دورٌ في إنتاج حالة الثورة أو حالة الاحتجاج الشعبي العارم في الوطن العربي، للأسباب التي ألمحنا إليها، لا ننفي أن يحصل مثل هذا التدخل أثناء الثورة أو الاحتجاج وبعد انطلاق فصولهما، ولا يحتاج المرء إلى كبير ذكاء للتمييز بين الأمرين: بين أن تنشأ ثورة في رحم ظروفها وشروطها الاجتماعية - السياسية والثقافية والنفسية فتخرج إلى الوجود، وأن يحاول هذا الطرف أو ذاك استغلالها ومحاولة التأثير في مجرياتها ومساراتها بغية أخذها إلى نهايات يبتغيها أو يرى فيها مصلحة له . المتدخل في هذه الحال لا يصنع ثورة أو يطلقها، وإنما يجرب أن يختطفها أو يصادرها أو يحصد بعض نتائجها بعد أن يكيفها على النحو الذي يناسب مقصده، وليس في وسع أحد أن يمنع قوة خارجية من أن تدس أنفها في مجتمع يشهد ثورة، كالمجتمعين التونسي والمصري في حالتنا وخصوصاً حينما تكون القوة الخارجية تلك ذات تأثير في الصعيد الدولي، بل إن المنطق يقتضي الاعتقاد بأن مثل هذا التدخل من أبجديات السياسة وبداهات الأمور بالنسبة إلى قوى خارجية كبرى أسقطت الثورة أنظمة حليفة لها وللكيان الصهيوني، وقد تأتي بقوى معادية لها إلى السلطة، وتلك على الأقل هواجس الولايات المتحدة الأمريكية حيال الثورة في مصر وتونس، وهواجس فرنسا حيال تونس . الذين يفترضون الثورة صدىً لنداءٍ (بل أمر) خارجي يخلطون عن عمد أو من دون قصد، إذا ما نحن أحسنا الظن بهم، بين الثورة كظاهرة اجتماعية وإرادة استغلالها والتأثير فيها بعد أن تنشأ وتندلع .
لكنهم، في الأحوال كافة، يحتقرون شعوبهم حين يستكثرون عليها أن تنتفض ضد حكامها المستبدين والفاسدين، حتى لا نقول إنهم يتهمونها بالعمالة .

نقلا عن دار الخليج