مشاهدة النسخة كاملة : "راكبو الحرية" وغزة (أمجد عرار)


ابو نسيبة
06-13-2011, 08:07 AM
"راكبو الحرية" وغزة (أمجد عرار)

قبل خمسين عاماً استقل أمريكيون سمّوا أنفسهم "راكبي الحرية" حافلات وتوجّهوا إلى جنوب البلاد لتحدّي التمييز العنصري، حيث لم يكن مسموحاً للأمريكيين من أصل إفريقي بالجلوس إلى جانب البيض في حافلات النقل العام.
وإذا كان التمييز العنصري قد تقهقر في الداخل الأمريكي، فإنه ما زال يفعل فعله في أماكن عدة في هذا العالم. ولعل انضمام أمريكيين إلى سفن كسر الحصار عن قطاع غزة، شكل من أشكال الاحتجاج على سياسة الكيل بمكيالين في التعاطي مع حقوق الشعوب وتطلعاتها الوطنية. الأمريكي الذي يقرأ أو يسمع عن نضال الأمريكيين من أصل إفريقي وتضامن أوساط واسعة من البيض معهم، لا يستطيع أن يفهم كيف يفرض حصار قاس على مليون وسبعمئة ألف في غزة، ويمنع عنهم الغذاء والدواء وحليب الأطفال، وعندما يذهب أناس من كل أنحاء الدنيا للتضامن معهم، ترتكب "إسرائيل" بحقهم مجزرة، وتخرج الحكومة الأمريكية لتبرير المجزرة واعتبارها "دفاعاً عن النفس".
لذلك من الطبيعي، ونحن على موعد مع تحرّك "أسطول الحرية 2" إلى قطاع غزة نهاية يونيو/حزيران الحالي، من الرائع أن نسمع من أمريكيين أكاديميين وطلبة وحقوقيين أن مبادرتهم مستوحاة من مبادئ مارتن لوثر كينغ التي تدعو إلى العمل المباشر، أي خلق حالة متوترة جداً تجبر العالم على الانتباه ورؤية ما يحدث للفلسطينيين. هم يعرفون أن حكومتهم لا تروق لها هذه الرسالة الإنسانية، لأن الإدارة الأمريكية لديها رسالتان، واحدة تنص على تبني الجمل "الإسرائيلي" بما حمل، والثانية تنص على الوقوف بالمرصاد لكل من يغرّد خارج السرب الأمريكي، حتى لو جاءت به صناديق الاقتراع.
ولأنها كذلك، فإن شخصاً مثل بان كي مون قرأ الرسالتين وفهمهما جيّداً وقرر النجاح في امتحان التجديد لنفسه لولاية جديدة رئيساً لمنظمة دولية يسمونها الأمم المتحدة. وفي لحظة الاختبار، بان السيد بان على حقيقته غير الموضوعية في ما يتعلّق بأمانة المسؤولية. فقد أطلق ابن الدبلوماسية الكورية الجنوبية سيلاً من التصريحات الرافضة لتوجه "أسطول الحرية 2" إلى غزة، ولعلّه تجاوز التصريحات "الإسرائيلية" بهذا الصدد. ولم يكتف بالتصريحات بل انهمك في إرسال الرسائل لقادة الدول المعنية لمنع مشاركة مواطنيها في الأسطول.
لا بد للسيد بان أن ينسجم مع المنظمة التي يرأسها، على أقل تقدير، وهي قالت كلمتها وإن بفتور، عندما ارتكبت "إسرائيل" مجزرتها المشؤومة بحق "أسطول الحرية 1"، تلك المجزرة التي مرت ذكراها السنوية الأولى قبل بضعة أيام. فالبعثة التي أرسلتها المنظمة الدولية للتحقيق في المجزرة قالت إن ما قامت به "إسرائيل" عمل غير أخلاقي، وبالمقابل طالبت البعثة برفع الحصار عن غزة. وما دام الأمر كذلك، فإن من المشروع لنا أن نتساءل إن كان السيد بان يرأس الأمم المتحدة أم يتولى منصباً في وزارة الخارجية الأمريكية؟
لم يتأخر تقويم الاختبار، ونطق به باراك أوباما بوضوح، أنه يدعم بان كي مون في ولاية جديدة، وكالعادة تبعته بريطانيا. وإن كانت واشنطن ولندن مخلصتين لسياستهما الممتدة لعقود، فإن من غير المنطقي والمعقول أن يتشبّث المرء بمنصب ويكون الثمن مصائر شعوب وأرواح بشر. كان يمكن للسيد بان أن ينحاز للمظلومين والمضهدين في كل مكان، وليكن ما يكون، وهو سيعود إلى بلاده فيجد أمامه رصيداً يعتز به، لأن أي شعب يعتز بنفسه لا بد أن يقدّر أحد أبنائه عندما يقول "لا" دفاعاً عن قضية إنسانية.

نقلا عن المركز الفلسطيني