مشاهدة النسخة كاملة : معركة القبور (عبد الفتاح ولد اعبيدن)


ابو نسيبة
06-12-2011, 08:43 AM
معركة القبور (عبد الفتاح ولد اعبيدن)

"ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"، نحن في المقابل وصل بنا الاستهلاك السياسي إلى درجة تصدير أزماتنا السياسية إلى عالم الآخرة وخفايا القبور.
قد نفهم أن يتحدث باستمرار صار ابراهيما بأسلوبه الخاص، عن ملف ضحايا الزنوج، إبان أحداث التسعينات، لأن الشخص المذكور، يلعب أساسا على هذه الوتيرة العرقية الضيقة، لكن حرص عزيز على محاولة توظيف متهورة لهذا الموضوع الحساس تثير أكثر من سؤال غامض صعب وخطير.
إن البعض يبالغ في مسعى إرضاء البعض على حساب آخرين، في جو من التعميم والتجريم المهين، الذي لا يستساغ السكوت عليه لوقت طويل.
فمن اين بدأت الشرارة؟
على الأقل في عهد ولد الطايع.
كان ذلك في شهر أكتوبر سنة 1987 عندما تحدثت المصادر الرسمية، عن محاولة انقلابية، ذات طابع عنصري، حيث يقتصر الفريق الانقلابي المتهم، على انتماء عرقي واحد متجانس.
وذكرت تلك المصادر الرسمية، أن التحرك وقتها كان يستهدف السيطرة على مقاليد الحكم، وإحداث تغيير جذري، من ضمنه تبديل أسماء الشوارع الرئيسية بالعاصمة إلى أسماء أخرى، معبرة عن توجه أحادي، على حساب تاريخ وثقافة أغلبية ساكنة الوطن.
إذن محاولة انقلابية عنصرية، وفق الرواية الرسمية.
وانعقدت محاكمة عسكرية عاجلة، قضت بإعدام ثلاثة من المتهمين الرئيسيين، نفذ في اثنين منهم.
وما لبثت البلاد أن دخلت مجددا في جو الصراع العرقي البغيض، في شهر رمضان الموافق لشهر ابريل من سنة 1989، بعدما اندلعت أحداث تصفوية ضد جاليتنا في السينغال، كانت ردة الفعل عليها، سريعة على مستوى التراب الوطني، ومست من الجالية السينغالية المقيمة وقتها في موريتانيا.
وترجع بعض المصادر أحداث السينغال إلى حملة تحريضية عنصرية مركزة، قام بها بعض الموريتانيين، ضد إخوانهم المتواجدين في السنغال، وضد موريتانيا عموما، أفضت في النهاية إلى تحرك بعض السنغاليين، قتلا وأذى وإفسادا، ضد الجالية الموريتانية وممتلكاتها في عموم الأراضي السينغالية.
وفي شهر نوفمبر 1990، أيام قليلة قبل ذكرى الاستقلال، بدأ الحديث مرة أخرى، عن محاولة انقلابية ثانية، أكثر أفرادا وتنظيما، وأكثر صدى في ساحة المؤسسة العسكرية الوطنية، وكانت ردة فعل المؤسسة العسكرية الحاكمة، أشد من ذي قبل.
وفي جو من غياب المحاكمات العادلة، وسرعة التصرف وعدم الرجوع إلى رأس النظام الحاكم حينها -حسب ادعاء البعض-، تم القضاء على بعض المواطنين من العسكريين والمدنيين.
وحتى الآن لا توجد إحصائيات دقيقة معلنة، بعدد الضحايا، ولا مدى دقة صلتهم، بما يدعي النظام من تحرك عنصري، سواء في صفوف العسكريين أو المدنيين.
ورغم تسويق الجهة الرسمية لموضوع الانقلابات والتحركات العنصرية، إلا أنها ظلت غير كافية لاقناع الرأي العام المحلي والدولي بسلامة ما جرى من عقاب شبه جماعي، مهما كانت دعاوى النظام بسعي المتهمين للفتنة وتمزيق اللحمة الوطنية المقدسة.
لقد كان مشينا ومؤلما أن يتحرك بعض المواطنين ضد بعضهم الآخر، سواء على الصعيد المحلي أو الاقليمي، قصد الإضرار، كما وقع فعلا، لكن هذا لا يمنح إذنا مفتوحا للقتل والتعذيب، دون محاكمات معلنة وتحقيقات شفافة.
وقد جرى هذا كله فيما سمي الحقبة الاستثنائية، في غياب الديمقراطية وجو من الهيمنة العسكرية المطبقة، بعيدا عن وجود سلطة مدنية منتخبة.
فهل نظل أسرى لهذه الأحداث الأليمة، سواء ضد بعض الزنوج الموريتانيين أم ضد الجالية الموريتانية في السنغال، أم نحاول تجاوز تلك الجروح دون إفراط أو تفريط؟!
وفي سياق محاولة تخفيف مشاعر الألم، عمد النظام في عهد ولد الطايع إلى تعويضات لصالح وكلاء الضحايا، وكذلك لصالح الأرامل، وتقول المصادر المطلعة أن الوثائق المالية لتلك المصاريف موجودة ومحفوظة.
وحصلت تعويضات أخرى في عهد الرئيس سيدي ولد الشيخ عبد الله.
وربما تمت مواساة أخرى، إبان زيارة الحاكم العسكري محمد ولد عبد العزيز لصلاة الغائب في كيهيدي.
غير أن النظام الحالي بقيادته فاجأ الرأي العام الوطني بمشروع نبش القبور، الذي يقتضيه طبعا مخططه لتحديد هويات المدفونين في أماكن متعددة غامضة.
وإن كان حق المقاضاة-محليا أو دوليا-مكفول –نظريا وقانونيا، لمن يدعي المساس من حقوقه أو حرماته، إلا أن بعض الدول-حتى في أوروبا- عانت من صراعات كثيرة لم تتمكن من عرضها على القضاء لخطورتها ومدى إمكان تأثيرها العميق على مصير تلك الدول.
فالأزمات أحيانا تكون أكبر مما لا يسمح بعرضها على طرق المقاضاة التقليدية.
والأمر في موريتانيا يتعلق بسلطة انتهت، تدعي تهديد كيان دولتها وتحريكا مكثفا لموضوع العنصرية وسعي البعض لإقامة دولة ذات انتماء عرقي منسجم (والو والو) بينما يروج المتهمون لسلسلة من التصفيات تمت في الظلام الدامس، ضد وجودهم البشري، بدافع تصفوي عنصري.
والبحث في هذا الملف الذي يفضل البعض تسميته بملف الزنوج أو ملف الإرث الانساني أو أحداث التسعينات، قد يصدع الصف الموريتاني كثيرا ويعرضه لخطر الزوال لا قدر الله، لتتحول الدولة المسلمة الواحدة، إلى مشارب وطوائف شتى، قد لا تتمكن من القدرة على البقاء والتميز الايجابي.
وبالتالي فإن إثارة هذا الملف تثير الشكوك في المقابل، حول مدى وطنية وحكمة المعنيين بتلك الإثارة المزعجة والمغرضة قطعا.
ترى ما قصد رأس النظام من التعبير عن الرغبة في رسم مخطط يكشف عن مكان وهوية المدفونين؟!
هل هي الإنسانية والمسؤولية الصرفة، أم أن الأمر يـأتي ضمن أجندة سياسية محددة، غير بريئة، قد يكون من بينها تطبيق اتفاق سياسي مستور مع بعض المحسوبين على ذوي الضحايا ليعود على نظامه الهش بدعم سياسي من قبل تلك الشريحة أو أغلبها؟!
وكلما حاول صياد في المياه العكرة تحريك هذا الملف المؤلم المعقد، نصح -في المقابل-كثيرون بضرورة تركه والحذر من علائقه وهزاته الارتدادية القوية على جميع الأطراف. لأن المجتمع الموريتاني المسلم، محكوم عليه قدريا بالتعايش الايجابي بين مختلف فئاته وأعراقه دون تمييز.
تماما، كما يتعايش بياض العين وسوادها، في تناغم وتعاضد وجمال جذاب.
فالكثير من الدول لها ملفاتها العرقية وأزماتها الداخلية المزمنة، التي لا تستطيع عرضها على أي جهاز عدلي محلي أو خارجي، وتستعيض عن ذلك بطرائق أخرى أعمق وأوسع مجالا، وأبعد عن الحرفية ولغة الأرقام أو العقاب والمكافأة.
عسى أن يحل الوئام يوما، وتدرك سائر المكونات، حاجتها الملحة الأبدية إلى التعايش الإيجابي والتسامح المطلق، ولو على حساب حق خاص، لأحد المتنازعين، لأن تلك المصالحات الاجتماعية، لا تتكرس عادة إلا بدافع القيم الجامعة والمصالح المشتركة وحتمية العيش في حيز جغرافي واحد.
وأما العزف من حين لآخر، على وتيرة العنصرية ودعاوى الإقصاء والمظالم التاريخية دون تبصر أو حزم، فذلك مدعاة –لا قدر الله- لفتنة مفاجئة، قد يسهل الانزلاق إلى ساحتها، بينما يصعب التملص من أتونها وجحيمها الحارق، الممزق لأوصال المجتمعات والمفتت لكيان الدول!!!
فالحذر الحذر، من جدل يفضي إلى تعقيد المعطيات ويضاعف مشاعر الكراهية والحقد، ويجفف مشاعر المحبة والوئام الجماعي.
إن موريتانيا تختلف عن السودان أو غيرها، فديننا واحد، وقرون مديدة مضت، أثبتت عيشنا المشترك الهادئ الحميمي، ومازلنا كذلك لله الحمد، وإن حدثت في فترة سياسية معينة، في الستينات أو التسعينات، بعض الأحداث العابرة، فلا ينبغي أن نسمح للحالة الاستثنائية بالحكم على الغالب الأعم، وعلينا أن نعمل على تعزيز عرى الترابط والانسجام.
وأما العودة إلى الوراء ومظان الخلاف والنزاع العرقي المدمر، فلا خير فيه البتة. ومن مصلحة مجموعات هذا البلد القاطنة في رقعته المباركة التفكير في كل مسلك جامع، والابتعاد عن نقيض ذلك.
فالروابط الاجتماعية والمصلحية –من زواج وتجارة وغيرها- والاندماج السياسي والوطني الواسع، كل ذلك أرجى لتجاوز المطبات والمنعطفات الضيقة.
وأما الدعوة لنبش القبور، بغض النظر عن التفاصيل، فهي دعوة مباشرة لإيقاظ الفتنة وتحريض صريح على الحرب الأهلية.
وإن استهل عزيز المشوار بالدعوة لذلك المخطط المريب، فلن يجد من مرحب سوى صار ابراهيما أو أمثاله، ولا خير في أي منزع إلى العنصرية، سواء عند الزنوج أو العرب.
"إن أكرمكم عند الله أتقاكم"
وأما بقية المجتمع فقد كرهت تلك الدعوة السيئة، ولقيت الكثير من الاستغراب والاستهجان وعدم الفهم.
ثم خفتت وإلى الأبد، إن شاء الله...
ولعل أغلب إخوتنا الزنوج، أكثر حرصا منا جميعا على العيش الهادئ والسلامة، وتلك طبيعتهم التي عرفوا بها عبر الحقب الزمنية المتطاولة، فلا داعي للمزايدة، معشر المتسيسين.
أتركونا نتعايش ونتبادل السلام في جو من الإيمان والوئام.

نقلا عن أقلام حرة