مشاهدة النسخة كاملة : ماذا بعد حصار "جسر الشغور" و"حماه" و "درعا"..؟!!.. {موسى راغب}


ام خديجة
06-12-2011, 03:23 AM
إلى النظام السوري :
ماذا بعد حصار "جسر الشغور" و"حماه" و "درعا"..؟!!

بقلم ـ موسى راغب

http://moheet.com/image/72/225-300/728825.jpg
الشهداء في تظاهرات سوريا
تصوروا .. حين علمت بالعفو العام الذي أصدرة الرئيس السوري بشار الأسد، بدئا من يوم الثلاثاء الموافق 30 من مايو 2011 ، وبأثر رجعي عن كل الذين ارتكبوا جرائم سياسية- بحسب مرسوم العفو- بما في ذلك المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين في سوريا .. ظننت أن الله سبحانه وتعالي قد استجاب لي حين دعوته- في آخر مقال نشرته عن الوضع في سوريا- بأن يخيب ظني فيما ذكرته بحق الرئيس السوري، والذي تمنيت فيه أن يقوم هو وحلفاؤه في محور المقاومة بعمل عسكري ضد إسرائيل، (مع أنهم لم يفعلوها).

لكن فرحتي لم تتم حين علمت أن رئيس حزب البعث في سوريا أعلن أنه يرفض إلغاء المادة (80) من الدستور السوري، التي تعطي حزب البعث الحق في التفرد بالعمل السياسي،ما لم تفز المعارضة في البرلمان السوري بتأييد ثلثي أعضائه (ما يعد مستحيلاً في ظل النظام الحالي) ، وحين سمعت (أيضاً) أن المعارضة السورية ستعقد اجتماعها الأول في اليوم التالي لصدور قرار العفو في تركيا لبحث الأوضاع في سوريا، وبخاصة حين تردد أن هذا المرسوم جاء لوأد التوصيات التي يتوقع النظام السوري صدورها ضده عن ذلك الاجتماع).

في المقال السابق، كنت قد ذكرت أن المسئولين السوريين درجوا على معالجة الموقف المتفجر في الشارع السوري ، بإلقاء الوعود حول تنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها المتظاهرون المحتجون . لكن سرعان ما نراهم ينقضون تلك الوعود في اليوم التالي لصدورها .. حدث هذا بالنسبة لقانون الطوارئ .

وها هو الموقف يتكرر ثانية، فما أن أصدر الرئيس السوري مرسوم العفو، حتى علمنا أن رئيس حزب البعث أعلن تشبث الحزب بالمادة (80) التي تمنحه كافة الصلاحيات لحكم البلاد منفرداً. وهذا يعني أن الثقة بالنظام باتت تُعد مغامرة غير محسوبة لكل من يحاول أن يحسن الظن به وبرئيسه ورجالاته.

الشعارات التي ترفعها المظاهرات منذ اندلاعها- وفي مختلف مراحل تصاعدها- كانت تركز على إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية .. تؤدي لقيام نظام ديمقراطي قائم على الحرية والتعددية الحزبية التي تتيح مشاركة كافة الأطياف السياسية في سوريا، وتلغي احتكار الحزب الواحد (حزب البعث) للعمل السياسي في البلاد .. أو بمعنى أدق : التحول من النظام الاستبدادي الدكتاتوري إلى النظام الديمقراطي الذي يقوم على التعددية الحزبية وحرية الرأي والرأي الآخر واحترام إنسانية المواطنين أفراداً وجماعات.

كما تستهدف القضاء على الفساد الذي اصاب الاقتصاد السوري بالشلل، نتيجة احتكار رجال الأعمال والنافذين في السلطة للنشاطات التجارية الهامة التي يجيرونها لحسابهم وليس لصالح الاقتصاد السوري.


وحتى لا نسترسل فيما يمليه علينا تعاطفنا مع المدنيين الذين ينادون بالإصلاح تحت شعار "سلمية"، دعونا نستذكر بإيجاز شديد الأوضاع التي كانت سائدة في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد ، ثم نعرض بإيجاز للأوضاع التي سادت البلاد في عهد نجله الرئيس بشار، لنرى ما إذا كانت بمثابة امتداد للأوضاع السابقة .. وهدفنا من ذلك التيقن مما إذا كانت وعود الرئيس بشار، نابعة عن إيمانه بضرورة الإصلاحات التي وعد بها، أم أنها مجرد وعود يراد بها تخدير الشعب الغاضب من المرحلة السابقة لحين استتباب الأمر له.

على صعيد التعامل مع قضية احتلال هضبة الجولان .. نعتقد أن الرئيس حافظ الأسد كانت لديه النية الصادقة في تجييش كل إمكانات سوريا من أجل استعادة الهضبة .. فهو لم يتررد في التنسيق مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات من أجل تحرير سيناء والجولان من الاحتلال الإسرائيلي بالقوة المسلحة. وأيا كانت نتيجة تلك الحرب (1973) ، ومهما قيل عن دوافعها وأهدافها والنتائج التي انتهت إليها، فإن مجرد إقباله على شن حرب على إسرائيل لاستعادة الجولان ، لا بد أن يحتسب له.

وعلى مستوى السياسة الخارجية، كان الرئيس حافظ الأسد ممسكا بخيوط اللعبة السياسية التي تخص الشق السوري منها على الأقل، وببراعة تحسب له دون جدال .

فقد كان يدرك جيداً ً أن شرعية حكمه، لا يمكن أن تتحقق إلا إذا عرف كيف يتعامل مع الشعارات القومية للأمة العربية التي كانت لا تزال تدغدغ مشاعر العرب في ذلك الوقت برغم نكسة 67 . كما عرف- في الوقت ذاته- كيف يأمن جانب إسرائيل، حين لم يحاول الاشتباك معها في هضبة الجولان منذ حرب 73 وحتى وفاته .. (ولو على سبيل إشعار الشعب السوري والشعوب العربية بأن جبهة الجولان ما زالت على صفيح دافئ- على الأقل- وليس ساخناً).

أما على الصعيد الداخلي أو بمعنى أصح ما يتصل بالسياسة التي اتبعها في التعامل مع الشعب السوري ، فأقل ما يقال فيها أنها كانت بشعه بكل المقاييس والقيم السماوية والوضعية والأممية .

ودون الإسهاب في التذكير بالجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري طيلة فترة حكمة ، يكفي أن نشير للمجزرة الرهيبة التي وقعت في حماة في الربع الأخير من القرن الماضي، حين دمرت قواته المدعومة بالدبابات والمدرعات وراجمات الصواريخ نحو ثلثي المدينة، ما وأوقعت ما بين عشرة آلاف وأربعين ألفاً من الضحايا وفقاً لتقديرات عدد من الجهات التي اهتمت بهذا الموضوع .

فإذا اخذنا بالمتوسط في الوصول لرقم قريب من الواقع، فسنجد أن عدد من استشهد من سكان حماه في تلك المجزرة، يصل لنحو 25 ألفا .. وهذا رقم هائل يكفي للتدليل على أن من قام بهذا العمل، لا يستحق أن يذكر في سجل تاريخ هذا البلد الذي عاش بين أحضانه وأراد القدر أن يكون رئيساً له .

ويبدو أن بشار سار على درب أبيه في التعامل مع الشعب السوري ومطالبه العادلة. لذا فإن استهلاله للحكم بإلقاء وعود بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية جذرية ، كان يهدف- على ما يبدو- دفع الشعب السوري الطيب للأخذ بالمأثورة القائلة " عفا الله عما سلف " ، ونسيان المآسي التي عاشها في ظل والده الراحل. وكان للرئيس بشار ما أراد، أملاً في أن ينفذ وعوده في الإصلاح ، حتى يسود العدل والأمن والأمان ربوع سوريا.

لكن .. وبعد مضي أكثر من عشر سنوات على حكمه ، وحين نظر الشعب السوري من حوله ليرى مدى ما حققه بشار من وجوده على رأس النظام .. وجد أن رئيسه لم يحقق شيئاً سوى استمرار العذابات لأبناء الوطن وكبت حرياتهم واعتقال المزيد منهم .. كما تبين له صدق المثل القائل "الابن سر ابيه" ، حيث لم يخرج بشار عن النهج الاستبدادي الذي سار عليه والده بالنسبة للتعامل مع أبناء الشعب السوري قيد أنمله، إن لم يكن زاد عليه .

الآن .. وقد بات واضحاً أن هذا النهج الأهوج في قمع التظاهرات التي تطالب بالعداله والحرية لكل السوريين .. فلم يعد أمام الشعب سوى الاستمرار في الثورة على هذا النظام الذي لم يتحسب لأي شيء سوى البقاء في الحكم وبأي ثمن !!.

فقد تجاوز نظام بشار حدود التعقل حين أخذ يستفرد بالمدن السورية التي اشتعلت فيها راية الثورة واحدة تلو الأخرى .. فأخذ يحاصرها بالدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة مثلما حدث في درعا وبانياس والرستن ومحيطهما، وكما حدث وما زال حتى اللحظة في مدن جسر الشغور وحمص وحماة ودير الزور وغيرها من المدن السورية.

بل بلغ استهتار النظام حيال الدماء الطاهرة التي سالت وما زالت على أرض سوريا بيده .. أنه يحاول الاستمرار في تضليل الرأي العام في سوريا والعالم العربي بل والعالم أجمع، بأدعائه أن من يقوم بقتل الشعب السوري، هم عصابات متآمرة على أمن سوريا واستقرارها .

فتارة يدعي بأن تنظيمات داخلية وصفها بالسلفية هي التي تعمل على إشعال تمرد مسلح ، وتارة أخرى يصرح بأن ثمة مؤامرة خارجية تحاك ضد سوريا .. هي التي تقوم بإطلاق النار على المتظاهرين وترويع السكان الآمنين.

وحين بدا له أن هذه الادعاءات قد انكشف زيفها أمام الرأي العام في سوريا والمنطقة العربية وفي العالم أجمع ولم تعد تلقى تصديقاً من أحد ، عاد ليتخبط في تبرير تزايد عدد الضحايا .. فيصرح بأن عدد الشهداء الذين تساقطوا برصاص المتآمرين بلغ 120 شهيداً ادعى أن جميعهم أو معظمهم من جنود الجيش وقوى الأمن السورية. كما صرح بأن عددا من هؤلاء سقطوا ضحايا لكمين نصبه المتآمرون لهم، حين كانوا متجهين لبلدة جسر الشغور، تلبية لنداء استغاثة من الأهالي لتخليصهم من أعمال السلب والنهب والترويع التي تمارسها عصابات المتآمرين ضدهم.

ومهما يكن من أمر، فإن النظام السوري الذي اتخذ قراره باستخدام الخيار الأمني إلى أبعد مدى، لم يعد بمقدوره الآن الرجوع عن هذا النهج الإجرامي أيا كانت الضغوط الإقليمية والدولية التي تمارس عليه . فقد أصبح دم الشهداء الذين سقطوا بيد رجالاته، حاجزاً رهيبا يفصل بينه وبين الشعب السوري الذي قرر التخلص من هذا النظام الاستبدادي مهما كان الثمن، بعد أن باتت الثقة معدومة تماما بينه وبين كافة الأطياف السورية السياسية والطائفية والعرقية والمذهبية.

وإذا كان ثمة نصيحة أخيرة لهذا النظام، فهي أن يرحل بأقصى سرعة .. ليس حفاظاً على حياته التي لم تعد تهم أحداً، وإنما رحمة بالشعب السوري الذي احتضنة وأعطاه الفرصة الكافية ليكون نظاما صالحا يشهد له أولاً .. ورحمة بالطائفة التي ينتمي إليها والتي سيحسب عليها (ظلماً) ثانياً.



ونقول ظلماً لأننا لم نسمع يوما أن نزاعاً طائفياً نشأ في هذا البلد العريق على مر تاريخة الحديث على الأقل .. برغم تعدد الأديان والمذاهب والطوائف والأعراق فيه من ناحية، وبرغم الانقلابات والتغييرات الفجائية التي طالت الحياة السياسية لفترة من الزمن من ناحية أخرى.

نصيحة أخيرة نقولها للرئيس بشار : إن الثورات التي تشهدها المنطقة العربية لن تستثني أيا من دولها .. حتى الدول التي تعتقد بأنها في منأى عنها. فالأنظمة في هذه الدول (كما نظامه)، باتت تعجز عن فهم الأسباب الحقيقية التي تدفع الشعوب العربية- وبخاصة العناصر الشبابية فيها- للثورة على الأنظمة الرسمية التي تحكمها. وبرغم أن أرباب هذه الأنظمة يدركون أكثر من غيرهم، مبلغ العجز والفساد المستشري في بلدانهم .. غير انهم لا يستطيعون التخلي عن النهج الاستبدادي الذي يحكمون به شعوبهم.

وهذا ما ينطبق على النظام السوري تماما، رغم إحاطة نفسه بشعار المحافظة على المصالح القومية للأمة العربية وثوابتها، واستغلال هذا الشعار إلى أبعد مدى لترسيخ أركان حكمه.


نقلا عن شبكة الاعلام العربية