مشاهدة النسخة كاملة : شعبية السيولة النقدية: جدلية الظهور والاختفاء (صلاح ولد محمد فاضل)


ابو نسيبة
06-10-2011, 07:14 PM
شعبية السيولة النقدية: جدلية الظهور والاختفاء (صلاح ولد محمد فاضل)

يكثر الحديث ويحتدم الجدل منذ بعض الوقت عن الطريقة التي يسير بها الرئيس محمد ولد عبد العزيز البلاد خاصة فيما يتعلق بالجانب المالي وما نجم عن ذلك من نقص كبير في السيولة النقدية، وترددت الأسئلة حول هذا الموضوع حتى على شفاه بعض كبار الساسة في البلد. وقد تعددت تفسيرات هذا الأمر لدى المراقبين للساحة الوطنية.
ففي حين يرجع البعض ذاك إلى النقص الكبير الذي شهدته ميزانيات التسيير في مختلف القطاعات الإدارية، يرى آخرون أن مفعول المفتشية العامة للدولة قد بدأ يؤتي أكله، وذلك عن طريق زجر مختلسي المال العام أو إلزام المتورطين بتسديد ما اختلسوه أو إحالتهم إلى السجن، وثمة فريق ثالث يجمع بين هذين التفسيرين بل ويضيف أسبابا أخرى، وما لا يختلف عليه اثنان في البلد هو نقص السيولة النقدية، وقد اعترف الرئيس بذلك أمام ساكنة كيهيدي، رغم أنه أرجعه إلى وقف نهب المال العام لا إلى عجز في خزينة الدولة كما يرى البعض.
أسئلة تفرض نفسها في هذا السياق ـ خاصة في أفق الحديث عن انتخابات تشريعية وبلدية مرتقبة في شهر اكتوبر القادم ـ فهل يمكن فطام أولائك الذين دأبوا على أن ينفقوا دون خشية نفاد وأن يصرفوا دون حساب؟.
وما مدى إمكانية محافظتهم على وزن انتخابي معتبر في مجتمع قائم على الاقتصاد الريعي دون بذل للمال العام؟ ، وهل يمتلك محمد ولد عبد العزيز الآليات اللازمة لمواصلة الطريق حتى يتم الفطام فعلا.
من المؤكد أن الطبقة المتأثرة من محدودية السيولة النقدية لا تزال تتململ بين موالاة ترجو أن يكون الأمر مجرد سحابة عابرة، ومعارضين حسموا أمرهم بناء على قراءات متعددة تفضي إلى أن النظام لا يمكنه أن يستمر بهذه الطريقة مرددين قول الشاعر:
إذا لم يكن ملك ذا هبة فدعه فدولته ذاهبه
بيد أن العارفين بتفكير الرئيس يرون ببساطة أن الأمر لا يعدو كونه يتسم بنظرة لهذه الطبقة السياسة المتضررة والمتذمرة بطبيعة الحال ـ رغم انتماء جلها لأحزاب الأغلبية ـ على أنها طبقة تم خلقها وتلميعها بتربعها على قطاعات حيوية هامة خلال العقدين الماضيين من عمر الدولة حيث استفادت من المال العام بشكل كبير وهو ما مكنها من بناء شبكة من العلاقات الزبونية سمحت لها بثراء فاحش مقابل ولاء غير مشروط للنظام الحاكم آنذاك، كل ذلك حدث أمام مرأى ومسمع من الرئيس الحالي.
لقد كان محمد ولد عبد العزيز يشاهد استمرار خلق هذه الطبقة وكيف يجري التعامل معها وعلى أي أساس وبأي حق وجدت هذا الصيت؟ فأصبح كل واحد منها يتحكم في وزن انتخابي كبير بفضل الإمكانيات التي تحصل عليها غبر نهب ممنهج للقطاعات التي تولى تسييرها.
كما أدرك ولد عبد العزيز أن المكانة التي يحظى بها هؤلاء عند شعبياتهم يفقدونها بمجرد غياب تلك الإمكانيات أو عدم بذلها ي الشعبيات المذكورة أو حتى بروز (خلق) منافسين جدد ويبدو أن هذا هو الأمر الذي يراهن عليه الرئيس.
ومن هنا فإنه يمكن ـ عند الحاجة ـ بعث هذه الطبقة من جديد وتمكينها من الوسائل المادية ـ أساساـ لاستعادة نفوذها وترميم شتات شعبيتها الانتخابية ومن ثم توجيهها وحثها للاصطفاف وراء النظام ومرشحيه خاصة إذا أخذنا في الاعتبار ضعف الذاكرة عند هذه الجموع وقدرة المال السياسي على خطف أبصارها وحتى عقولها.
مع أن هناك أمرا آخر يمكن أن تتم المراهنة عليه من قبل النظام يتمثل في إنشاء طبقة سياسية جديدةـ حزب العصر على سبيل المثال ـ لكن عائقا كبير يفق أمام ذلك وهو صعوبة تموقع أفراد هذه الطبقة كطبقة سياسية بديلة داخل مجتمعاتهم بسرعة حيث تتطلب العملية سنوات من البذل والعطاء الماديين لشراء الذمم ولخلق ثقة بين أفراد هذه الطبقة وناخبيهم. ومهما كانت السيناريوهات المتوقع حصولها في هذا الشأن فإن صاحب السلطة في بلادنا ـ أيا كان ـ يستطيع في غياب القناعة بالمبادئ، وفي زمن ديست فيه القيم والأخلاق بل اعتبرها البعض منافية للممارسة السياسية أن يفرض رأيه ويقنع آخرين بما يعتقد ويرى.
فما اجبر المعارضون ـ وحدهم ـ في بلادنا رئيسا على مغادرة الحكم وما انتزعت السلطة بسبب نقص في الشعبية وما احتفظ بها نتيجة عكس ذلك.
ولكن أين موريتانيا من كل هذا؟ وهل ما زال من المعقول تسيير الدول دون وجود مؤسسات قوية؟.

نقلا عن موريتانيد