مشاهدة النسخة كاملة : دستور مغربي جديد . . عهد الملكية الثانية ...{ حكيم عنكر }


ام خديجة
06-10-2011, 06:07 PM
دستور مغربي جديد . . المَلَكية الثانية

http://img4.imageshack.us/img4/3115/160291.jpg

الرباط - حكيم عنكر:

يجمع خبراء الحياة السياسية في المغرب على أن المغرب سيدخل عهد ملكية ثانية في عهد محمد السادس بعد التعديلات الدستورية، التي وصفها المستشار الملكي بالتعديلات التاريخية والمفاجئة للطبقة السياسية في لقاءاته التمهيدية مع الأحزاب السياسية . غير أن نهاية هذا الأسبوع ستكون حاسمة في المسار الدستوري للبلاد، وإذا ما جرى إقرار تلك التعديلات التي وصفت بالكبيرة، فإن المغرب سيكون قد دخل مرحلة جديدة من النظام الملكي، ربما تنحو إلى “نظام الملكية البرلمانية” أو تقترب منها في صيغة مغربية تعيد تحديد أدوار المؤسسة الملكية أو على الأرجح، لا تبعدها عن محيط السياسة ولكنها تجعل من مجالات تدخلها مشروطة أو مقيدة دستورياً، بعد أن كانت في الدستور الحالي شبه مطلقة أو مطلقة وتضعها في مرتبة المحكم في رقعة الشطرنج السياسية .

لعل الفصل 19 من الدستور وما يليه، سيكون محل اختبار عملي لمعرفة الحدود القصوى التي من الممكن أن يذهب إليها التعديل الدستوري في البلاد، وما إذا كانت الإرادة السياسية تتوافر لدى صانع القرار في التنازل عن بعض صلاحياتها ومنحها لرئيس الوزراء الذي سيصبح صاحب السلطة التنفيذية، في حين سيصبح للبرلمان دور تشريعي ورقابي كبير، بينما ستجري دسترة العديد من المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية، كما سيصبح القطاع الأمني محل مراقبة وتدقيق ويخضع لمساءلة الحكومة وتحت الوصاية المباشرة لرئيس الوزراء، وسيصبح هذا الأخير هو من يعين رجال الإدارة الترابية من ولاة وعمال .

مفاجآت دستورية في الطريق

ولكن هل هذا ممكن، وما هي العوائق التي يمكن أن تحول دون اكتمال الإصلاح الدستوري؟ وهل توجد تحفظات لدى الطبقة السياسية في البلاد، التي يعتقد أن المقترح الذي ستتقدم به لجنة مراجعة الدستور ربما سيكون مفاجئاً لهذه النخب التي تريد أن تبقى التعديلات في حدود المطالب المرفوعة أو في حدود المطالب الموضوعية على الأرجح؟ لكن ربما يكون قرار اتخذ من أعلى هرم في الدولة بضرورة أن يكون الدستور المقبل استجابة لمطالب الشعب المغربي ولشبابه على الوجه الأرجح، وأن تشمل صياغة كل الآليات التي تمكن المغرب في السنوات المقبلة من بناء نظام سياسي مستقر في ظل ملكية برلمانية بمواصفات مغربية، تحتكم إلى الهوية والثقافة المغربيين، وتسند إلى تقاليد الحكم الملكي في البلاد والقائم على مشروعيته التاريخية والاجتماعية والدينية، في ظل الإجماع الذي تحظى به المؤسسة الملكية لدى عموم المغاربة بمختلف تلويناتهم السياسية .

لكن حركة الشارع المغربي والمطالب التي رفعها الشباب في مسيرات “حركة 20 فبراير” وسرعة التعاطي مع هذه المطالب، والمد الجزر الذي طال حركة الشباب نفسها وأسلوب العصا والجزرة الذي تعاملت به السلطات العمومية مع المظاهرات، يؤكد أن الدولة المغربية راغبة في الانتقال السريع من الانتظار والمرور إلى مرحلة جديدة تحكم فيها الملكية تحت دستور جديد، حتى لا تتحول حركة الشارع إلى مبرر وذريعة تجدها الحركات المتطرفة أو التي لها أجنداتها الخاصة لقمة سائغة للقفز عليها .

وبدا واضحاً أن هذا الإصرار وجد ترجمته الفعلية من خلال التصريحات الرسمية التي حذرت من الركوب على حركة الشباب، والتي دعت إلى حماية هذه الحركة واعتبرت مطالبها مشروعة، مشيرة إلى تهافت تيارات سياسية بعينها من أجل احتواء النبض الحقيقي لحركة من مطالب اجتماعية وسياسية معروفة .

غير أنه ليس من السهل اليوم وفي ظل التراكم الحاصل في تجربة الاحتجاج في المغرب، الوقوف عند “ويل للمصلين” لأن هذه الحركة الشابة، وحتى في ظل الهجوم الشرس عليها، سواء من خلال استخدام القوة أو من خلال الضرب تحت الحزام إعلامياً، بتصوير أصحابها أو قيادييها أو المنتمين إليها على أنهم “مردة مارقون” أو أصحاب مشاريع عدمية، ليس من السهل تجاوز المسافة التي قطعتها هذه الحركة ولا النضج التي أصبح يؤطر تحركاتها . فهي من جهة ليست حركة ثقافية ولا سياسية، بل هي تعبير اجتماعي عن حاجة أجيال جديدة إلى التغيير، وهي من جهة ثانية ليست رهينة بيد أي تيار سياسي، حتى وإن كانت المساحات الجغرافية هنا وهناك تشير إلى أن فرزاً ربما يكون حصل في الحركة، لكن الواقع لا يرتفع، ففي غياب أي سند شعبي محكوم على كل حركة مهما كانت مطالبها بالانعزالية والموت، وهذا ما يترجم جلياً في محاولة الخروج من الشرنقة السياسية، عندما أقرت الحركة وبذكاء بالغ، التحول من التظاهر في مراكز المدن والساحات الكبرى العامة والنزول إلى الأحياء الشعبية . كان هذا إيذاناً بتحول جذري في سلوك “حركة 20 فبراير” السياسي، وهو تكتيك لم تكن الدولة لتسمه به، مهما كلفها الأمر من ثمن، لأن حماية المجال العام وبالأخص الفضاء الشعبي من أخطار الانقسام أو الهيمنة هو أحد مهام السلطات العمومية، ولأن هذا المجال الشعبي هو الرصيد الذي تعتمد عليه السلطة في البقاء والترسخ وإذا اهتز فإن ذلك يعني أن هيبة الدولة أصبحت في خطر، وهذا ما جعل الناطق الرسمي باسم الحكومة الوزير خالد الناصري يصف نزول أنصار الحركة إلى الأحياء الشعبية بكونه سلوكاً مستفزاً للسلطات العمومية، فكان أن دارت لغة العصا دورتها العنيفة، وتبددت لغة التسامح التي كانت تؤطر علاقة الدولة بحركة فبراير .

مطالب راديكالية

من الوجهة المطلبية الصرف، يظهر أن أقصى ما يطلب في الدستور الجديد هو أن يجعل الحكم بيد المنتخبين، فهؤلاء وحدهم هم من يمارس تدبير الشؤون العامة نيابة عن الناخبين وباسم الناخبين . بمعنى ربط القرار بصناديق الاقتراع، كما أن تمثيل الشعب لا يكون سوى بالانتخاب وليس هناك تمثيل أبدي أو سابق على لحظة الاقتراع .

ولكي يمارس المنتخبون أدوارهم في نظام ملكي وراثي، وتُحترم القاعدة المنصوص عليها في المادة 21 من الدستور، يجب أن يتمثل دور الملكية أساساً في تسليم أولئك المنتخَبين مفاتيح أداء وظائفهم ومنحهم وسيلة تطبيق برامجهم وتنفيذ التزاماتهم إزاء ناخبيهم، مع حمل الملك لألقاب شرفية وتشخيصه لرمزية استمرارية الدولة ولرمزية دينية لا يتدخل باسمها في عمل المؤسسات .

وينطلق هؤلاء في تعضيد مطلبهم، وأغلبيتهم من اليسار الراديكالي، في أنه لا يمكن أن يُمنح الملك، في أي بلد من البلدان، سلطة تمس بمبدأ السيادة الشعبية أو تعرقل ممارسته أو تحد من مداه . ولهذا فإن الملكية البرلمانية هي الشكل الوحيد لضمان التوفيق بين الملكية الوراثية وقواعد الديمقراطية . فالملكية البرلمانية تقوم على احترام قواعد الديمقراطية المتمثلة في:

- السيادة الشعبية، فالشعب صاحب السلطة والكلمة العليا .

- فصل السلطات، فليس هناك أي مُسَوغ لكي تتجمع السلطة في يد جهة أو فرد من الأفراد . وكل سلطة تحد سلطة مقابلة لها . واحتياز سلطة من جنس معين يقتضي بداهة حرمان حائز هذه السلطة من حق احتياز سلطة أخرى من جنس آخر .

- التمثيل النيابي الدوري بواسطة انتخابات حرة وشفافة، تجري في آجال معقولة، وفي إطار تعددي .

- حماية الحريات وحقوق الإنسان في التشريع والعمل . لايجوز لأية دولة أن تخرق الحريات والحقوق المنصوص عليها أساساً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو تفسيرها على وجه لا يطابق المعنى الممنوح لها في المجتمعات الديمقراطية أو الانتقاص منها بدعوى تنظيمها .

مسألة اللغة

لكن على كثرة وجود الخلافات والتفاوت في النظرة إلى الدستور وفي القضايا الجديدة التي يجب أن ينص عليها، فإن المسألة اللغوية في المغرب تحظى بقسط وافر من النقاش، وبالأخص في ما يتعلق بدسترة اللغة الأمازيغية، والتي تؤكد المعطيات أن الدستور الجديد سيذهب في اتجاه منحها صفة اللغة الوطنية، وليس صفة اللغة الرسمية، والتي يحاول غلاة الحركة الأمازيغية فرضها كأمر واقع، لكن الطريق لا يزال أمامها طويلاً، والأمر هنا لا يرتبط بمجرد الرغبة في جعل لغة ما لغة رسمية للبلاد، ولكن في المسار الطويل لتطبيق كهذا قرار .

لكن التنصيص عليها في الدستور الجديد، كاف في اللحظة الراهنة، إنه يشرع الباب أمام المزيد من الاجتهاد للارتقاء بها بيداغوجياً وفتح المنافذ أمامها لتتحول في المستقبل إلى لغة رسمية للبلاد، ولمَ لا؟ ما دام أن المستقبل هو سيد نفسه ومغاربة المستقبل هم من سيقرر ماذا يريدون بعد خمسين سنة من هذا الدستور، فما كل مرة نستيقظ في الصباح كي نطالب بتعديلات دستورية أو بدستور جديد .

لكن، لنتعرف إلى بعض وجهات النظر في الموضوع اللغوي في المغرب، والبداية برأي لأحد اللغويين المغاربة، وهو الدكتور عبدالغني أبو العزم، يقول “أين يكمن الإشكال في أغلب التصورات المقترحة للدستور القادم، وهو الآن في طور الصياغة النهائية”؟

من المفيد هنا بداية أن نشير إلى أن هناك إجماعاً وطنياً يلحّ ويرغب بروح شفافة على دسترة اللغات الوطنية العربية والأمازيغية بلهجاتها، الريفية وأمازيغية الأطلس المتوسط والسوسية والحسانية في الأقاليم الصحراوية، لكن مفهوم الدسترة يطرح إشكالاً قانونياً وتشريعياً .إذا كان الدستور الوطني يتقرر عبر الاستفتاء الشعبي للمصادقة عليه، فإن الاستجابة بالموافقة تتطلب أن تستجيب بنوده للمطامح التي تم التعبير عنها، سواء من خلال مقترحات الأحزاب والقوى والسياسة، أو ما نادت به جمعيات المجتمع المدني من مطالب للعيش في لحظة التحول المرجوة .

من بين بنود الدستور تبرز المسألة اللغوية في الواجهة، لكون الصياغة المفروضة حولها لا تتطلب بعداً مطلبياً أو نظرياً فقط، بل تنحو لتكون معبرة عن الجوهر، كما هو متداول بالنسبة لدساتير الدول الخاضعة لمنطق التشريعات الدستورية، تفادياً لأي تأويل دستوري يعرض بنود الدستور للتناقض، ولأنها فوق هذا وذاك تعتمد رؤية مكوناتية لمفهوم الدولة، حيث يتم التنصيص دستورياً على اللغة الوطنية الرسمية، المتداولة في الإدارة والمراسلات والبلاغات والخطب الرسمية، واللقاءات الوطنية والدولية وفي الإعلام والتعليم بكل أشكاله، أي كل ما له علاقة بهياكل الدولة ومؤسساتها، وما يحدد الهوية المشتركة لمجموع الفئات الشعبية، وما ينبني على استمرارية الوجود .كما يواجه المُشَرع الدستوري، أو اللجنة الدستورية إشكالاً آخر عندما تجد نفسها أمام حالات التعدد اللغوي، فلا مفر من الإقرار بالتعدد ضمن نص تشريعي واضح يتجاوز مجرد الاعتراف به كمكون من مكونات الهوية الوطنية إلى ما هو عملي وضامن للاستمرارية بعده .

وفي سياق آخر، يبرز رأي أكثر راديكالية وهو للناشط الأمازيغي أحمد عصيد، الذي خاض سجالات حامية الوطيس في الآونة الأخيرة ملحاً على دسترة اللغات الأمازيغية والارتقاء بها إلى مستوى اللغة الرسمية للبلاد، يقول “نعتقد مهما كان ما ستسفر عنه المداولات الحالية والحراك الشعبي حول مراجعة الدستور من نتائج، سواء لمصلحة الترسيم أو غيره، فإن أهم ما ربحه المغاربة من هذا النقاش العمومي حول الأمازيغية بأبعاده الفكرية والسياسية والعلمية وحتى الإيديولوجية، هو مزيد من الاقتراب من قضية ظلت لسنوات ضحية الأحكام التعميمية، كما أنّ هذا البتّ في بعض التفاصيل، يسمح بإشراك فئات أوسع في موضوع ظلّ مثار شدّ جذب، وآن الأوان أن تتم تسويته بشكل نهائي، حتى يتطور في اتجاه الأجرأة العملية والبحث الأكاديمي العميق والاهتمام المعرفي، عوض التضخم الإيديولوجي الذي ينتجه الإقصاء والصّراع” .

المغاربة اليوم في الجولة الأخيرة من إقرار دستور جديد، وفي مستهل الشهر القادم سيذهبون إلى صناديق الاستفتاء الشعبي لقول “نعم” أو “لا” لوثيقة مهمة في الحياة السياسية للمغاربة تقرر وتيرة حاضرهم وشكل مستقلبهم .

نقلا عن الخليج