مشاهدة النسخة كاملة : حق العودة ومستجدات الصراع (عوني فرسخ)


ابو نسيبة
06-10-2011, 06:00 PM
حق العودة ومستجدات الصراع (عوني فرسخ)

قدّم وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت في 16/7/1948 تقريراً للجمعية العامة متضمناً المطالبة بأن يكون النقب ضمن القسم العربي مقابل ضم الجليل الغربي للقسم اليهودي، والتوصية بإعادة اللاجئين إلى ديارهم. وفي اليوم التالي اغتالته منظمة "شتيرن" الصهيونية الإرهابية بقيادة إسحاق شامير. واستناداً لتقرير برنادوت أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 194/3 في 11/12/1948. وقد نصت المادة (11) منه على "أن اللاجئين الراغبين في العودة إلى أوطانهم، والعيش بسلام مع جيرانهم، يجب أن يسمح لهم بذلك في أول فرصة عملية ممكنة، ودفع تعويض لممتلكات الذين لا يرغبون في العودة، ودفع تعويض للخسارة والضرر الذي أصاب الممتلكات لأصحابها وإرجاعها إلى أهلها من قبل الحكومات والسلطات المسؤولة بناء على القانون الدولي". وعليه فالقرار نص على حق العودة والتعويض معاً وهو صادر وفقاً للقانون الدولي.
ويقرر خبراء القانون الدولي أن القرار 194 لم ينشىء حق العودة، وإنما كان مجرد تأكيد حق العودة الأصيل المؤكد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص في المادة (12) منه على "يحق لكل فرد أن يغادر أي بلاد، بما في ذلك بلاده، كما يحق له العودة إليها". والأمر نفسه نصت عليه المادة (13) من الاتفاقية الدولية لحقوق الإنسان المادية والسياسية بقولها: "لا يحرم أحد تعسفاً من حق دخول بلده". كما تضمنت ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تضمنت أحكاماً بحق العودة في حالات الاحتلال العسكري والنزاع المسلح. ولما كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد والت تأكيد القرار 194 فإنه بذلك اكتسب قوة "القاعدة الآمرة" في القانون الدولي.
وفي أعقاب إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194/3 شكلت "لجنة التوفيق الدولية" من ثلاثة أعضاء: أمريكي وفرنسي وتركي، وكلفتها بالعمل على تنفيذ القرار الدولي. فعقدت اللجنة لهذه الغاية اجتماعاً في لوزان في 12/5/1949 بحضور ممثلي الدول العربية و"إسرائيل" وصدر عنه "بروتوكول لوزان" الذي أرفق به ما سمي "وثائق عمل" متضمنة القرار 194. ولما كان رئيس اللجنة الأمريكي يعمل بتوجيه إدارات ملتزمة بالمشروع الصهيوني أشغل اللجنة بمسائل لا تتصل بتنفيذ القرار الدولي، بحيث إنها لم تعد لاجئاً واحداً حتى توقفت عن نشاطها سنة 1964. ما فيه الدلالة على عدم جدوى الركون للقرارات واللجان الدولية ما دام ميزان القدرات والأدوار مختلاً لغير صالح أصحاب الحق الشرعيين.
وعلى مدى سنوات ما بعد نكبة 1948 لم يفارق الطموح للتحرير والعودة فكر ووجدان الشعب العربي الفلسطيني، سواء الصامدين في الوطن المحتل من النهر إلى البحر، أو الموجودين في الشتات العربي والدولي. ولقد عبّر هذا الطموح عن ذاته برفض كل مشروعات الإسكان والتوطين التي والت الإدارات الأمريكية والحكومات الأوروبية وغيرها من الهيئات الدولية طرحها منذ عام 1949. كما بانخراط عشرات آلاف الشباب في فصائل المقاومة، التي وإن لم تحقق تحرير الوطن المغتصب إلا أنها حالت دون سقوط إرادة الممانعة والمقاومة.
وحين يقرأ تاريخ الصراع العربي - الصهيوني منذ الربع الأخير للقرن التاسع عشر يتضح أنه لم يكن قاصراً على طرفيه المباشرين: الشعب العربي الفلسطيني والتجمع الاستيطاني العنصري الصهيوني، وإنما هو ممتد إلى ما وراء مسرح الصراع في فلسطين ومحيطها العربي، فالحركة الصهيونية لها عمقها الاستراتيجي الممتد على جانبي الأطلسي، فيما الحراك الوطني الفلسطيني شديد الحساسية والتأثر بالواقع الرسمي والشعبي العربي ما بين المحيط والخليج. ودائماً كانت قوى الممانعة والمقاومة الفلسطينية لها حاضنتها الشعبية العربية. ولطالما روت دماء الشهداء العرب، من أغلب الأقطار، تراب فلسطين التي احتلت موقعاً قدسياً عزيزاً في وجدان شعوب الأمة العربية. وبالمقابل كان للواقع الرسمي العربي انعكاسه شديد التأثير على الحراك الوطني الفلسطيني، وبالذات على حق العودة.
ومنذ عام 1949 لقيت جميع مشروعات الإسكان والتوطين القدر الأكبر من القبول، والأقل من الممانعة على الصعيد الرسمي العربي. وعلى العكس تماماً كانت المواقف الشعبية العربية داعمة الرفض الشعبي الفلسطيني لكل تلك المشروعات. ومنذ الردة الساداتية وتوقيع اتفاقيتي كامب ديفيد لم يفتر الحديث عن حق العودة فقط، وإنما توالت الطروحات العربية التي تحمل شبه التخلي عن حق العودة، وليس اتفاق أوسلو الذي أجهض النتائج التي بشرت بها انتفاضة أطفال الحجارة، إلا من بعض آثار الخلل الاستراتيجي الذي أحدثته الردة الساداتية. ولولا الموقف الصلب للرئيس اللبناني السابق العماد إميل لحود لما جرى تضمين مبادرة القمة النص على حق العودة وفقاً للقرار 194.
واليوم لم يعد الأمر قاصراً على إسقاط المقاومة اللبنانية هيبة الجيش الصهيوني، الذي كان يوصف بأنه لا يقهر، وعجزه عن استردادها بالمحرقة التي اقترفها في قطاع غزة. وإنما تجاوز هذا الإنجاز التاريخي بمسيرات الألوف داخل الأرض العربية المحتلة عام ،1948 وفي الضفة المحتلة والقدس مطالبة بالتحرير والعودة، وزحف عشرات الألوف لحدود الوطن المحتل، وتساقط الشهداء والجرحى في الضفة والجولان المحتلين، وفي مارون الرأس، وفي ردة الفعل الصهيونية والأمريكية على الزحف الشبابي السلمي دلالة قاطعة على نقلة نوعية في معادلة الصراع حيث أصبح شباب وصبايا الأمة العربية هم الرقم الصعب في المعادلة، وأن ميزان القدرات والأدوار لم يعد كما كان أيام التغول الأمريكي والعربدة الصهيونية في وطن عربي فاقد المنعة.
وبعد أن عمد الشباب والصبايا حق العودة بدمائهم الزكية بات على أصحاب المبادرات العرب، وأركان منظمة التحرير الفلسطينية في مقدمتهم، إعادة النظر في كل ما صدر عنهم تجاه حق العودة، في ضوء مستجدات الصراع العربي - الصهيوني التي جسدتها المسيرات السلمية في ذكرى النكبة والنكسة، فضلاً عن وضوح انسداد آفاق التسوية ووصول نهج أوسلو الفلسطيني إلى طريق مسدود، وتصاعد المطالبة في القاهرة وعمان لإسقاط معاهدتي كامب ديفيد ووادي عربة. والسؤال الأخير: هل تجد مستجدات الربيع العربي على صعيد الصراع العربي الصهيوني صدى عند صنّاع القرار أم أن ذلك لما يزل بعيد المنال؟

نقلا عن المركز الفلسطيني