مشاهدة النسخة كاملة : معبر رفح . . فُتح لم يُفتح ...{ رائد لافي }


ام خديجة
06-10-2011, 05:58 PM
معبر رفح . . فُتح لم يُفتح

http://img707.imageshack.us/img707/1868/160283.jpg

غزة - رائد لافي:

في الأسبوع الماضي اتخذت مصر قراراً شجاعاً بإعادة فتح معبر رفح البري مع قطاع غزة بشكل دائم، ومنحت الفلسطينيين تسهيلات كبيرة على صعيد حرية الحركة والتنقل من وإلى القطاع المحاصر منذ ما يقارب خمس سنوات، لكن فرحة الفلسطينيين بالقرار المصري لم تستمر طويلاً، وكان واقع الحال في داخل المعبر مؤلماً، فالتسهيلات المعلنة لم تجد طريقها للتطبيق، وعرقلتها اشتراطات مصرية جديدة، فتم إغلاق المعبر لثلاثة أيام، ثم أعيد فتحه يوم أمس (الأربعاء) وفق آليات جديدة .

عندما قلنا إن القرار المصري بفتح المعبر بشكل دائم، ومنح الفلسطينيين مزيداً من التسهيلات، كان شجاعاً، ويعكس رغبة القيادة المصرية الجديدة في استرداد إرادتها وقرارها الحر، بعد نحو ثلاثة عقود تسبب فيها النظام المصري السابق في “تقزيم” دور مصر العربي والإقليمي، كنا صادقين في ذلك استناداً إلى الضغوط الكبيرة التي مورست على القاهرة للعدول عن هذا القرار، والهجوم الذي تعرضت إليه من دولة الاحتلال “الإسرائيلي”، والتحريض الذي مارسته هذه الدولة المارقة على مصر العروبة والثورة باعتبار أن فتح المعبر يشكل عقبة في طريق السلام، ويحمل مصر مسؤولية تسلل عناصر إرهابية .

دافعت مصر عن قرارها بكل شجاعة، ورفضت التدخل “الإسرائيلي” باعتبار أن فتح المعبر شأناً مصرياً داخلياً، ولمصر الحق في اتخاذ ما تراه مناسباً من قرارات، رغبة منها في تخفيف معاناة سكان قطاع غزة المحاصرين، وتمكينهم من السفر والحركة من وإلى القطاع بحرية .

كان هذا موقف مصر المعلن في البداية، وبموجبه فتحت المعبر تطبيقاً لقرارها وتسهيلاتها في 28 أيار (مايو) الماضي، في تحد شجاع للضغوط والتحريض “الإسرائيلي”، لكن ما حدث بعد نحو ثلاثة أيام فقط من فتح المعبر وفق الآلية الجديدة يثير التساؤلات عن سر تراجع مصر عن تسهيلاتها، وإن كانت لم تعلن ذلك بوضوح، بل إنها أكدت على لسان أكثر من مسؤول فيها أن التسهيلات لا تزال قائمة ولم يطرأ عليها أي تغيير، إلا أن شكاوى المسافرين كثيرة من بطء الإجراءات، وتحديد سقف أعداد المسافرين، واستمرار العمل بالقوائم الأمنية التي يندرج عليها أكثر من 35 ألف فلسطيني محرمين من حقهم في السفر والتنقل، لأسباب أمنية، أغلبها كيدية وغير واقعية .

إن إعلان التسهيلات، وإطلاق تصريحات الدعم والمساندة والتعاطف مع سكان قطاع غزة لا يفيدهم في شيء، ولكن المطلوب هو انعكاس هذه التسهيلات والتصريحات واقعاً على طريقة التعاطي مع الفلسطينيين في غزة، فالكل يدرك أن سياسة مصر تجاه غزة اختلفت إيجاباً عقب نجاح الثورة المصرية في الإطاحة بنظام الرئيس السابق حسني مبارك في 11 شباط (فبراير) الماضي، إذ كان نظام مبارك يتعامل مع غزة من منظور أمني فقط، حتى أنه كان متهماً برأي الكثيرين- بأنه شريك في الحصار المضروب على قطاع غزة، ولكن اختلاف السياسة واللغة رغم أهميته غير كاف، ويلزمه تزامن في تطبيق هذه السياسة على أرض الواقع، بما يعيد مصر إلى مكانتها الرائدة كأكبر دولة عربية .

وعانى المسافرون الفلسطينيون منذ يوم الاثنين الماضي من جملة اشتراطات وضعتها السلطات المصرية في وجوههم، بما يتناقض مع التسهيلات المعلنة، فقد اعلنت السلطات المصرية أن الطاقة التشغيلية للمعبر لا تسمح سوى بسفر حوالي 400 مسافر يومياً، في الوقت الذي يزداد الإقبال على السفر في فصل الصيف ومع بدء الإجازات الصيفية للطلاب، وكذلك استمرت في العمل وفق قوائم الممنوعين من السفر التي أعدها جهاز أمن الدولة المنحل بناء على تقارير أمنية كيدية في غالب الأحيان، إضافة إلى اشتراط السلطات المصرية عرض المرضى الذين يحملون تحويلات طبية للعلاج في الخارج على لجنة طبية مصرية لفحصهم قبل السماح لهم بالسفر من أجل التأكد من صدقية هذه التحويلات الطبية .

إن هذه الاشتراطات تتنافى كلياً مع التسهيلات التي أعلنتها مصر، وتنص على إعفاء جميع النساء الفلسطينيات من شرط الحصول على تنسيق مسبق أو تأشيرة دخول، وكذلك إعفاء الذكور تحت عمر 18 عاماً وفوق 40 عاماً من الحصول على تنسيق مسبق، ومنح تسهيلات كبيرة للطلبة والمرضى، إضافة إلى إعلان العمل في المعبر يومياً من الساعة العاشرة صباحاً وحتى السادسة مساءً من دون تحديد سقف لأعداد المسافرين، بمعنى أنه بالإمكان سفر أكبر من العدد المطروح بكثير مثلما حدث في أول أيام فتح المعبر إذ تجاوز العدد 700 مسافر .

لقد أصابت عودة السلطات المصرية لسياستها القديمة في المعبر، الفلسطينيين بالصدمة، وهوت بهم من طيرانهم في فضاء الأحلام بحرية السفر، إلى أرض الواقع المؤلم، فما سر هذه العودة السريعة إلى التضييق على الفلسطينيين في غزة؟، وهل رضخت مصر فعلاً لضغوط خارجية و”إسرائيلية” بإبقاء معبر رفح وفق مع هو معمول به منذ سيطرة حركة “حماس” على قطاع غزة في منتصف حزيران/ (يونيو) 2007 .

وقد بلغت الأزمة ذروتها يوم السبت الماضي، عندما أغلقت السلطات المصرية المعبر بشكل مفاجئ ومن دون التنسيق مع الجانب الفلسطيني، مبررةً الإغلاق بأنه لدواعي الترميم والصيانة، حتى وإن صدق هذا التبرير، أفلم يكن ممكناً التنسيق مع إدارة المعبر من الجانب الفلسطيني، لتقوم بدورها بإعلان ذلك للراغبين في السفر، كي لا يحضروا للمعبر، ويحدث ما حدث من اقتحام عشرات المسافرين الغاضبين للمعبر، ومحاولتهم اقتحام البوابة المؤدية للجانب المصري من المعبر، قبل أن تسيطر أجهزة الأمن الفلسطينية على الموقف، وتخلي المعبر من المسافرين .

الشكل الذي بدا عليه المعبر في ذلك اليوم لا يوحي بأن قرار إغلاقه جاء بهدف الترميم والصيانة، فنصب الدعامات الخشبية في ساعات قليلة، يوحي بأن السلطات المصرية أرادت إغلاق المعبر لبضعة أيام، ومن ثم معاودة العمل وفق النظام القديم، بمعنى التراجع عن تسهيلاتها بما لا يثير الضجة حولها، لكن هذا لم يحدث، إذ اعتصم المسافرون قبالة المعبر يومي السبت والأحد الماضيين، مطالبين مصر بعدم التراجع عن هذه التسهيلات، وعدم الرضوخ لما تتعرض له من ضغوط أمريكية و”إسرائيلية”، وإذا كانت أعمال الصيانة حقيقية فلماذا لم تترك السلطات المصرية مجالاً للعمل ودخول المسافرين ولو بالحد الأدنى إلى جانب أعمال الصيانة، وهل تنتهي أعمال الصيانة في ساعات، إن التحرك الغاضب للمسافرين دفع مصر إلى التراجع تجنباً لردات فعل أشد غضباً؟؟ خصوصاً أن حكومة “حماس” ردت على هذا الإجراء المصري بإغلاق المعبر من جانبها يوم الأحد الماضي إلى حين اتضاح نتائج مشاوراتها مع السلطات المصرية

في خصوص التسهيلات وحقيقة التراجع المصري عنها .

ويعتقد الفلسطينيون أن الضغوط الهائلة التي مارستها واشنطن وتل أبيب على مصر، جعلتها تعيد النظر في قرارها، خصوصاً في ظل ما نشر إن كان حقيقياً- بأن الإدارة الأمريكية ابتزت القاهرة بأنها ستعيد النظر في المساعدات السنوية التي تمنحها أمريكا للقاهرة إن أصرت على قرارها بفتح المعبر بشكل دائم، باعتبار أن هذا القرار يكسر القرار الدولي بحصار حركة “حماس” والتضييق عليها، لعدم استجابتها لشروط اللجنة الرباعية الدولية المتعلقة بالاعتراف ب”إسرائيل” ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقات السابقة .

هناك ثمة رأي آخر لتفسير تراجع مصر عن قرارها بفتح المعبر ومنح تسهيلات للفلسطينيين، ويستند هذا الرأي إلى تحليل رد الفعل “الإسرائيلي” إزاء القرار المصري، الذي يعتبر في هذا القرار مصلحة “إسرائيلية” بتحقيق الرغبة “الإسرائيلية” الدائمة، بالتخلص من مسؤولية قطاع غزة، وإلقائه في حضن مصر، وهو ما تخشاه مصر ولا تريده، وربما يكون الرئيس محمود عباس قد أثار هذا الأمر في لقائه مع رئيس المجلس العسكري الحاكم في مصر المشير حسين طنطاوي .

صحيح أنه ظهرت بعض آراء الوزراء في “إسرائيل” معترضة على فتح المعبر منهم الوزراء عوزي لنداو وزير البنية التحتية وكذلك وزير المالية شتاينتس ووزير المواصلات المتطرف إسرائيل كاتس لكن حسابات الاستراتيجيات كانت أبعد من وعي أولئك بكثير، فالباحث بمركز عيزري والخبير في المجتمع والسياسة الفلسطينية بجامعة حيفا عيدو زلكوفيتش قال ما نشره موقع “تيك دبكا” على المدى الطويل فإن فتح المعبر أمر جيد ل”إسرائيل” وإذا ما فتحت المعابر من ناحية مصر سترفع المسؤولية عن “إسرائيل” وستتحمل مصر تزويد قطاع غزة بالسلع الأساسية وستصبح مصر هي البوابة الرسمية لذلك ينبغي التعامل مع فتح المعبر كفرصة وليس كمخاطرة .

أما الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي غيورا إيلاند فقد نشر موقع الجيش “الإسرائيلي” رؤيته التي تلخصت بأن “فتح المعبر يخدم المصلحة “الإسرائيلية” ولا ينبغي معارضته لأن “إسرائيل” متهمة بأنها تسيطر على غزة . . . من الناحية السياسية فتح معبر رفح ميزة كبرى ل”إسرائيل” .

ولعل أفضل من عبر عن موقف “إسرائيل” هو شلومو أفنيري الذي نشر مقالاً بصحيفة “هآرتس” العبرية قال فيه “غزة خارج البلاد . . . شكراً لمصر التي تمكن هذا” .

أما المراسل العسكري “الإسرائيلي” ألكس فيشمان فقال “في جهاز الأمن لا يعربون على نحو مفعم بالمفارقة عن الرضا عن فتح المعبر ورغم أن أحداً لن يقول هذا بصوت مرتفع لكن في المداولات الداخلية وعلى أعلى المستويات في الجهاز العسكري والسياسي في وزارة الدفاع في تل أبيب يوجد إحساس بالسعادة في ضوء الخطوة المصرية أحادية الجانب لأنه من المحتمل جداً أننا نسير أخيراً نحو فك ارتباط كامل عن قطاع غزة . . . ما يعني نقل الشكاوى من “إسرائيل” إلى مصر وستصبح المستشفيات في العريش عنواناً للمساعدة الإنسانية” .

يلخص فيشمان قوله “المصريون أدخلوا هدفاً ذاتياً في مرماهم ونظام مبارك لم يرغب في أن يقع في هذا الفخ فيأخذ المسؤولية عن القطاع والنظام الجديد للجنرالات اتخذ الخطوة كي يرضي الإخوان المسلمين . . . لكن على المدى البعيد فإن الربح سيكون كله لنا” .

ربما يكون هذا صحيحاً استناداً لرغبة “إسرائيل” وسعيها القديم للتخلص من أعباء المسؤولية عن قطاع غزة، والانفصال عنه تماماً، وربما مصر تراجعت عن قرارها بعد أن أعملت عقلها بعيداً عن العاطفة، فشعرت أنها توشك أن تقع في كمين ابتلاع غزة وتنفيذ المشروع “الإسرائيلي” .

من حق مصر أن تحافظ على نفسها وتحمي مصالحها، ولكن أليس بالإمكان أن توازن بين مصلحتها الوطنية وبين تخفيف معاناة المحاصرين في قطاع غزة، ويتحقق ذلك من خلال اتباع إجراءات سريعة تسهل من حركة سفر وتنقل الفلسطينيين من وإلى القطاع، وإعادة النظر في قوائم المدرجين الممنوعين من السفر، وبذلك لن تستطيع “إسرائيل” التملص من مسؤولياتها تجاه القطاع كقوة احتلال ملزمة بحسب القانون الدولي بتوفير كافة احتياجات السكان .

ولعله من نافلة القول أن إسراع الفلسطينيين في تنفيذ اتفاق المصالحة الذي رعته مصر، وإنهاء حال الانقسام التي أضرت كثيراً بصورة الفلسطينيين وتسببت في تشويه قضيتهم العادلة، سيساعد مصر على الثبات على مواقفها وقرارها، وسيجعل الصوت الفلسطيني موحداً أمام العالم، وسيمكنهم من مواجهة مخططات دولة الكيان ومشاريعها الخبيثة الرامية إلى تعزيز احتلالها بأقل الأثمان .

. . ومع ذلك، فإن إعادة فتح المعبر بعد ثلاثة أيام على إغلاقه يشكل بادرة إيجابية على أن الأمور تسير بشكل إيجابي، وأن مصر لن تتراجع عن موقفها برفع الحصار عن القطاع، ولن يعاد إغلاقه مجدداً .


نقلا عن الخليج