مشاهدة النسخة كاملة : إلى متى تظل "إسرائيل" فوق القانون الدولي؟ (عمار الجنيدي)


ابو نسيبة
06-10-2011, 05:54 PM
إلى متى تظل "إسرائيل" فوق القانون الدولي؟ (عمار الجنيدي)

يمكن تعريف القانون الدولي بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تنظّم صيغ العلاقات بين الدول والمنظمات والهيئات والأفراد. لكن هذه القواعد والثوابت القانونية ليست لها آلية إلزامية في تنفيذها إلا بما تتوافق عليه هذه الدول في تنفيذ بنودها.
وبعد الحرب العالمية الثانية صاغت الدول المنتصرة ميثاق هيئة الأمم المتحدة، فتمت ولادتها على أيدي القوى المنتصرة الخارجة للتو من أتون الحرب، وظل تطبيق بنود القانون الدولي يخدم مصالح الدول الكبرى المؤسسة له.
وكانت الدول الناظمة لعصبة الأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة، وهي أول الدول التي لم تلتزم بمواثيقها، بل وخرقتها بان دخلت في حروب ونزاعات مع دول أخرى.
وتحت تأثير المصالح والصراعات السياسية عَطّلت هذه الدول القانون الدولي، وحالت دون تطبيق مواده وقوانينه، فأعطت بذلك الأمم المتحدة عن نفسها صورة مشوهة منحازة إلى ذهنية التآمر والعجز والسلبية.
وقد كان للشعوب العربية والإسلامية نصيب مما خلّفته من مآس مدمرة عليها، فبانقياد المنظمة الأممية للهيمنة الأمريكية واستسلامها لنزواتها، تمهيداً للسيطرة والهيمنة على مقدرات العالم وتسخيرها لخدمة السياسة الأمريكية، واستفرادها بالهيمنة على قراراته المصيرية بحجة محاربة الإرهاب، وأنها الدولة الوحيدة التي تفي بالالتزامات المالية نحو المجلس، صارت ترتكب أبشع الحروب وأكثرها لاعدالة ولا إنسانية باسم القانون الدولي، وتنتهك حقوق الإنسان وتستبيح أرضه وتهين آماله وطموحاته بالأمن والسلام والحياة.
وما نشهده من سعي محموم لفرض إرادتها بالتهديد والوعيد والتنكيل بالحروب وأدواتها وتبعاتها لإذلال الشعوب العربية والإسلامية خاصة، بدءا بغض نظرها عما ترتكبه "إسرائيل" من احتلال بغيض للأرض العربية الفلسطينية، وانتهاكات فظيعة بحقوق إنسانها، وخروق فاضحة لمواثيق وعهود وقرارات الشرعية الدولية، ثم حصار العراق والسودان وليبيا، ودعمها بالمال والسلاح والمواقف السياسية في اجتياح "إسرائيل" الأخير للبنان، وزرع الفتن في سورية والصومال، وبالسعي لإصدار حفنة قرارات لحصاراتها الجائرة على كل من لا يرضخ لهيمنتها وجبروتها، ومطالبتها جميـــع دول العالم تنفـــــيذ هذه القرارات بالقوة، ثم بشطب أفغانستان والعراق من الخريطة الدولية وتحويلهما إلى بلدين تطحنهما الحروب الطـــائفية، وينهشهما الفقر والجوع، وغياب الأمن وسلب الإرادة والسيادة، لتوصل بذلك رسالتها بان ازدواجية تعاملــــها هذه واستهــــتارها بالقانون الدولي وقراراته، إنما هو نتيجة هيمنة حليفتــــها وسندها الداعم الولايات المتحدة الأمريكــية؛ التي أصبـــح النظام العـــالمي الجديد أداة طيعة وهراوة لتخويف وضرب كل المارقين على إرادتها.
لقد أدمن الكثير من السياسيين في "إسرائيل" على تورّطهم بالفضائح المختلفة، على المستويات السياسية أو الاقتصادية أو الجنسية أو الاجتماعية وغيرها، والشرطة الإسرائيلية تستدعي باستمرار الساسة الإسرائيليين وتُحقق معهم باستمرار بتهم تطال تلقيهم للرشى، وغسيل الأموال، والتحرّش الجنسي، وممارسة التزوير، وغسيل أموال، وإعاقة مجرى العدالة، ومن المثير للاهتمام أن أغلبهم يتمادى ويُكابر ويُبرر فضائحه تلك ويَعمَد إلى المناداة بفصل حياته السياسية عن حيواته الأخرى، ومحاولات تبريره أن أخطاءه ونزواته تلك أنها من أجل الدولة والشعب الإسرائيلي؛ فالساسة الإسرائيليون أغرتهم امتيازات السلطة وراحوا يتنعّمون على هواهم ويوغلون في الفساد وتلقي الرشاوى والهدايا والعطايا بلا حساب، والدخول في مضاربات ومزايدات مالية ومراهنات وعمليات البيع والشراء مستغلين أوضاعهم ومراكزهم السياسية والوظيفية، وتحت مظلة وحماية السلطة، ولم يسلم أيّ منهم من إغراءات السلطة وتورّطه بفضائح رشى وفساد مالي، حتى رئيس الدولة العبرية السابق موشي كاتساف كانت تقدمت ضدّه خمس عشرة فتاة إسرائيلية باتهامات باغتصابهن وبالعنف، وحينها رفض الاستقالة أو زوال الحصانة عنه للتحقيق معه، لأنه يعرف أن الإدانة ستطاله، وبالتالي سيتعرض لعقوبة السجن حال إدانته في هذه القضايا وقضايا أخرى كالرشوة وإساءة المعاملة والأمانة الوظيفية، هذه التهم تعني في ما تعنيه أن الدولة العبرية التي تعاني أزمة أخلاقية على أعلى المستويات، خاصة بعد سلسلة من الفضائح والأزمات والتصريحات المثيرة للجدل والجالبة للمتاعب التي أدلى بها الساسة الإسرائيليون، كانت بدايتها بالانبهار بشجاعة عدوهم اللدود حسن نصرالله، ثم التصريحات الصادمة عن امتلاك "إسرائيل" للسلاح النووي، ومن ثم ضمّ للمتطرف ليبرمان صاحب المواقف العنصرية، كشريك مهم في حكومة نتنياهو، وعزم "إسرائيل" على مهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وبحثها المستمر ولو عن انتصار شبه وهمي بعد رجعتها المذلة من لبنان، عبر اجتياحها لقطاع غزة والمذابح التي ترتكبها بشكل بشع ومهين للضمير الإنساني في بيت حانون وغيرها، وزرع الفتن والعثرات في طريق المصالحة الفلسطينية - الفلسطينية، إذ تتوهم بذلك أنها قادرة على تحقيق كسر إرادة الشعب الفلسطيني والنيل من صموده الأسطوري.
الدولة العبرية تتخبط الآن على صفيح من المآزق والفضائح الأخلاقية، لكنها (يا للغرابة) لن تنهار جرّاء ذلك كله؛ ففي زمن بلغ فيه الجبروت الإسرائيلي ظلمه وعسفه وحقده على الشعب الفلسطيني سامحا لملايين اليهود في العالم بالهجرة الترانسفيرية فانه يحرِّم على الفلسطينيين ما كفلته القرارات الدولية بحق عوده اللاجئين والمهجرين، وينكرون عليهم حق العودة إلى أراضيهم ومازالوا ماضين في بناء جدارهم العازل والفاصل للمدن والقرى والبلدات الفلسطينية عن بعضها البعـــــض، مشردة بذلك آلاف الأسر والعوائل عن بعضها البعض قاطعه أرزاقهم ومحكمة الحصار حتى على المساعدات التي ترسل إليهم، ولا تقيم اعتبارا للتمييز العنصري بحق الفلسطينيين، واحتلال منازلهم عنوة وغصـــباً من قبل المستوطنين الإسرائيليين وإغراق السجون بالشيوخ والنساء والأطفال، ومعاملتهم بأبشع صور وصنوف الإهانة والتعذيب وحرمانهم ابسط حقوق السجين؛ وعليه فإن الانسجام التام بين زعيمي الحكومة الإسرائيلية: 'نتن ياهو' و'ليبرمان'، لا يتيحان مجالاً للتهدئة أو السعي العالمي بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والحوار، فهما لا يريدان دولة فلسطينية، بل ويناديان بالتملّص من قرارات مؤتمر مدريد ومؤتمـــر أنابولـــس وأي مؤتمر ينادي بدولة فلسطينية، وبلغ بليبرمان من التعنّت انه يرفض كافــــة الاتفاقيات التي أبرمتــــها "إسرائيل" مع منظـــمة التحـــرير الفلسطينية، ولا يعير أيّة اتفاقيات مبرمة اهتماماً، حتى القرارات الدولية ومؤتمر أنابولس، تحديداً، التي نصّت رسمياً على إقامة الدولة الفلسطينية، ويجاهر برفـــض إعطاء حقوق للفلسطينيين؛ بانتشار وتغـــوّل خطابه اليميني العنصري التحريضي ضد العرب، واستمرار مطالباته بمعاملة العرب الفلسطيــنيين وزعامات أحزابهم كأعداء ومحاربتهم، وإرغامهم على دفع ثمن إرهاصات العنصرية التي ينادي بها، سعياً إلى المزيد من التنازلات العربية والفلسطينية، وهــو أيضاً يعارض عودة الجولان إلى الوطن الأم (سورية) ويريد الإبقاء على الضفة الغربية بعد طرد سكانها العرب الفلسطينيين إلى أي مكان آخر يستقبلهم؛ برفضها المتعنّت لمبادئ السلام التي وضعتها الأسرة الدولية وتبنتها.
في المقابل فان المطالبات والدعوات للفلسطينيين بالتمسّك بحقوقهم الشرعية والدفاع عن قضيتهم العادلة، وعدم الرضوخ أو الالتفات للمَطالب بالمزيد من التنازلات التي ستفضي حتماً لضياع الحقوق التاريخية، وقد باتت المصالحة وتوحيد الصف الفلسطيني ووقف حالة الاحتراب الفصائلي المسلح مطلبا ملحّاً للفلسطينيين للوقوف في وجه المؤامرة الرامية لتصفية ما تبقّى من فلسطين بمصادرة الأرض الفلسطينية وتهويد القدس وتغوُّل المستوطنات، ثم فرض سياسة الأمر الواقع على العرب والفلسطينيين، خاصة بعد تراكم الفشل السياسي والأخلاقي الذي مُنيت به الإدارة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وممارستها ببراعة لعبة ترحيل القضية إلى المستقبل؛ ولأنه بات يدرك أن المؤامرة تستهدف مستقبله ووجوده.
لقد كشفت الانتهاكات الإسرائيلية الفظيعة، وجرائم الإبادة الجماعية والممارسات الإجرامية البشعة والمستمرة لحقوق الإنسان؛ والتجاوزات الخطيرة التي انتهك بها الجيش الإسرائيلي القيم السماوية والأعراف والقوانين الدولية، وما تضمنته من جرائم حرب شنيعة، إن القانون الوحيد الذي تتعامل معه "إسرائيل" وتؤمن به هو قانون الغاب، بوجود من يحميها ويتعاطف ويبرر قسوة استعمالها للقوة المفرطة، وبلا رحمة، مما يدفعها إلى المزيد من الغطرسة والطغيان والجبروت، مستغلّة العجز والانقسام العربي، وعجز المجتمع الدولي عن مساءلتها، وحماية الشعب الفلسطيني من مجازرها المجانية العبثية، رغم الاحتجاجات والإدانات الشعبية في العواصم الأوروبية والغربية التي شكّلت تحوّلا في التأثير على الرأي العام الأوروبي والغربي، الذي استوعب متأخراً فضيحة الممارسات الإسرائيلية، بعدما كان مستباحاً من قِبَلِ الدعاية الإعلامية الإسرائيلية، ضاربة بعرض الحائط كل محاولات التنديد بتجاهلها لقرارات الشرعية الدولية، وعدم اعترافها والتزامها بهذه القرارات، وبارتكابها جرائم حرب، وبإفراطها باستخدام السلاح المحرّم دولياً، الذي يقترب في مدى فعاليته وخطورته إلى السلاح النووي، فتحركت على إثر ذلك بعض المنظمات القانونية والإنسانية للمطالبة بمحاكمة إسرائيل دوليا لارتكابها جرائم حرب وتحميلها مسؤولية الاعتداءات المتكررة على الشعوب العربية، وتذكير "إسرائيل" والعالم بأن لا أحد فوق لقانون، بملاحقتها ومحاكمتها أمام المحاكم الدولية، وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب أمام المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، حتى لا تبقى "إسرائيل" فوق القانون الدولي، لعزلها دوليا باعتبارها عاراً على المجتمع الدولي، بتحدّيها المستمر للمجتمع الدولي وعدم احترامها الرأي العام العالمي، وإشعارها بأن قادتها السياسيين والعسكريين يمكن أن يخضعوا لتحقيق دولي، وأن قناعتها بأن لا قانون يحاسبها يجب أن تتغيّر، إذا أرادت العيش كدولة متحضرة، وضرورة التفاتها إلى الضغوط الدولية بشأن احترام حقوق الإنسان وأن تحقيق السلام بين العرب و"إسرائيل"، لا يتحقق إلا بخيار حل الدولتين من أجل إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإنهاء خيار ثقافة العنف بدل إحلال ثقافة الحوار والسلام، ثم الجلوس إلى طاولة المفاوضات والالتزام بقرارات الشرعية الدولية وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته، بدل إصرارها على إبقاء حالة الفراغ السياسي الفلسطيني باعتقالها أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني والإبقاء على معاقبة الشعب بمحاصرته وتجويعه كعقاب جماعي تمهيداً للقضاء عليه، بفرض شروطها وحلولها بالقوة العسكرية، اعتقاداً راسخاً لديها بأن الدم العربي رخيص وألا أحد يحاسبها وأنها فوق القانون الدولي.
نعم، لقد صار القانون الدولي كذبة كبيرة أشبه ما تكون بكذبة نيسان...

نقلا عن المركز الفلسطيني