مشاهدة النسخة كاملة : الشيخ المستعين بالله و دوره في نشر الإسلام في ضفتي نهر السنغال


ام خديجة
06-10-2011, 11:49 AM
الشيخ المستعين بالله و دوره في نشر الإسلام في ضفتي نهر السنغال



بقلم الأستاذ: الشيخ أحمد سالم بن أحمدو بن بيي الملقب آشاه الإدارة الجهوية للتهذيب الوطني بولاية اترارزة

مقدمة:
تحتل العلاقات الثقافية و الروحية بين موريتانيا و السنغال حيزا كبيرا من اهتمام المؤرخين و الباحثين في مجال الفكر و الثقافة ، لذلك لن أطيل الحديث في هذا الموضوع و إنما سأقتصر على إبراز الدور التاريخي الذي تميز به أحد أهم رموز العلم و التصوف في منطقة الضفة خلال القرنين ال 13 و ال 14 الهجريين، يتعلق الأمر بالقطب العلامة و الحبر الفهامة الشيخ المستعين بالله بن طلحة الكمليلي رحمه الله، فمن هو الشيخ المستعين بالله؟

1- نسبه و مولده:

أ‌) نسبه:

هو الشيخ المستعين بالله بن طلحة بن ابراهيم بن دوم بن حميد بن اجفغ احمد بن محنض بن احمد ابن موسى بن يحي بن محمد بن يحي بن شمس الدين بن محمد بن ابراهيم بن شمس الدين بن يحي الكبير القلقمي بن محمد ابن عثمان بن أبي بكر بن يحي بن عبد الرحمن بن أران بن أتلان بن أجملان ابن ابراهيم بن مسعود بن عيسى ابن عثمان بن إسماعيل بن عبد الوهاب بن يوسف بن عمر بن يحي بن عبد الله بن احمد بن ادريس الأصغر ابن ادريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي كرم الله وجهه، و ابن بضعة الرسول المصطفى صلى الله عليه و سلم.

و مما يجدر ذكره أن هذا النسب الشريف، و المعترف به من طرف أجلاء العلماء على مر الأجيال من أمثال القطب الكبير و القدوة الشهير المرابط محمذ فال بن متالي التندغي (المتوفى سنة 1287هـ - 1870م)، ظل مصونا عن الامتهان و الابتذال و عن الرياء و الاكتساب كما هو الواجب في حقه.

ب‌) مولده:

ولد الشيخ المستعين بالله في شوال عام 1257هـ الموافق 1841م عند كثيب "السمسيات" شمال شرق مدينة كرمسين الحالية، و نشأ في بيت والده طلحة الذي يعد بيت علم و ورع في أهله.

و كان يحظى عند والده بمكانة خاصة نظرا لما شاهد فيه من أمارات تدل على الفضل و الصلاح.


2- نشأته العلمية:

حفظ الشيخ المستعين بالله القرآن الكريم في وقت مبكر ثم انكب على العلم حيث نال النصيب الأوفر منه في محظرة العلامة الجليل أحمدو باب بن عبد الله بن حامتو الإيدكبالي التندغي الذي درس عليه: وسيلة السعادة للمختار بن بون (في التوحيد) و إضاءة الدجنة للمقري (في التوحيد) و مختصر الأخضري (في الفقه) و مختصر خليل (في الفقه) و سلم الأخضري (في المنطق) و تحفة المختار بن بون (في المنطق) و خلاصة ابن مالك (في النحو) و تبصرة ابن بون (في البيان) و صدرا من الأنساب للبدوي (في السيرة)

كما تلقى بعض العلم كذلك من العلامة الجليل المصطفى بن أحمد بن ابراهيم الفودي التندغي الملقب "لِفقيه" حيث درس عليه صدرا من ألفية السيوطي في الأصول و أخذ بعض العلم أيضا عن العلامة الجليل المختار بن ألما اليدالي.

و بعد أن تضلع من هؤلاء العلماء، من العلم الظاهر، جمحت به همته العالية إلى اقتفاء آثار السادة الصوفية فوصلت به إلى الشيخ الجامع و الغيث الهامع الشيخ ضياء الدين الجكني، فأخذ عنه ورد القادرية و بعد وفاة الشيخ ضياء الدين رحمه الله انتقل إلى الشيخ الكبير و العالم النحرير الشيخ أحمد بن الزوين التنواجيوي الحسيني، و بمجرد وصوله إليه كتب له إجازة مطلقة في إعطاء الأوراد القادرية و تعليم العلوم الشرعية و الحقيقية، يشهد على ذلك ما ورد في رسالة شيخه إلى جماعة إكمليلن التي وصفها (بالجماعة المحروسة بسور الحفظ و الرعاية المرجو من الله نجاحها و فلاحها المحقق قيام دولتها و ارتفاع صيتها و صلاحها) إلى أن يقول: (إن المستعين ابن طلحة وصل إلينا، و بمجرد وصوله إلينا وصل إلى معرفة الله وصولا يصل به إليكم كل خير ويقيكم كل مكروه و ضير ثم شيخناه إليكم لتصلح به دولتكم) و قد أعطاه شيخه عمامته و قميصه و نعليه و شيعه.

3- نشاطه العلمي و الدعوي:

لما تبحر الشيخ المستعين بالله رحمه الله في مختلف العلوم، و بلغ فيها ما بلغ، عاد إلى أهله ليعلم الجاهل و ينبه الغافل، فكانت محظرته مركز إشعاع علمي و روحي شمل تأثيره مناطق شاسعة في موريتانيا و إفريقيا الغربية، فتصدر على يديه العديد من الجهابذة الأعلام و أئمة الهدى و مصابيح الظلام.

و من هؤلاء: ابنه الواصل فريد عصره و أعجوبة دهره، الشيخ احمد سالم رحمه الله كما تخرج من محظرته جمع من الأعيان الفضلاء و العلماء الصلحاء نذكر منهم على سبيل المثال: الشيخ محمد سالم بن بدى التندغي – الشيخ محمد بن معاوية التندغي – الشيخ السالم بن اغربط الكمليلي – الشيخ محمد آسكر بن سيديا بن محم الغلاوي – الشيخ عبد الله بن سيد محمود الكمليلي – الشيخ محمد الأمين بن الشيخ ضياء الدين الجكني – الشيخ احمد يوره التندغي –الشيخ محمد بن ابا بن باتي التندغي – الشيخ محمد بن محمودا بن أمينو التندغي – الشيخ المنتقى التندغي – الشيخ محمد بن الأمين اعل التاشدبيتي... إلخ

و نظرا لاتساع محظرة الشيخ المستعين بالله في ضفتي نهر السنغال فقد خرجت العديد من العلماء الأعلام و السادة الأخيار الكرام الذين كان لهم شرف صيانة و نشر الثقافة العربية الإسلامية في ربوع السنغال و غامبيا و غيرهما من البلدان الإفريقية و من هؤلاء السادة: الفالي كي و بنض سين (من كرمسين) – تيماك كي (من انقن) – علي صار (من صكل) – مبّات امبي (من جوالو) – الطالب مكه التكروري (من فوتا).

و إن الزائر لمنطقة والو (في الضفة اليسرى) سيشاهد اليوم الكثير من المعالم الإسلامية البارزة من مساجد عامرة بالمصلين و محاظر تعج بطلبة العلم مما يوحي بأن محظرة الشيخ المستعين بالله ظلت تمثل قلعة شامخة من قلاع الصمود الديني و الثقافي خلال القرنين الماضيين.

و من العوامل التي ساعدته في إيصال رسالته العلمية و الدعوية غزارة علومه و معارفه من جهة و تمكنه من جهة أخرى من مختلف اللغات و اللهجات السائدة في محيطه، فهو يتحدث اللهجة البربرية (اكلام ازناكه) بطلاقة، كما اشتهر بخبرته المتميزة في اللغة الولفية لدرجة أنه كان يدرس بها المتون الفقهية لطلبته الناطقين بهذه اللغة.

و استمر تخريج الأفواج من محظرته الجامعة بين علوم الشريعة و الحقيقة إلى أن توفي رحمه الله ضحى الاثنين الخامس من رمضان المعظم سنة 1351هـ - 1932م و دفن بمقبرة "خشم اندكل" الواقعة بجوار قرية دار السلام (على بعد 15 كيلومترا شرق مدينة كرمسين) و خلفه ابنه الأبر و القمر النور فضيلة الشيخ احمد سالم رحمه الله، حيث تطورت هذه المحظرة في عهده لتصبح اليوم أكبر زاوية من نوعها في المنطقة حيث يؤمها سنويا مئات الزوار الوافدين من كل أنحاء موريتانيا و السنغال و غامبيا و باقي البلدان الإفريقية فيتلقون فيها التربية الصوفية في أسمى معانيها، و ذلك تحت الإشراف المباشر للخليفة العام فضيلة الشيخ محمد السالم بن الشيخ احمد سالم بن الشيخ المستعين بالله و شقيقه فضيلة الشيخ داداه حفظهما الله ورعاهما.

و هناك هيئة تدعى "هيئة الشيخ المستعين بالله لإحياء التراث" يديرها الشيخ محنض بن الشيخ محمد السالم حفظه الله، و من مهام هذه الهيئة الإشراف على تنظيم الندوات العلمية و الدينية التي تقام من حين لآخر، سواء بمقر الزاوية في انولكي (40 كلم شمال روصو) أو في أماكن أخرى من موريتانيا و السنغال...

4- وقفة مع شهادات بعض العلماء المعاصرين للشيخ المستعين بالله:

عاصر الشيخ المستعين بالله جيل من أكابر العلماء و الصلحاء شهدوا له كلهم بالعلم و الفضل و الصلاح:

فمن المشايخ السنغاليين الذين عاصروه العارف الكبير الشيخ أحمد بنب (المتوفى سنة 1927م) و كان يلقبه بالمستعين بالله في حين كان الشيخ المستعين بالله يلقبه بأحمدو (يَنبَ) و ينب باللهجة الحسانية تعني: يسمو، أو يعلو، أو يرتفع...

و خير دليل على متانة العلاقة بين هذين القطبين الكبيرين ما نشاهده اليوم من تبادل للزيارات بين أبنائهما و مريديهما خاصة في المواسم الدينية التي تقام في انولكي (مقر زاوية الشيخ المستعين بالله) أو في طوبى (مدينة خادم الرسول).

و من العلماء المعاصرين له أيضا أبناء محمد بن عبد القادر بن الأمين الكمليليون (أحمد دين – عبد القادر – عبد الله) و هم علماء أجلاء عاشوا ما بين نهاية القرن 13 هـ و انتصاف القرن 14 هـ.

و كانت محظرتهم من أقدم المحاظر و أشهرها في الناحية الجنوبية الغربية من اترارزة، كما كانوا من أبرز رواد الطريقة الشاذلية خلال تلك الفترة (راجع كتاب "الدر الثمين في التعريف بأبناء الأمين" ) و فضلا عن كونهم من أبناء عمومة الشيخ المستعين بالله فإنهم أيضا أخواله، و أخوال أحفاده حيث أن ابنه الشيخ احمدسالم تزوج من السيدة الفاضلة اعويشه بنت المرابط احمددين بن الأمين رحمهم الله، فأنجبت له من الأبناء: الشيخ محمد السالم (الخليفة الحالي) و الشيخ داداه حفظهما الله، و الشيخ احمددين رحمه الله، مما ساهم كثيرا في تعزيز الأواصر بين هؤلاء الأعلام و بين ذويهم فيما بعد.

و تبرز العلاقة بين أبناء الأمين و هذا الشيخ الجليل في العديد من المواقف الدينية و العلمية منها تزكيته لكتابي المرابط أحمددين و المرابط عبد القادر بشأن مسألة "الزبية" حيث عبر عن سعادته بمضمونهما –فيما علمنا- بعبارة: (الحمد لله الذي جعل فينا مثلهم) و لما علم المرابط عبد القادر بأن بعض تلامذة الشيخ المستعين بالله قد نقضوا عهد شيخهم بعد وفاته رحمه الله ألف كتابا قيما سماه (وصية في السلوك) ضمنه الكثير من الحث على ملازمة طريق هذا الشيخ، و التحذير من مخالفته معتبرا ذلك (خصلة دنية لا تبقى مع المريد من الطريق بعدها بقية) مشيدا بطريقه قائلا: (اعلموا أن طريق شيخكم مشهورة محمودة مشكورة مبرورة، و قد سلك عليها كثير من العلماء الأبرار و الأولياء الكرام و السادة الأخيار ونالوا بها مقامات عالية وحالات سامية...)

و في الختام أعتذر للقارئ الكريم عما يلاحظه من تقصير بشأن مناقب هذا القطب الكبير و الله يعصمنا من الزلل و يوفقنا في القول و العمل و صلى الله و سلم على سيدنا محمد و آله و صحبه.


- توجد بالقرب من هذا الكثيب مقبرة قديمة تدعى "انبلطون" تأسست عام 454هـ، تضم ضريح الفاتح الإسلامي العظيم و المجاهد الكبير ابراهيم الأموي، الجد الأعلى لقبيلة المدلش (المتوفى سنة 512هـ) و هذه المقبرة مدفن للعديد من رجالات العلم من أمثال الأقطاب العلماء أبناء الأمين الكمليليين: أحمددين – عبد القادر – عبد الله رحمهم الله تعالى.

- ألفته سنة 1995م (و هو مخطوط)
- ألف كتابا في مسألة الزبية بعنوان "إخبار الصبية بأخبار الزبية"
- ألف كتابا في مسألة الزبية بعنوان "القول الأسد في الساقطين على الأسد"
- توجد منه نسخة بدار الثقافة في انواكشوط تحت رقم 529.


نقلا عن الأخبار