مشاهدة النسخة كاملة : رحلة من أجل فردوس مفقود (محفوظ ولد السالك)


ابو نسيبة
06-09-2011, 04:19 PM
رحلة من أجل فردوس مفقود (محفوظ ولد السالك)

غمرته غبطة عارمة وهو ينتظر بفارغ الصبر تلك اللحظة التي سيمتطي فيها سفينة الحياة لترسو به على ميناء عالم آخر، طالت به الساعات وهي قصيرة، صارت الابتسامة ـ من لا شيء ـ لا تفارق محياه رغم أن الوجوم والاكفهرار كانا السمة الغالبة عليه ، صار شغله الشاغل هو التفكير في لحظتين : لحظة الفراق لأنه لم يتعود السفر ، وحينها يشعر بجذوة نار مشتعلة تقضم فؤاده فتنسكب سحب من الدمع غير الآسن علها تنطق بما يصمت عنه اللسان ، فتزيل قليلا من غشاء الحزن الذي يخيم على قلبه ، لكن سرعان ما يبدي تجلدا كبيرا ويصيغ إكليلا من السعادة ، فتغيض سحب الدمع وتورق شجرة الأمل ، ويبدأ التفكير في لحظة الوصول. أمضى أياما طويلة ووجهه تارة يقطر فرحا وأخرى حزنا ، لم يعد يرغب في الأكل والشرب ، صار نحيلا كالمحب ، من جراء التفكير في المستقبل ، يجالس نفسه طويلا ويهذي عليها أسفارا من المشاريع المستقبلية ، يمنيها بأن أغلال الفقر لا محالة ستنكسر وبأنه سيعيش حياة سعيدة ، فتطير نفسه فرحا.
حانت لحظة المغادرة ، حزم أمتعته وخرج ، طأطأ رأسه ولوح بيده من الباب الخلفي للسيارة ، ما إن قطع مسافة قليلة حتى أخذته سنة من النوم ، رأى خلالها أن ما كان يعد به نفسه قد تحقق فعلا ، وبأنه أصبح يعيش في عالم لا مقام فيه للفقر... لكنه سرعان ما استيقظ ليجد نفسه لا يزال يعيش واقعه المزري، ترك باب التفكير في المستقبل مفتوحا على مصراعيه ووضع لنفسه سقفا زمنيا سيتمكن خلاله من قطع حبل الصداقة بينه وبين الفقر.
بعد الوصول إلى بلده الجديد ، حاول "عبد الله" أن يتناسى كل ما بوسعه أن يعكر صفو مهمته ، لذلك لم يشعر بالغربة لأنه كان يعتبر نفسه غريبا في وطنه ، أوصد باب التفكير في المستقبل ، دفن الحزن في أعماق قلبه ، استبدل ـ ذهنيا ـ الواقع الذي يعيشه بالتقلب في أعطاف العيش الناعم.
بعد سنوات عديدة من المعاناة، تمكن "عبد الله" من النجاح في مهمته فراكم العديد من الشهادات، وفتح باب التفكير في المستقبل من جديد، فأخبر نفسه بدنو ساعة الوفاء بعهده.
كان "عبد الله" من المؤمنين بفكرة ضرورة المساهمة في بناء وطنه والنهوض به من خلال المجال الذي درسه لما يقرب العقد من الزمن، لكن بالمقابل يريد الحصول على دراهم تضمن له حياة سعيدة وتقيه شر استجداء الآخرين، خصوصا وأن لديه كفاءات علمية كفيلة بتحقيق ذلك.
بعد أيام على وصوله " انواكشوط " قام "عبد الله" بتوزيع طلبات شغل مرفقة بشهاداته ، على مختلف الجهات المعنية ، وظل ينتظر الجواب ، مرت أيام ، فأسابيع ، فشهور، وما من ردود ، طرق كل الأبواب حتى كل متنه وما من مجيب ، عاد إلى كل الجهات لسحب ملفاته ، ليفاجأ بأن بعضها طاله النسيان وتم رميه في سلة الأزبال ، أما الملفات التي لا تزال موجودة فقد جعل منها بساطا لتناول الفطور داخل المكاتب.
انتابته موجة اكتئاب عاتية ، لكن ما هدأ من غضبه أنه لاحظ أن أغلب زملائه وقعوا في نفس المصير، فقرروا القيام بوقفات احتجاجية للتنديد بما تعرضوا له ، كان "عبد الله" من أول المؤيدين للفكرة ، وبعد شهور من التجمهر أمام مقرات الجهات المعنية أصبح رأسه أصلع من جراء لفح ألسنة الشمس التي لا تتلعثم ، وأصبح وزملاؤه لا يقوون على الحركة من جراء بطش أيادي الشرطة التي لا ترحم.
بعد أن يئس "عبد الله" من جدوائية المطالبة بالحصول على منصب شغل يتلاءم وكفاءته العلمية ، لأنه عديم الوساطة ولا يجيد تنميق العبارة ولا العزف على أوتار استجداء من بإمكانهم إيصاله إلى حيث يريد حتى ولو كان " أميا " ، لم يجد بدا من مزاولة بعض الأعمال البسيطة التي يمارسها العامة ، فضاعت سنين التحصيل، وخارت العزيمة ، وأصبح المستقبل معتما ، وتحول الفردوس المزعوم إلى مفقود .

نقلا عن الأخبار