مشاهدة النسخة كاملة : لا حاجة إلى الذرائع (خيري منصور)


ابو نسيبة
06-08-2011, 02:51 PM
لا حاجة إلى الذرائع (خيري منصور)

لم تكن الصهيونية ذات يوم بحاجة إلى ذريعة، لتسويغ جرائمها، لكنها وكما أوصى أكثر من جنرال في تعاليمه الإبادية تحاول استثمار مناسبات بعينها، فهي مثلاً تتذرع لعرقلة السلام بما كان يدور من صراع بين فتح وحماس، ثم تصبح الذريعة عكس ذلك، حيث تتحول المصالحة بينهما إلى سبب آخر لعرقلة السلام.
وقد يقول نتنياهو بعد الجرائم التي اقترفها في الجولان حيث لقي عشرات العرب مصرعهم، لأنهم تجاسروا على الجَهْر برفض الاحتلال في ذكرى حرب حزيران، بأن العرب يقتلون بعضهم أيضاً، وأن أرقام القتل في بعض عواصمهم هي أضعاف عدد من قتلوا في الجولان.
أشياء كثيرة تغيرت في هذا العالم، وتبدل إيقاعها من البطيء إلى المحموم، لكن شيئاً واحداً بقي على حاله أو هكذا أراد له من يمارسونه هو الاحتلال، ومواصلة الاستيطان، لهذا لم يكن نتنياهو بحاجة إلى أية ذرائع، لأن من سبقوه ومهدوا له الطريق، فعلوا كل ما فعلوه بلا حاجة إلى ذرائع أو مقارنات بين قتل وقتل.
ولا ندري ما هو المطلوب من العرب وبالتحديد الشعب الفلسطيني بلاجئيه ونازحيه وأسراه في هذه الذكرى؟ هل يحتفلون بها تناغماً مع حكومة نتنياهو وخضوعاً لما تمليه من تقاويم وتعاليم على العالم؟
إن ما كانت نتيجته الاستشهاد هو أضعف الإيمان بالنسبة لمن كانت أيديهم مغلولة إلى أكتافهم، فشهروا صرخاتهم بدلاً من البنادق المحظورة في زمن لم يعد فيه السلام غير قشرة هشة من طلاء دبلوماسي عديم القيمة ومفرغ من أي مُحتوى.
لكن الدول العبرية على ما يبدو أدمنت نمطاً واحداً من استذكار العرب لجرحهم الحزيراني الغائر حتى النخاع، هذا النمط يتلخص في وقفة حداد، سرعان ما يسدل الستار بعدها ليعود كل شيء إلى ما كان عليه، وما لم يخطر ببال من أدمنوا هذا النمط الهزيل والممنوع من الصرف من أشكال ردود الفعل غاب عنهم أن العواصف التي هبت خلعت أبواباً ونوافذ، وقد تخلع مستوطنات من جذورها إن كان لها جذور، والخطأ الصهيوني المتكرر الذي يصر الجنرالات والساسة على عدم الصحو من سباته هو أنهم راهنوا على ديمومة الحال، واستنقاع الواقع السياسي العربي، وكأن أمة بأسرها أصيبت بجلطة أو “سكتة” قومية لن تعود إلى الوعي بعدها! ومن يخطئون مثل هذه الأخطاء التاريخية غالباً ما يدفعون الثمن، ولو بشكل آجل أو أثر مرجعي، والشعب الذي لم يعد يطيق الظلم حتى من ذوي القربى لن يطيقه من غزاة ومحتلين استباحوا كل شيء، ولم يتوقفوا عند حدّ، لأن المزيد من لعابهم كان يسيل كلما شعروا أن ردود الأفعال على انتهاكاتهم رمزية ومنزوعة الدسم، لهذا يحتملونها كمجرد أعراض جانبية لا تتجاوز القليل من الصداع السياسي أو الغثيان.
إن من يسعون إلى حتفهم عن وعي وإصرار باسل في عقر أوطانهم من أجل الحرية يجب على أعدائهم أن يعملوا لهم ألف حساب، لأن المحتل هو عدو مزدوج، إذ لا يكتفي بمصادرة الحرية فقط، بل يسعى إلى تجريف التراب والمقابر والذاكرة الوطنية.
لكن من حكمة التاريخ رغم الرعونة المؤقتة التي يورطه بها الجنرالات أن غيبوبة الانتشاء لدى الغازي تنسيه عقب آخيل الذي يشكل مَقْتلهُ، ولولا هذه الحكمة لما تحولت أطلال الغزاة القدامى إلى مسارح وحدائق يلهو بها الأطفال والسواح وبقيت مسقوفة بالخوذ والثكنات.

نقلا عن المركز الفلسطيني