مشاهدة النسخة كاملة : لماذا يدعمون الدولة الفلسطينية؟ (منار الشوربجي)


ابو نسيبة
06-08-2011, 02:47 PM
لماذا يدعمون الدولة الفلسطينية؟ (منار الشوربجي)

في الأسبوع الماضي، صدر بيان وقع عليه مئة من الشخصيات العامة البارزة في "إسرائيل" من المثقفين والأكاديميين، بل والسياسيين والعسكريين السابقين. والبيان يدعو المجتمع الإسرائيلي، بل والمجتمع الدولي إلى قبول الاعتراف بالدولة الفلسطينية. وقد أعلنت مجموعة من المنظمات اليهودية الأميركية دعمها لموقف أولئك الإسرائيليين.
ومن يقرأ البيان يستطع أن يتبين بوضوح أن هذا الموقف من الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لا علاقة له بالمرة بحقوق الفلسطينيين في أرضهم التي اغتصبتها "إسرائيل"، وإنما هو نابع فقط من الخوف على مستقبل "إسرائيل". فالبيان الإسرائيلي يقول صراحة إن هذا الاعتراف «والتوصل لحدود متفق عليها على أساس حدود 1967.. حيوي من أجل وجود "إسرائيل".. وأن أية سياسة أخرى يتم تبنيها (لا تعمل على إقامة دولة فلسطينية) تتناقض مع الوعد الصهيوني ومع رفاهية الشعب اليهودي».
نحن إذن، أمام فريقين في كل من أميركا و"إسرائيل" يرفضان سياسات الحكومة الإسرائيلية، ويطالبان بالضغط عليها لوقف الاستيطان والعمل نحو إقامة الدولة الفلسطينية. الفريق الأول هو ذلك الذي انضم له مؤخراً الإسرائيليون المئة الذين وقعوا البيان، وهو الفريق الذي يريد إنشاء دولة فلسطينية دفاعاً عن "إسرائيل" ولإنقاذها من نفسها. وفريق آخر هو أولئك الذين يدعون لقيام الدولة الفلسطينية على أساس أخلاقي وقانوني، باعتبار أن الشعب الفلسطيني شعب محتل ومن حقه أن يقيم دولة، وباعتبار أن الاحتلال غير قانوني ويمثل مشروعاً استعمارياً مناهضاً للقانون الدولي.
والتمييز بين الفريقين بالغ الأهمية بالنسبة لنا، لأنه يضع أيدينا على ما يمكن أن نتوقعه من كل منهما إزاء الموضوعات الكبرى المتعلقة بالقضية الفلسطينية والأحداث التي قد تطرأ عليها في المرحلة المقبلة. فالفريق الأول الذي يسعى لإقامة دولة فلسطينية بدافع الخوف على "إسرائيل"، لا يعنيه في الحقيقة أي شيء سوى إنقاذ المشروع الصهيوني عبر إقامة دولة فلسطينية.
فهؤلاء يعتبرون أن الاستمرار في احتلال الأراضي الفلسطينية والتوسع في الاستيطان على نحو سيستحيل معه قريبا إقامة دولة فلسطينية، معناه أن "إسرائيل" ستجد نفسها أمام حل الدولة الواحدة والتي تعني في الحقيقة نهاية "إسرائيل" نفسها، بسبب التغير الديمغرافي والذي سيكون معه الفلسطينيون أغلبية. فلا مشروع صهيونياً عندئذ، ولا دولة لليهود في تلك الحالة.
ومن هنا، فإن ما يرفضه هؤلاء من سياسات الحكومة الإسرائيلية، ليس الاحتلال لأراضي الفلسطينيين لأنه غير مشروع ومناهض للقانون الدولي، ولا هم يرفضون كل الاحتلال الإسرائيلي بالمناسبة. فهم يرفضون منه فقط ذلك الذي قد يهدد بقاء "إسرائيل"، بينما لا مانع عندهم من الاحتلال الذي لا يهدد وجودها. فعلى سبيل المثال، فإن البيان الذي أصدره الإسرائيليون المئة، يدعو نصاً «للتوصل لحدود متفق عليها على أساس حدود 1967»، وهو ما يعني بالضرورة أن الدولة الفلسطينية التي يدعون لضرورة الاعتراف بها، لن تنشأ على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في 1967.
وإنما ستكون دولة ذات حدود مختلفة «يتم الاتفاق عليها» عبر تبادل الأراضي. فهؤلاء إذن، لا يمانعون في بقاء المستوطنات - التي هي احتلال - كونها أقيمت بشكل غير قانوني على أراضي الغير، ولا هم يعارضون الاحتلال لأنه مخالف للقانون الدولي، ولكنهم يعارضون فقط التوسع في الاحتلال على نحو يعني في المستقبل نهاية دولة "إسرائيل" والمشروع الصهيوني أصلاً.
ولأن هؤلاء لا يعنيهم إلا إنقاذ "إسرائيل"، فإن كل ما يريدونه حقاً هو أن تنشأ تلك الدولة حتى يتجمع فيها الفلسطينيون ويعود إليها من يريدون العودة من اللاجئين، الأمر الذي يسمح بالحفاظ على يهودية "إسرائي" والإبقاء على المشروع الصهيوني. ومن هنا فإنهم ليسوا معنيين بالمرة بحقوق الفلسطينيين، ولا بالدولة الفلسطينية التي ستنشأ، فرغبتهم في إقامة تلك الدولة ليست قائمة على احترام حقوق الفلسطينيين.
لذلك، فلا مانع عندهم من أن تكون تلك الدولة الناشئة عبارة عن كانتونات متباعدة وسط المستوطنات الإسرائيلية. ولا يرون غضاضة في أن تظل "إسرائيل" تصرخ بمناسبة وبغير مناسبة، معلنة حقها في «الدفاع عن النفس»، بينما تحرم الدولة الفلسطينية الجديدة من الدفاع عن النفس، عبر اشتراط أن تكون منزوعة السلاح. بعبارة أخرى، فإن هذا الفريق، الذي يضم بالمناسبة الرئيس أوباما نفسه ورموز إدارته، لن يصر على ألا تكون تلك الدولة الفلسطينية الوليدة وهمية أو بلا سيادة. فالمهم عنده أن تنشأ تلك الدولة لحماية "إسرائيل" والمصالح الأميركية، بأقل تكلفة ممكنة وبأقل تنازلات ممكنة للفلسطينيين.
أما الفريق الثاني الذي يريد الدولة الفلسطينية هو الآخر، فهو فريق لموقفه دافع قانوني وأخلاقي أيضاً، ويضم هو الآخر أميركيين وإسرائيليين. وهو يدعم الفكرة بدافع من احترام حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، مثلهم مثل كافة شعوب الدنيا. هذا الفريق لا يستدعي جريمة الهولوكست لفهم الحاضر، ولا للدفاع عن ممارسات "إسرائيل".
وهم لا ينظرون ل"إسرائيل" فيرون فيها «ضحية»، مثل الفريق الأول، ودولة صغيرة محاطة بالأعداء، وإنما يرون دولة إقليمية نووية متفوقة عسكرياً على كل جيرانها مجتمعين، فضلاً عن أنها ذات مشروع استعماري، مثل دول استعمارية سبقتها وكان من الواجب مقاومتها. وهؤلاء لا يؤثر عليهم ما تقوله "إسرائيل" من أنها «الدولة الديمقراطية الوحيدة» في المنطقة، خصوصاً وهي تعامل الأقلية العربية فيها كمواطنين من الدرجة الثانية، وبعد أن وقفت صراحة في الشهور الأخيرة ضد كل الثورات العربية التي اندلعت من أجل الحرية والديمقراطية.
الفارق إذن، بين الفريقين كبير، رغم أنهما يصطفان أحياناً في جانب واحد. ففي لحظة الجد التي سيتحتم أن تتخذ فيها الأطراف المختلفة مواقف حاسمة تتعلق بالحقوق القانونية للشعب الفلسطيني، ستختلف بالضرورة مواقف الفريقين وفق رؤاهم وأهدافهم.

نقلا عن المركز الفلسطيني