مشاهدة النسخة كاملة : دولة العسكر.. والفساد!! ...{ أبوبكر ولد أحمدو }


ام خديجة
06-07-2011, 02:50 PM
دولة العسكر.. والفساد!!

http://www.alakhbar.info/files/aboubekr_ahmedou.jpg

أبوبكر ولد أحمدو

لم يكن انقلاب السادس من أغسطس عام 2008م بقيادة الجنرال محمد ولد عبد العزيز حدثا استثنائيا في تاريخ المؤسسة العسكرية الموريتانية فقد عرفت منذ عام 1978م بانقلاباتها المتتالية محققة لموريتانيا المرتبة الثالثة عربيا بعد كل من سوريا والعراق؛ إلا أنه تميز عن غيره بمميزات هامة تجعل منه نموذجا جديدا سيكون له ما بعده في تاريخ موريتانيا الحديثة.

فهو –وعلى غير العادة في الانقلابات السابقة- يأتي لتنحية أول رئيس مدني منتخب منذ أقل من سنتين بعد انتخابات هي الأكثر نزاهة في تاريخ موريتانيا وانعقدت عليها –رغم بعض المآخذ التي صاحبتها- آمال الموريتانيين في عهد ديمقراطي طالما تشوفوا إليه؛ وبالتالي شهد هذا الانقلاب معارضة شديدة من قبل الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية والتي تضم أحزابا وهيئات مجتمع مدني لها حضور شعبي كبير في الساحة السياسية، ورغم أن بعضها كان معارضا لنظام الرئيس المخلوع السيد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله فقد شكلت بوقوفها إلى جانبه تهديدا خطيرا للمجلس الأعلى للدولة.

كما تميز بالسعي الحثيث من قبل الجنرال محمد ولد عبد العزيز إلى إضفاء الشرعية على حكمه من خلال إجراء انتخابات عاجلة معلنا استقالته من المؤسسة العسكرية ومترشحا بصفته المدنية ليحقق فوزا في الشوط الأول أثار استغراب الكثيرين ولكنه سرعان ما حظي باعتراف أغلب الأطياف السياسية حفاظا على الاستقرار في البلد بعد حوالي سنة من الفوضى السياسية رغم مآخذهم على الظروف الذي أجريت فيها الانتخابات.

لم ننس المبررات التي قدمها أعضاء المجلس الأعلى للدولة بشأن الانقلاب والوعود التي أطلقوها والتي تعهدوا فيها بمستقبل زاهر ستشهده موريتانيا يخلو من الرشوة والفساد والمحسوبية والقبلية والجهوية بعد الإطاحة بمن كاد يلقي بالبلد في أتون حرب أهلية وكان "سيعود بالبلاد لنظام الشخص الواحد المتسلط الجبار المتشبه بالفرعون والذي يقول أحيانا أنا ربكم الأعلى" بحسب العقيد –آنذاك- مسغارو ولد سيدي وأعضاء آخرين في المجلس الأعلى للدولة.

ولكن الأيام أثبتت أن دولة العسكر الجديدة في ظل حكم الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي اتخذ من "التغيير البناء" شعارا لحملته الرئاسية وتسمى برئيس الفقراء وبرغم وعوده الكثيرة وبعد متابعة متأنية لتسييره للبلاد منذ أغسطس 2008م هي من أسوأ الأنظمة التي عرفتها موريتانيا ما بعد الاستقلال.. إن لم تكن هي الأسوأ على الإطلاق!!.

والوثائق الشاهدة والأحداث الماثلة أمام الملأ تثبت أن الجنرال محمد ولد عبد العزيز لم يف بوعوده بل ساهم حكمه في ترسيخ العمل بالرشوة والفساد وعزز من المحسوبية والقبلية والجهوية وأثبتت تصرفاته في إدارة شؤون البلاد حضور العقلية العسكرية وغياب مراعاة المصلحة وفقدان الحكمة في اتخاذ القرارات..

هذا ما يلاحظ على مستوى الداخل والخارج؛ حيث تم تعيين أكبر المفسدين في مختلف قطاعات الدولة وأهمها وأكثرها حساسية وشهدت البلاد في ظل حكمه انهيارا شديدا في قطاعات التعليم والصحة والاقتصاد.. وعجزت عن حل أزمة الأحياء السكنية وأنفقت الأموال الطائلة في مشاريع لا تعود بأي فائدة على الوطن والمواطن وأموالا أكثر على مشاريع تتطلب متابعة لم تحظ بها فكان مصيرها الخراب..

وكمثال بسيط –حتى لا يستغرقنا العموم- فقطاع التعليم الذي بلغت ميزانيته 47 مليار أوقية وهو ما يمثل حوالي 17% من ميزانية الدولة يعاني من المشاكل المتراكمة في المناهج التعليمية وفي مستويات التلاميذ والطلبة وفي ظروف المدرسين ناهيك عن ظروف الطلبة ومعاناتهم في الداخل والخارج دون أي أفق يلوح في برنامج الحكومة لحلها.

وهذا مجرد مثال في قطاع واحد من قطاعات الدولة.

وفي هذه الوضعية يحظي بالترقية كل من أحرز السبق في الفساد؛ وما حادثة تعيين رئيس الجامعة كمدير لتشريفات رئيس الجمهورية حين نجح في إحداث الفرقة بين الطلبة على أساس عرقي عنا ببعيد.

وعلى المستوى الخارجي فلن ينسى الجميع موقف الجنرال من أزمة ساحل العاج والذي راح ضحيته ودفع ضريبته كثير من الجالية الموريتانية هناك ما بين قتيل وجريح ومنهوبة أمواله ومستباح دمه؛ كما لن ننسى حادثة وفاة المواطن الموريتاني ورجل الأعمال الهادي كمرا المعتقل في إثيوبيا والذي مات قبل أيام بنوبة قلبية بسبب تجاهل الجنرال لقضيته في زياراته الثلاث الأخيرة لإثيوبيا رغم المناشدات المتكررة منه ومن ذويه حيث أجلت إثيوبيا محاكمته أكثر من مرة في انتظار تدخل حكومته كما حدث مع آخرين.

وتأتي اتفاقية الصيد المذلة التي أبرمتها الحكومة الموريتانية مع الصين وأجازتها يوم أمس الأغلبية البرلمانية الداعمة لحكومة العسكر لتبدد آخر آمالنا في أي نية حسنة لدى الجنرال وحكومته اتجاه حاضر البلد أو مستقبله، ولتقضي على أحلام الموريتانيين في مستقبل هذا القطاع الذي من شأنه لو حظي بتسيير حكومة "وطنية" لعاد بالنفع الكثير على الوطن.

إن الاحتجاجات التي شهدتها البلاد في الأشهر الأخيرة تزامنا مع ما تشهده الساحة العربية من ثورات، والقمع الذي ووجهت به من قبل حكومة الجنرال وبرغم ما تحتاجه من نضج وتنسيق للجهود لن تكون حدثا عابرا في تاريخ موريتانيا فقد توفرت لها كل العوامل التي توفرت لقيام الثورات العربية.

فهل آن للطبقة السياسية التي أفسدت البلاد والعباد أن تفسح المجال للإصلاح بعد أن منعت كل الطرق في وجهه؟ ألم يأن للمؤسسة العسكرية الموريتانية أن تعي دورها وتبتعد عن السلطة بعد أن فشلت خلال أكثر من اثنين وثلاثين عاما في إدارة شؤون البلاد؟ أم هو الاصطدام بالثورة الشعبية كان على المفسدين قدرا محتوما؟!

نقلا عن الأخبار