مشاهدة النسخة كاملة : حق الشعوب في التعويض عن حقبة الاستعمار


أبو فاطمة
02-25-2010, 07:13 PM
حق الشعوب في التعويض عن حقبة الاستعمار


النخبة المثقفة وتجذير الوعي بمشروعية طلب التعويض
تمهيد
إن حق الشعوب في تعويض ما قد لحق بها من أضرار جراء ظاهرة الاستعمار وما واكب تلك الظاهرة من ممارسات مؤذية ومضاعفات بالغلة التأثير، هو مبدأ يبدو وبكل تلقائية بديهيا وطبيعيا، بل مشروعا ومبررا.


ولذا فقد تبنته العديد من الهيآت والمنظمات وتم بحثه في الكثير من الندوات والملتقيات واتخذته بعض البلدان شعارا لها وبرهانا على انخراطها في النضال من اجل العدالة والتزامها حيال الحقوق الإنسانية.
والحقيقة أنه يمثل إشكالية مركبة ومعقدة تقتضي من المثقفين التحلي بالموضوعية والإنصاف والتبصر وسعة الرؤية في مقاربتها ؛ كما تستدعي منهم عدم الجنوح إلى التبسيط وإلى الاختزال والتسطيح وعدم الانصياع إلى العاطفة الجياشة والانطباعية والميول إلى الأدلجة والتسييس المفضي إلى الضبابية والتمويه.
وهنا بالذات تكمن المسؤولية المنوطة بالنخبة المثقفة في خلق وتعميق وعي متنور ومتبصر وعقلاني بخصوص مدى مشروعية طلب التعويض ومدى واقعية ذلك ومقدار قابليته للتطبيق ودرجة إمكانية ترجمته إلى واقع ملموس.
ويستدعي الارتقاء إلى مستوى تلك المسؤولية حدا أدنى من استشعار ماهية تاريخ البشرية وما قد ميزه من تطورات وانزياحات أفضت اعتبارا من القرن 19 أساسا إلى ظاهرة الاستعمار العصري، موضع اهتمامنا هنا؛ تلك الظاهرة التي بدأت تنحسر ابتداء من خمسينيات القرن المنصرم مفسحة المجال أمام ظهور عشرات الدول المستقلة التي تخلصت تباعا من شراك هذا الفعل التسلطي دون أن يكون بمقدورها التملص من تأثيراته وتبعاته.
والهدف من إيماءة سريعة إلى طبيعة تاريخ البشرية هو تحديد الإطار الزماني الذي يكتنف ظاهرة الاستعمار في شكله العصري الذي قد يكون من الوارد المطالبة بالتعويض عن ما نجم عنه من أضرار وخسائر تكبدتها الشعوب التي عانت منه.
1- تحديد الاستعمار في مفهومه العصري
تاريخ البشرية هو، كما يعلم الجميع، سلسلة متصلة من الإجتياحات والإحتلالات أدت إلى إخضاع أمم بعينها من قبل أمم أخرى وسيطرة شعوب على أخرى وإلى استعباد أجناس وإفناء أخرى جراء الحروب وفقا لمنطق الغلبة وسلطان القوة ؛ ولهذا المنطق إياه خضعت على سبيل المثال لا الحصر غزوات ذي القرنين واكتساح الرومان لأوربا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط واحتلال الأوربيين من برتغاليين وأسبان وانجليز وفرنسيين للأمريكتين وأستراليا ونيوزيلندا وجزر الكاريبي وغيرها إضافة إلى اجتياح المغول للعديد من بلدان العالم واستيلاء الأتراك على الوطن العربي وجزء كبير من القارة الأوربية ... إلخ.
هذه اللإجتياحات وقعت خلال أحقاب كانت القوة العسكرية البحتة هي الفيصل بين
الفر قاء، والغلبة الساحقة هي المحدد للأوضاع الجييوسياسية التي يتم تكريسها على أرض الواقع. ولم يكن مفهوم الاستعمار كسلوك غير شرعي وكممارسة مخالفة للقانون ومنافية للأخلاق قد استقر في الأذهان وترسخ في ضمير الإنسانية كمفهوم مجرد.
فهذه الذهنية والمرجعية التي تنطلق منها لم تتبلور إلا بعد عصر الأنوار الذي بدأ في القرن الثامن عشر والذي أوجد مفاهيم الحريات الأساسية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والتي تولد عنها الوعي بضرورة التشريع وأهمية القانون ولزوم الشرعية و قدسية حقوق الإنسان والشعوب.
وقد شكل ظهور هذه المرجعية الحد الفارق والخط الفاصل بين قانون القوة وقوة القانون وبين التسيب الأهوج والعمل المقنن المضبوط بمقاييس وقواعد تسمح بالتمييز بين ما هو جائز وشرعي وما هو مناف للقواعد والقيم الحضارية ومخالف للشرعية والمثل السامية.
هذه المعيارية وخلفيتها التشريعية والأخلاقية هي التي أتاحت تحديد وتوصيف الاستعمار في مفهومه العصري وفي تجلياته التي أسس لها مؤتمر برلين سنة 1885، حيث قامت كبريات الدول الأوربية بتقسيم العالم فيما بينها.
وكان ذلك بداية ظاهرة الاستعمار ذي المعالم المعروفة والخصائص المعلومة والذي كانت له نتائج عميقة وتداعيات متعددة الأبعاد، منها ما هو بالغ الضرر ومنها ما قد يكتسي بعض الإيجابية الموضوعية. وتستلزم جوانب منها في نظر البعض القيام بدفع تعويضات لضحايا الظاهرة وجبر الأضرار التي ألمت بهم من جرائها.
2- نتائج وتداعيات الظاهرة الاستعمارية
إذا سلمنا، وهو ما لا مندوحة لنا منه، أن تاريخ الإنسانية منذ نشأتها إلى اليوم ما هو كما ذكرنا إلا سلسلة متصلة الحلقات من الإجتياحات والغزوات والحروب والإحتلالات، عانت منها كل الأمم بسبب بعضها، فإن أسئلة محرجة سوف تتبادر إلى أذهاننا، ولن تكون الردود عليها بالشيء اليسير.
وهكذا لا يسعنا بهذا الصدد إلا أن نتساءل من أية نقطة في الزمان يمكن اعتبار هذا الاجتياح أو ذاك الاحتلال الذي حاق بهذا الشعب أو ذاك استعمارا يستوجب اعتبار أولائك الذين عانوا منه ضحايا يلزم تعويضهم؟ وإلى أي حد يمكن للتقادم أن يبطل الحق في التعويض؟ ومن يعوض؟ ومن يعوض حين تتعاقب الأجيال ويرحل المستعمرون والمستعمرون المباشرون على حد سواء؟
ولقد حاولنا فيما تقدم على نحو قد لا يخلو من بعض الاعتباط والقسرية أن نحدد الإطار الزمكاني لما يمكن اعتباره استعمارا بالمفهوم العصري الحداثي المتفق عليه انطلاقا من المبادئ والمعالم والمعيارية التي ألمعنا إليها فيما ذكرنا آنفا.
فدعونا نزولا عند مقتضيات المنهجية وتسهيلا لتقديم الموضوع، دعونا نعتبر ولو بنوع من التجاوز والابتسار أن ظاهرة الاستعمار التي تستأثر باهتمامنا هنا، هي تلك الإحتلالات التي حصلت ابتداء من القرن 19 واستمرت إلى أواسط الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن العشرين والتي طالت جل شعوب إفريقيا وآسيا وغيرها. والتي كانت لها تأثيرات متعددة الأبعاد ومتنوعة التجليات على الشعوب التي عانت منها.
والجدير بالذكر في هذا المضمار أن الاستعمار الذي مارسته دول أوربية متنفذة على العديد من دول العالم كان في الأساس يستهدف بسط الهيمنة السياسية والاستحواذ على الموارد الطبيعية واستغلال الثروات والمقدرات وتحقيق التموقع الاستراتيجي الضروري لتقوية القدرات العسكرية ؛ إضافة إلى تأمين الاستيطان وتملك الأراضي المحتلة عنوة ، فضلا عن تجييش وتسخير الطاقات البشرية لخدمة مصالح الدول الاستعمارية للإ معان في ثرائها ورفاهيتها.
وغني عن البيان أن السياسات الاستعمارية قد ألحقت بالبلدان المستعمرة أضرارا جسيمة طالت المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجييوسياسية.
فعلى الصعيد الاقتصادي تم استنزاف خيرات هذه البلدان ودمرت منظوماتها الاقتصادية التقليدية وتمت إعادة هيكلة اقتصادها وفق مصالح وحاجيات الدول المستعمرة مما أخل بالتوازنات الكبرى وبتكامل وتماسك قطاعات الاقتصاد مع بعضها مما خلق عوامل التبعية الاقتصادية وأسس لعدم النجاعة وضعف الأداء وانعدام المردودية.
وعلى الصعيد الاجتماعي تم تقويض البنى الاجتماعية التقليدية وما كانت تتيحه من تواصل وتكافل وتضامن كانت تشكل مجتمعة دعائم انسجام وتماسك النسيج الاجتماعي، مما كان يساعد تلك الشعوب في مواجهة متطلبات حياتها بالفعالية المطلوبة.
وعلى الصعيد الثقافي والفكري فقد كان للاستعمار تأثير مدمر على تراث الشعوب المستعمرة ومنظوماتها القيمية حيث أضعف لغاتها وامتهن فنونها وتفه إبداعاتها وفرض عليها لغات غير لغاتها ومنظومات قيم غريبة عليها وتشريعات وقوانين متعارضة مع أعرافها وتقاليدها وموروثها الثقافي والروحي.
وعلى الصعيد الجيوسياسي فقد قطع أوصال مجالاتها الحيوية وعرقل تواصلها وأفسد تكاملها وقسمها إلى كيانات صغيرة دون مراعاة تركيبتها الاثنية وخصائصها اللغوية والثقافية مما شكل عوامل نزاع وبواعث صراع تسببت في حروب دموية بعد رحيل الاستعمار.
كل هذه الأضرار ليست سوى نزر يسير مما سببته هذه الظاهرة للشعوب من ويلات ومحن.
ومع أن الاستعمار قد اضطر بدافع الحاجة إلى إدخال نظم إدارية حديثة لم تكن معروفة من قبل لدى جل الشعوب المستعمرة، وفرض منظومة تعليمية جديدة مكنت من وضع أسس للعصرنة والتحديث، وأتاحت بروز نخب متنورة، ورغم أنه أقام المنشآت والبنى التحتية الأساسية التي يقتضيها بناء كيانات منظمة ؛ إلا أنه على وجه العموم خلف آثارا وخيمة كانت لها نتائج سيئة بكل المقاييس كما أومأنا إلى ذلك تكرارا في سياق هذا الحديث. ولا ريب أنها كانت من السوء والوبال بحيث تبرر وتسوغ وجاهة المطالبة بالتعويض عن مفعولها وتداعياتها.
3- التعويضات : ماهيتها وإمكانية تسديدها
إن الدوافع التي تكمن وراء الحركة الاستعمارية والغايات المتوخاة منها كانت تتمثل كما أشرنا في احتلال البلدان المستضعفة قصد استغلال خيراتها والاستحواذ على ثرواتها واستنفار طاقاتها البشرية للغرض ذاته ؛ ولتحقيق تلك الأهداف عملت القوى الاستعمارية على انجاز بنى تحتية وظيفية كالسكك الحديدية والموانئ والمطارات وشبكات الطرق ووسائل الاتصال والتواصل، وكونت اليد العاملة ودربت الأعوان والكوادر، وبالنتيجة أوجدت من حيث أرادت أم لم ترد خبرات محلية وخلقت حسا نقابيا ووعيا سياسيا قادا في نهاية المطاف إلى ميلاد الشعور القومي ثم إلى المقاومة والنضال من اجل التحرر والإنعتاق ومهدا الطريق بالتالي أمام التحول الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وأمام العصرنة والحداثة.
وهنا يتضح لنا أن الاستعمار قد قام في الوقت ذاته بممارسات سلبية تستوجب التعويض مبدئيا وبأعمال نفعية إيجابية لا يمكن نكرانها ولا يسع المرء إلا أن يضعها في الاعتبار.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن احتساب الفعل الايجابي من الفعل السلبي؟ وكيف يصار إلى خصم قيمة الأول من كلفة الثاني؟ وصولا إلى توازن واعتدال موضوعيين يراعيان تداخل الأمور وتعالق الأسباب؟
ومن جهة أخرى ألا يمكن اعتبار ما قدمته وتقدمه الدول الصناعية المتقدمة اقتصاديا والتي كان جلها استعماريا من دعم اقتصادي وما تمنحه من مساعدات وتنجزه من تعاون ثنائي و متعدد الأطراف على مختلف الصعد نوعا من التعويض اللامباشر عن الأضرار الناجمة عن ماضيها الاستعماري؟
وإذا اعتبرنا ذالك كذلك فهل هذه الأشكال من التعويض كافية لتغطية كلفة الخسائر المادية والمعنوية التي لحقت بالشعوب المستعمرة؟
الواقع أنه يصعب في رأيي الحسم في هذه الأمور البالغة التعقيد. وربما لا يكون من القسطاس تحميل الأجيال الحالية تبعات زلات الأجيال التي سبقتها، ولا من الواقعية والمنطق مطالبتها بتعويض أضرار لم تتسبب في القيام بها وتحميلها أوزارا لم تقترفها وليست بالضرورة راضية عنها.
يضاف إلى ذلك عبثية توقع الحصول على تعويضات في ظل ميزان قوى ليس لصالح المطالبين بها.
على أن ذلك لا يمنع من حيث المبدأ من المضي في المطالبة بالتعويضات في انتظار أن يحدث تغيير في موازين القوى على المشهد العالمي. وقد يكون هذا ما جعل العديد من دول العالم تستمر في المطالبة بهذه التعويضات وتلح على شرعيتها ووجاهتها.
ومن هذه البلدان ما قد أفلح فعلا في الحصول على مبتغاه مثل الجماهيرية العربية الليبية التي استطاعت ضمن سياق معين ونتيجة لتضافر مجموعة من العوامل أن تحول ميزان القوى إلى صالحا وتفرض على ايطاليا تعويضها عن ما ألحقته بها من أضرار خلال فترة الاستعمار. وقد لا يتأتى هذا لبلدان أخرى. وقد يتأتى لبعضها دون الآخر تبعا لظروف كل منها وقدراتها على إسماع صوتها وفرض إرادتها.
خلاصة :
وخلاصة القول أن ما عرفه تاريخ الإنسانية منذ بدأ الخليقة من حروب عدوانية دامية واجتياحات بربرية مدمرة وما أنزلته الشعوب والأمم من ويلات ومآس ببعضها، كل ذلك قد يدفع إلى التساؤل عن من هو الظالم؟ ومن هو المظلوم؟ ومن الضحية؟ ومن الجلاد؟ وما مدى تسلط المعتدي؟ وما درجة براءة المعتدى عليه؟
وهل هناك شعوب وديعة مسالمة بطبيعتها لا تريد علوا في الأرض و لا فسادا وأخرى عدوانية شريرة في جوهرها ديدنها الظلم و التسلط ؟ أم أن شاعرنا الكبير أبا الطيب المتنبي كان محقا عندما قال :
"الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعة لا يظلم"؟.
مهما يكن الأمر وفي كل الأحوال فإن الاستعمار في شكله الحديث وفي أبعاده الاقتصادية والسوسيو ثقافية والسياسية قد خلف نتائج سيئة للغاية أضرت بالشعوب التي قاست منه أيما إضرار، وقد أثرت في مجرى تطورها وفي نموها وسلامة هويتها وانسجامها مع ماضيها ومقوماتها الحضارية. وتلك خسائر يصعب التعويض عنها بشكل واف وكاف يزيل الضرر ويمحي آثاره.
وإذا كانت التعقيدات التي ذكرناها فيما تقدم تجعل من المتعذر حصول الشعوب التي قد عانت من الاستعمار على تعويضات مادية ملائمة من الأمم التي كانت قد استعمرتها، وإذا كانت العوامل والضواغط الكفيلة بإجبار هذه الأمم على صرف تعويضات مرضية صعبة التوفر، فلا أقل من أن يصار إلى جعل هذه الأمم تعترف بما قد اقترفته من خطايا تجاه الشعوب التي ذاقت الأمرين من استعمارها.
ولعل هذا هو أضعف الإيمان، ولعله كذلك خليق بأن يشكل حلا وسطا توافقيا يمكن أن تقبل به كل الأطراف وصولا إلى تصالح تاريخي بين كافة الأمم والشعوب سواء من كان منها مستعمرا ومن كان مستعمرا , على أن يكون ذلك التصالح مبنيا على مبدأ عفا الله عما سلف، لما يمثله ذلك المبدأ من صفح جميل وتجاوز وعفو وتسامح أضحت البشرية في حاجة إليها اليوم أكثر من أي وقت مضى لتخطي التناقض و التقاطب الذي يسم السياق الدولي المتأزم القائم حاليا.

إعداد الأستاذ: محمد الأمين ولد الكتاب

نقلا عن وكالة انواكشوط للأنباء