مشاهدة النسخة كاملة : موريتانيد و موسم التحريض .. ( اكناته ولد النقره)


ابو نسيبة
06-06-2011, 03:07 PM
موريتانيد و موسم التحريض .. ( اكناته ولد النقره)

لا أدري لماذا عادت بي الذاكرة فجأة إلى أجواء الافتتاحيات الصحفية ذات الطابع الدعائي والموجه "للوكالة الموريتانية للأنباء" وأنا أطالع بعض التحليلات والتعليقات التي دأب موقع "موريتانيد" على نشرها من حين لآخر تحت عنوان ثابت أشبه بالعمود الصحفي المبتور الذي لم يتبناه أحد لازمته "إسلاميو موريتانيا" المسافرون في نظره دوماً إلى المجهول عبر زمن السلط مراوحين بين السروج، فمرة يجعلهم يحثون الخطى لجني ثمار الربيع العربي عبر امتطاء موجة الثورة الشبابية القادمة من الشرق وتقديم قطع الغيار الضرورية لقطر عربتها المعطلة والمترددة، وأحياناً أخرى يجعلهم يظعنون غرباً في موسم جديد من الهجرة والترحال السياسي ليبقى وحده النظام "ثابت المعادلة" وسط الأشياء المتغيرة من حوله.
من حق "موريتانيد" أن يكتب أصالة عن نفسه أو بالوكالة عن غيره، فنحن نعرف الأقلام المأجورة مثلما نعرف تلك الموتورة، وأن يتعرض في كتاباته لمواقف "تـواصل" وخياراته منتقداً ومختلفاً أومشرّحاً ومستنتجاً، ولكن ليس من حقه التزيد على الحزب عبر الخلط المتعمد بين الخبر والتحليل من مثل الزعم بأن "تواصل" كان متحالفاً مع الرئيس ولد عبد العزيز، واللجوء إلى الدعايات المغرضة لتشويه صورته لدى النخبة والرأي العام من خلال الإيحاء المستمر له بأن الحزب مجرد يافطة أو واجهة سياسية تختبأ في ظلها ما يسميها أحياناً "بالحركة الإسلامية" أو "الإسلاميين" أو "الجماعة" متجاهلا ـ وعن عمد ـ مقصود أن التجمع الوطني للإصلاح والتنمية والمعروف اختصاراً بـ "تواصل" هو "حزب سياسي مدني" حاز الاعتماد القانوني قبل "الاتحاد من أجل الجمهورية"، ولا تنطبق عليه المقاييس والمواصفات الخاصة برسم "التنظيمات الحركية" أو الجماعات الدعوية والتربوية، سيما وأنه لم يعلن ذلك أو يُـشرْ إليه في أي من وثائقه الأساسية المعتمدة أو يصرح به في خرجاته الإعلامية أو مناشطه العامة؛ فليس من المهنية الصحفية ولا الموضوعية العلمية مع من نختلف معهم استبطان ذهنية تحليلية متحجرة تستدعي كلما جرى الحديث عن "تواصل" ذات القوالب الجاهزة والتي أصبحت بحكم الواقع جزءاً من الأدبيات السياسية والفكرية لحقبة تاريخية متجاوزة خطاباً وممارسة، فلماذا الإصرار المستمر على تطويع الوقائع وحرفها عن مسارها وإعادة تشكيلها بصبها من جديد في ذات القوالب التقليدية الجامدة بغية تكريس صورة نمطية شوهاء عن الأحزاب السياسية ذات المرجعيات الإسلامية في هذا القطر أو ذاك لتبدو وكأنها بنى أو جزر تنظيمية منفصلة عصية على التبـيئة سياسياً، ولا يصح أن يصدق عليها ما يصدق على غيرها من باقي التشكيلات والقوى السياسية الأخرى على اختلاف مشاربها الايديولوجية.
ما هذه العقلية الأمنية المريضة التي جبلت على محاكمة النيات والتشكيك في المقاصد والغايات وتوسل "عكازة التهويش الإعلامي" والتأويل المفتوح حتى في قطعيات الأمور من الأخبار كلما تعلق الأمر بـ "تواصل" ؟!
ثم لم هذا التهويل الإعلامي بالنفخ المستمر في أوداج الدعاية "الكوبلزية " تحذيراً من "الفوبيا الإسلامية القادمة" وفي لعب متهور بمفردات من مثل (ثورة تواصلية ناعمة تستهدف النظام وأركانه، تسونامي إعلامي تواصلي، تواصل يستعد للمواجهة) .. وغيرها من أساليب الشحن والتعبئة النفسية للقارئ والمتلقي مما يوحي بأن "تواصل" إن هو إلا مجرد ذراع في جسم أخطبوطي أكبر يتحرك وفق مخطط مرحلي مدروس يمد أذرعه في كل الاتجاهات ويملأ كل الفراغات، فعلها بالنهضة التونسية ابتداء، وثنى بإخوان مصر، وينتظر ـ بحسب موريتانيد ـ ألا يختلف الوضع كثيراً مع "الجماعة المقاتلة" الليبية والعدالة والتنمية المغربية، وجبهة العمل الإسلامي الأردنية، ولم يطل الانتظار بحبل الجرار حتى التقطته "الحركة الإسلامية في موريتانيا" لأنه كان مطلوبا منها ـ وفق منطق موريتانيد ـ أن تلتحق بإخوان لها سبقوها في الثورة وهذا ما فرض عليها إعادة النظر في خطابها السياسي والإعلامي، والانتقال من مرحلة مهادنة النظام إلى مرحلة الاستعداد لمواجهته في فصل آخر من أحجيات يوليو التواصلية كما حكتها أو حاكتها "موريتانيد".
الحديث عن الحضور القوي للمعطى الخارجي في حسابات تواصل أو الارتباط بأجندات أجنبية مهما يكن طبيعتها أو خلفياتها السياسية أو الايديولوجية لا يوجد إلا في "الذهنية التحليلية" لموريتانيد المسكونة بنظرية المؤامرة كلما تعلق الأمر بإسلاميين، فإذا اعتصم الإخوان في ميادين القاهرة يصدر تواصل بيانات نارية للتنديد بقمع رجال الأمن الموريتانيين وفساد النظام السياسي، وإذا بللت زخات المطر في ساحات عمان مقار حزب جبهة العلم الإسلامي لا بد أن يحمل التواصليون المظلات ـ بحسب موريتانيد ـ، وإذا سعى أولئك إلى تغيير أنظمتهم السياسية القمعية لإقامة حياة ديمقراطية حقيقية، لم يكن من بد أمام تواصل سوى المبادرة إلى ذات المسعى، فعنوان وثيقته بحسب "موريتانيد" (إصلاح قبل فوات الأوان) يجعل كل الاحتمالات مفتوحة، "فمتنها يفصح عن سعي أصحابها إلى إقامة نظام برلماني على أنقاض النظام الرئاسي الحالي وما ذاك إلا إسقاط النظام في أبهى تجلياته" بحسب "موريتانيد" دائما !!.
إنها دعاوى وتلفيقات متهافتة واستنتاجات غريبة تمت فبركتها لتشكل السرير السياسي الملائم لحملة تحريضية مغرضة ضد "تواصل" تتولى تحريكها من خلف الستارة آلة إعلامية توزعت المهام والأدوار من أعلى إلى أسفل، فبمجرد ما يلتقط "الأوركسترا" الإشارة من "المايسترو" تبدأ الجوقة الغجرية في الترجيع الببغائي لذات الاسطوانة الممجوجة عبر كيل التهم تصريحاً وتلميحاً عن الارتهان لقوى وتنظيمات دولية قد لا تكون بالضرورة صديقة، والتصرف وفقا لتوجيهاتها في مقابل التحرك داخلياً للانقلاب على الشرعية الدستورية بأساليب غير ديمقراطية ليس أقلها محاولات تثوير الشارع والسعي لقيادته حركته الاجتماعية وإمدادها بالزخم الجماهيري اللازم، والنتيجة الطبيعية لنهاية هذا المسار الدراماتيكي لا تحتاج إلى كبير ذكاء لحدسها .. لا فيما يتعلق بالمستقبل السياسي لـ "تواصل" فحسب وإنما أيضاً كمؤشر خطير على تزايد نفوذ "الحرس الاستئصالي القديم" و سعيه لإحياء تقاليد إعلامية متوارثة حسبناها أضحت من تركة الماضي؛ تقاليد لا تستطيع الخروج عن "شرنقة إعلام الأزمات" و "تصنيم القائد الملهم"، إعلام يخطب في الأشياع صباحاً بعاش الملك، ويعزف لحن الرحيل في المساء مع الثائرين بمات الملك، إعلام لا يزال أسير ثقافة الرواية والخطابة والمناورات اللفظية وتصنيع الخبر مستغلا ميزة القرب أو التقرب مما يعرف في عالم الإعلام "بملاك سلطة تأويل المصدر" وما تتيحه من تحكم بمصادر الأخبار المتعلقة بالخصوم والأصدقاء على حد السواء، عدا التسريبات التي يتم تمريرها إلى الإعلام من حين لآخر عبر بعض المسارب الخاصة بغرض التأثير على اتجاهات الرأي العام ومواقفه من معارضي النظام ومحاولة الإيحاء إليه بانطباعات معينة تشوش نظرته إزاء أولئك الخصوم.
وتندرج في هذا السياق بعض الاسقاطات المبتسرة التي ساقتها "موريتانيد" لتبدو بعد السبر والتحليل كنتيجة حتمية بنت عليها لاحقا استنتاجاتها العقيمة بخصوص انبهار "تواصل" بالنموذجين التونسي والمصري ومحاولته لاحقا لاستلهامها في تعاطيه السياسي مع النظام، وهو التعاطي الذي اتسم بانقلاب فجائي من التحالف إلى العداء.
إن تواصل ليس في حاجة للتأكيد على استقلالية الإرادة والقرار السياسيين ورفضه المبدئي لأية إملاءات أو ضغوط سياسية داخلية كانت أم خارجية مهما يكن مصدرها أو مبررها، حيث جسدت مواقفه وتصريحاته تلك الحقيقة في تشديدها على وجوب احترام الخصوصية المحلية وأولوية المصالح الوطنية وتمحض الولاء لها بعد ولاء العقيدة من حيث شكل الانتساب الوطني إحدى منطلقات الحزب الثلاث إلى جانب المرجعية الإسلامية والخيار الديمقراطي، وفي المقابل نظر إلى الأمة الاسلامية كعمق استراتيجي لا يجوز تجاهله أو التفريط فيه ولم ير تناقضا في الجمع بين احترام خصوصية الخاص والتساوق مع عمومية العام، كما أنه ليس في حاجة كذلك للتأكيد على مسعاه الاصلاحي والتجمع خلف رايته وجعله عنوانا رئيسياً لكل تحركاته السياسية وجهوده المجتمعية، إصلاح ينظر إلى الكأس من كلا جانبيها ويفرد صواريه للحوار مع كل الفرقاء لتدارك سفينة الوطن الآيلة للجنوح قبل فوات الأوان، محاور هذا الإصلاح وعناوينه التفصيلية شرحتها وثيقة الحزب "إصلاح قبل فوات الأوان" والتي كانت بحق أقرب إلى طوق نجاة ومخرج مشرف للنظام من أزماته المتعددة والخانقة منها إلى طوق ناسف لتلغيمه من الداخل كما حاولت أن توحي بذلك "موريتانيد".
لم يكن من المستغرب سياسيا أن يتفاعل تواصل أو غيره مع صيرورة الأحداث من حوله وأن يحلل مفردات واقعه السياسي، وأن يجتهد بل ويبدع في تدبير المرحلة التي يمر بها بما يناسبها من أدوات الفعل السياسي، كيف لا والسياسة هي "فنّ العمل في إطار الممكن"، والفن يحيل إلى الإبداع في فضاء الممكن الذي هو المتاح أو المقدور عليه في إطار تعقيدات الواقع وممكناته، ولا يهم "تواصل" بعد ذلك أن تسمي "مويتانيد" اجتهاده السياسي في تدبير مرحلته بإكراه "المرحليات" أو "المراجعات" أو "التدريجات" أو حتى "الميكافيليات".
وحين يقرر تواصل اليوم أو غداً (كما جزمت موريتانيد) الدخول في منسقية المعارضة فليس صحيحا أنه يلجأ إليها "كنبات طفيلي" رحال يتسلق أغصان الورد الطرية باحثا عن نسق (عصارة) يعتاش عليه، فهو لا يحتاج ذلك الاطار التنسيقي أكثر من حاجة الأخير إليه وإنما سيدخلها إذا قرر ذلك فعلا وفق قراءته الصحيحة لمتطلبات مرحلته السياسية الراهنة حيث بات يقف اليوم على ذات الأرضية المشتركة مع المعارضة الديمقراطية الساعية إلى الإصلاح سبيلاً للتغيير؛ فما المانع من التنسيق معها إذن ما دام الهدف مشتركاً ؟.

نقلا عن السراج الإخباري