مشاهدة النسخة كاملة : سؤال النهوض العربي في الأطروحة الإسرائيلية (محمود حيدر)


ابو نسيبة
06-06-2011, 02:16 PM
سؤال النهوض العربي في الأطروحة الإسرائيلية (محمود حيدر)

العاصفة التي تضرب الشارع العربي منذ شهور، لم تدع قضية تتصل بهمومه التاريخية إلا ودفعتها إلى واجهة السَّجال. من القضايا ما كان مطوياً في دفاتر النسيان كقضية النّهضة، بما يترتّب عليها من أسئلةٍ فكريّةٍ وثقافةٍ وإيديولوجيّةٍ.. ومنها ما يوشك أن يتحوّل إلى قضيّة عادية ومألوفة، أو مضجرة، كتلك المتعلقة بالصراع العربي - الإسرائيلي.
مجمل هذه القضايا تعود لتنعقد اليوم حول التّساؤل عما إذا كانت المجتمعات الغربية تتهيّأ لعملية إحياء ونهوض حضاري، بالتوازي مع موجات احتواء واسعة النّطاق تتغيّا حفظ وجود "إسرائيل" في المنطقة!
ربما كان السؤال الذي يُنتج على نصاب أكثر عمقا في الثقافة السياسية العربية المستحدثة، هو التالي: من أي محل يبتدئ الفعل النهضوي المفترض؟ من عالم النظرية التي قيل إنها أصل الإشكال في أزمة الفكر العربي الإسلامي الحديث، أم في حقول المواجهة حول قضايا العرب الكبرى، وفي مقدمها قضية فلسطين؟!
إذا كانت رحلة التحولات قد بدأت فعلاً، أقله في الجانب المتعلّق منها بإسقاط أنظمة وتفكيك أحلاف، واستبدال مفاهيم، فإن مبدأ تأصيل مسارات الاحتدام على قاعدة التناقض التكويني مع دولة "إسرائيل"، سوف يولَّد منفسحاً يمكن للحالة العربية من أن تتشكّل مجدداً على قاعدة الإجماع.
والجائز أن نمضي إلى حقيقة أساسية، تتوقف على إدراكها جدوى أي مشروع للإحياء الحضاري العربي، وهي حقيقة التناقض بين هذا المشروع، ووجود "إسرائيل" كسليل لإمبريالية ما بعد الحداثة.
هناك إذاً، أطروحتان تؤلفان معا وحدة قياس معرفية، لفهم جدلية التقدم والتأخر التي تحكم الزمن المعاصر لبلادنا؛ مقتضيات النهضة العربية من جهة، والغاية من وجود "إسرائيل" من جهةٍ ثانية.
في الماضي، ربما لم تتمكن أطروحة الأمن الثقافي العربي بداية القرن العشرين، ظهرت أسئلة الاستنهاض لتشهد، مع تلك الحركة، نمواً موازياً.
كان ثمّة من أسئلة النخب العربية ما جرت صياغته على سيرة الحداثة، سعياً إلى الأخذ بأنوارها، وتمثُّل أحوالها.. ومنها ما قام على حذر وتريُّبٍ وشك حيال طوفانها الإمبريالي.
والأسئلة في الحالين جرت على نشأة سالبة. ففي الأولى كانت انسحاراً بما وَفَدَ علينا من اختبارات الحداثة وما بعدها. وفي الثانية ستشهد ائتلافاً لقوى راحت تختبر بياناتها الثورية، في حقل المواجهة مع زحف استعماري أخذ يتمدد لتوطين قِيمِهِ عبر تقنيات لا حصر لها..
الحالتان ستؤسسان منذ ذلك الوقت لأزمنة ثقافية، غالباً ما كان يعاد إنتاجها كلما عصفت ريح الصدمات بين الإسلام والغرب. وبدا كما لو أن سؤال الإحياء الحضاري، لا يستعاد إلا لتردَّ الحملة الحداثية الإمبريالية على أعقابها.
غير أن حاصل الاحتدام ظل على الدوام، ضمن سياقه الاعتيادي. فجدلية التقدم والتأخر أخذت سبيلها إلى الرسوخ، فيما غدت أسئلة النهضة أشبه بأوعية مثقوبة لا تصلح للمراكمة والتوالد..
صورة الحركة النهضوية العربية في بدايات القرن الحادي والعشرين، تبدو على نشأة أخرى. وها هي تستأنف رحلتها بوتيرة أشد عمقاً، بعد أكثر من ستة عقود على ظهور الأطروحة الإسرائيلية في منتصف القرن العشرين المنصرم، إذ مع هذا الطور سينشأ زمن تاريخي جديد، لم يعد معه سؤال الاستنهاض على نسقه التقليدي، أي على نحو ما عرَّفه نهضويّو آخر القرن التاسع عشر من العرب والمسلمين.
كل شيء مع التوليد المتمادي للأطروحة الإسرائيلية، سيعود إلى حقل التصادم. حتى الكلام عن القضايا الثقافية، والمعرفية، والفكرية، والتنموية، والإحيائية، بات غير ذي وزن، ما دام يتحرك خارج هذا الحقل..
ابتداءً من الظاهرة الإسرائيلية، سوف تُختزل كل الأسئلة المتعلقة بالنهضة، ضمن تساؤل إجمالي: عما إذا بالإمكان، وانطلاقا من انعدام القابليات للتّكيّف مع دولة الاستيطان، استيلاد مسار حضاري يصدّ الهيمنة الاستعمارية بنسختها الليبرالية الجديدة ويتوازن معها؟
لقد ظل التساؤل سارياً حول العوامل الكامنة وراء مأزق النهضة، ولكن من دون أن يتعيّن محل الإشكال الفعلي. غير أن الوقائع التاريخية سوف ترسّخ حقيقة كون الظاهرة الإسرائيلية، عاملا منتجا للتأخّر العربي، لكونها الظاهرة الأكثر تعبيراً عن إمبريالية الحداثة وفعالياتها الثقافية والفكرية والسياسية في بلادنا.
ما نشهده الآن، طورا آخر من الأسئلة المعمّقة حول وجود إسرائيل، إذ بقدر ما يتسم هذا الطور بالحد الأعلى من العداء للوجود الاستيطاني في فلسطين، فإنه ينبسط أيضاً على فرضية الالتقاء والمصالحة معها. وهذه الفرضية تنطرح اليوم على أكثر من مستوى :
أكثرها حيوية وخطورة إعادة رسم خطط للسلام مع "إسرائيل"، تتوسل الحدود القصوى من تفكيك القوى وكسر المعادلات. ولعل ما يضاعف من عوامل الخطر، أن الاستراتيجيات الدولية تسعى إلى إعادة هندسة المنطقة، مستفيدة من الظروف الجديدة التي ولدتها التحوّلات الثورية العربية.
الواضح أن الخطط الآيلة إلى إعادة تعويم الأُطروحة الإسرائيلية ومدّها بعوامل القدرة والاستمرار، تروح تستأنف حركتها بإتقان محكم. وها هي الآن تجري بصورة متوازية مع عمليات محمومة، لمصادرة أي احتمال للتّغيير قد يخلّ بمعادلات الصراع الأساسية بين العرب و"إسرائيل".
أما الآليات المعتمدة لتحقيق هذه الغاية، فهي تبدأ على الجملة من إنهاء العداء العربي ل"إسرائيل"، ثم إلى ضربٍ من عروةٍ وثقى بين سائر دول المنطقة، ضمن ما يسمى بالجغرافيا الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط الجديد..

نقلا عن المركز الفلسطيني