مشاهدة النسخة كاملة : الاتحاد من أجل السلم قراءة فلسطينية (محمد خالد الأزعر)


ابو نسيبة
06-06-2011, 02:11 PM
الاتحاد من أجل السلم قراءة فلسطينية (محمد خالد الأزعر)

مسألة استخدام الولايات المتحدة كل إمكاناتها الضاغطة، لمنع اعتراف مجلس الأمن في سبتمبر المقبل بالدولة الفلسطينية في حدود 1967، باتت أمراً محسوماً. إدارة الرئيس باراك أوباما لجأت إلى أقصى المتاح لها من أدوات، لإنذار المعنيين بأنها لن تدع المشروع الفلسطيني يمر بأمان.
ومع ذلك، لم يظهر الفلسطينيون حتى الآن إشارات للتراجع عن نية تحويل دورة الأمم المتحدة في الخريف، إلى ساحة لكسر العظم بشأن هدف إعلان الدولة.
ويفهم من تحركاتهم عموماً، أنهم لا يريدون مغادرة حقل الخيار السلمي بمعناه الواسع، سياسياً ودبلوماسياً وحقوقياً، تحت راية القانون والتنظيم الدوليين.
وفي ظل ضغوط التحالف الإسرائيلي الأميركي المحبطة لهذا الخيار، قد يحسد الفلسطينيون على رباطة جأشهم، إذ أن ضغوطاً كهذه لربما كان المراد بها دفعهم إلى حالة من اليأس والصعاب، تحملهم على الخوض في مغامرات عشوائية غير محسوبة المعطيات والعواقب، تنزع عنهم التعاطف السياسي الذي راكموه مؤخرا بجهد جهيد، لا سيما على الساحتين الأوروبية والأميركية اللاتينية.
في هذا الإطار يتحسب الفلسطينيون لهراوة الفيتو الذي تنتظرهم به واشنطن في مجلس الأمن، وهم يعقدون النية لقصد الجمعية العامة بغية متابعة الهدف ذاته، عملاً بصيغة «الاتحاد من أجل السلم».
تقول هذه الصيغة الموثقة بقرار الجمعية العامة رقم 377 لعام 1950، أنه «إذا فشل مجلس الأمن، بسبب غياب الإجماع بين الأعضاء الدائمين، في ممارسة مسؤولياته في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وفي حالة وجود تهديد للسلام أو عمل من أعمال العدوان، فإن الجمعية العامة سوف تنظر في المسألة بهدف تقديم توصيات للدول الأعضاء لاتخاذ تدابير جماعية، بما فيها القوة المسلحة عند الضرورة، للحفاظ على واستعادة السلم والأمن الدوليين».. وعند استخدام واشنطن لحق النقض ضد ملف الدولة الفلسطينية، فسوف تتوفر للسياسة الفلسطينية كل شروط الاستعانة بهذا النص.
المفارقة هنا أن مضمون هذا القرار، الذي يعني تحويل أحد أهم اختصاصات مجلس الأمن إلى الجمعية العامة، نشأ في الأصل عن توجه أميركي لتبرير استخدام القوة ضد كوريا تحت علم الأمم المتحدة.
حدث ذلك في مناخ دولي كانت فيه واشنطن قادرة على حشد أغلبية أعضاء المنظمة الدولية خلفها بسهولة. وقبل مضي عقدين على تلك الواقعة، كان المشهد الدولي قد انقلب بحيث فقدت الدبلوماسية الأميركية وأدواتها الجهنمية، هذه القدرة تماماً داخل الجمعية العامة، ولذا زاد معدل اعتمادها على مجلس الأمن.
لا نشك في أن وعي صانع القرار الفلسطيني بهذه الحقائق، هو الدافع الرئيسي لاحتمال استعانته بصيغة الاتحاد من أجل السلم.. لكن ما ينبغي أن يلفت الانتباه في هذا الإطار، هو أن الجمعية العامة عقدت منذ 1950 عشر دورات استثنائية بموجب هذه الصيغة؛ جرى تخصيص أربع منها لقضايا تتعلق باعتداءات إسرائيلية على الفلسطينيين والعرب!
وكانت الدورة العاشرة بالذات قد التأمت عام 1997، على خلفية مشروع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في جبل أبو غنيم في القدس، بعد أن رفضت واشنطن السماح لمجلس الأمن بمعالجة القضية.
أما الدورات الأخرى فكانت لبحث الغزو الإسرائيلي للبنان، ومجازر صبرة وشاتيلا، وضم هضبة الجولان عام 1982، وتطورات تخص الانتفاضة الفلسطينية الثانية عامي 2000 و2001، وإدانة مذبحة جنين عام 2003، والتهديدات الإسرائيلية ضد حياة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية حول الجدار العنصري الاستيطاني في الضفة المحتلة، والتصدي للاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، وتأسيس مكتب لحصر أضرار بناء الجدار الاستيطاني بحسب توصية محكمة العدل..
لسنا بحاجة الآن لإثارة السؤال الموجع حول الجدوى (أو اللاجدوى) الفعلية لهذه الجهود!
ثمة كثير من الهواجس غير المشجعة، حتى لا نقول المقبضة، التي تراودنا حين نستعرض هذه السوابق ونحن نستطلع آفاق التجربة المضافة قريبا إلى خبرتنا مع «الاتحاد من أجل السلم».. ففي جميع السوابق، تم اللوذ بالجمعية العامة بعد إخفاق مجلس الأمن في اتخاذ مواقف وقرارات، إما لدق الطاولة بالفيتو الأميركي، أو لأن التهديد بهذا الإجراء أدى إلى سحب مشروعات القرارات قبل التصويت عليها، اتقاء لحائط الصد الأميركي المنكود.
وما يعنينا أكثر، أنه في هذه السوابق جميعها أيضاً، بادرت الجمعية العامة إلى تبني مواقف إيجابية لصالح المدعي الفلسطيني والعربي بالحق.. غير أنها ظلت مجرد مواقف كلامية حبيسة القول دون الفعل، لافتقادها آليات التنفيذ والإلزام القسرية التي ينطوي عليها دور مجلس الأمن.
لا نود بهذه المطالعة تثبيط همم الطامحين إلى تنشيط الملف الحقوقي الفلسطيني عموما، عبر بديل الجمعية العامة. ما نقصده، هو أن أية مبادرة تتوسل بصيغة الاتحاد من أجل السلم، عليها أن تنظر جديا في كيفية تفعيل الجزئية الخاصة بآليات تطبيق قرارات الأمم المتحدة، بما فيها استخدام القوة والعقوبات المؤثرة، التي تسمح بها هذه الصيغة.
بغير ذلك، سوف نكون إزاء مبادرة تضيف إلى التراكم القانوني الدولي العاطف على الحقوق الفلسطينية، ولكن بشكل نظري.. وربما أصبحنا أمام قفزة أخرى في الهواء.

نقلا عن المركز الفلسطيني