مشاهدة النسخة كاملة : القدس هوية ووجود (آمال أبو خديجة)


ابو نسيبة
06-06-2011, 02:06 PM
القدس هوية ووجود (آمال أبو خديجة)

القدس بتاريخها المشهود، وتراتيل مآذنها، وقداسة مسراها، وسجود الأنبياء، وحجارتها العتيقة، وبسوقها القديم، وأدراجها العريضة، وصورتها الهندسية الفريدة، ورائحتها التي عشقتها الأفئدة، بأبوابها الخضراء الخشبية، بساحاتها الممتدة بآثار الساجدين، بسياحتها الساحرة، بأزقتها المعتمة الطويلة، ببسطتها الممهدة على الطرقات، بوردها الملون بعشق السماء، بثوبها الحريري الأبيض، بانعكاس الضياء إليها، من وهج السماء، من ولادة الفجر، واستدارت القمر في ليلة القدر.
إنها القدس، منبت التاريخ، ومولد الوجود، إنها مدد الحياة، والعطاء لكل المؤمنين.
كانت القدس بالأمس للموحدين، توحدت بملابسها البيضاء، وأرجل طاهرة تأتي إليها، من فجاج الأرض، واليوم هي القدس، ولكن أُخلع ثوبها الأبيض، لتُرتدي لون أسود، وما عاد يفقدها الموحدين، وداستها أقدام المدنسين الغاصبين.
فمنذ لحظة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، بدأت معالم التقسيم للقدس ،فأطلق الكيان الصهيوني في عام 48 على جزء منها القدس الغربية، والجزء الآخر القدس الشرقية، وبعد حرب 67 تم الاستيلاء على ما تبقى منها، وهو الجزء الشرقي للمدينة، والذي كان حسب قرار الأمم المتحدة، يعتبر حقا للفلسطينيين، والمتوقع أن تكون عاصمة لدولتهم عند قيامها، ولم يكتفي الاحتلال الصهيوني بذلك التقسيم، فأصر على الاستمرار في جعل كل مدينة القدس وضواحيها، ضمن الأكثرية اليهودية، فبدأت سياسة التهجير والقهر لسكانها الأصليين من الفلسطينيين، فمورس عليهم أساليب قمعية عنصرية، لتجبرهم على الرحيل، فحرموا من حقوق المواطنة، ومن حق الوجود الإنساني، وبما أن سكان القدس باتوا تحت سلطة العدو الصهيوني، ويحملون بطاقتها الزرقاء الملوثة ببصمات الاحتلال، فكان من الواجب القانوني أن يتمتعوا بحقوقهم، لكنها الدولة التي تدّعي الديمقراطية والعدالة، حسب موازينها المنحرفة، فمن يزور مدينة القدس من شرقها لغربها، سيشاهد ذلك التميز من خلال المباني والخدمات في الأحياء العربية، وما يقابلها في كل حي أو شارع استوطن به اليهود، فحجم الخدمات الكبيرة متوفرة للمستوطنين، وهناك اهتمام بكافة أساليب الراحة والترفيه لحياتهم، فنجد شوارعهم موسعة ومعبدة، وفيها خدمات التنظيم للسير، ومقاعد ومحاطات لانتظار المسافرين، وتجد الأشجار والورود أحاطت بالمكان في كل جانب، ووضعت الأنصبة التذكارية بأسمائهم المستعارة، وسميت الشوارع بمسميات جديدة، وارتفعت البنايات في كل جانب، وانتشرت الحدائق العامة، فهذا من جانب، بالإضافة إلى خدمات البنية التحتية، من توفير مصارف للصرف الصحي، أو توفير شبكات الكهرباء والمياه وغيرها من خدمات عديدة، فتجد سرعة الاستجابة للمناطق اليهودية، والإهمال الشديد للمنطقة العربية، كما تلاحظ تنظيم البناء وإظهار المدينة بشكلها العصري، مع إخفاء معالم التاريخ أو سرقته، أما المنطقة العربية تشويه لعملية البناء، دون تنظيم ولا إبراز للمعالم العربية، وحرمان للسكان من بناء بيت جديد، أو مدرسة أو مؤسسة اجتماعية، أو حتى تدشين مبنى قديم ، وشوارعهم خالية من الخدمات، سواء كانت من خلال الأرصفة، أو الترميم لتسهيل المسير عليها، وغير ذلك من احتياجات ضرورية، يحتاجها السكان الفلسطينيين، مقابل ما يقدم للمستوطنين المحتلين، ورغم أن سكان مدينة القدس الأصلين، فرض عليهم الاحتلال الصهيوني، دفع ضريبة التواجد في هذه المدينة، والعيش على ترابها، وكونهم من حملة هويتهم، حيث تقدر الضرائب المدفوعة سنويا ما لا يقل عن مليون شيكل، إلا أن تعمد الكيان الصهيوني في الإهمال والتقصير لما يقدم لهم من خدمات عديدة، واضح جدا من معالم الحياة العامة كلها، ولا يهدف ذلك إلا لنية في نفس المحتل، لدفع الأسر الفلسطينية للملل والشعور بالضيق في العيش، حتى الاضطرار لمغادرتها، والرحيل عن الأرض المقدسية، فتخلو لهم لزرع مستوطنيهم فيها، ولكن ذلك ما يزيد في نفوسهم، إلا تصميما على الثبات على الأرض ، لا الرحيل أو التهجير.
وما زال العدو الصهيوني يتربص بتلك المدينة الصامدة، وبأهلها الصابرين على وحشيتهم، والغاصبين لكل شيء فيها، دون خجل ولا استحياء، وكل يوم نسمع عن قرار بهدم بيت، أو استيلاء على أخر، أو توسيع لحي يهودي على حساب الحي العربي، ونستيقظ على قرار، بإقامة مستوطنة جديدة، تحيط بأعناق القدس لتسقط أسوارها، ونشاهد بأم أعيننا كيف تسرق الآثار الإسلامية، لتوضع عليها أحرف عبرية، وتواريخ مزوره، وأسماء وهمية، ليدّعى عليها أنها أثار صهيون من التاريخ القديم، وما زال الحفر مستمراً تحت أرض الأقصى وأسواره العتيقة، تحت وهم مزعوم للبحث عن هيكل سليمان، فتُعَرج الطرقات والأنفاق تحت أقدام الأقصى ومسطحه، بنية أن يسقط المبنى ويبقى هيكلهم المزعوم، يبنوا عقيدتهم على الأكاذيب وتاريخ مزور، يدّعون نسبهم وقربهم من الأنبياء، وقد تبرأ عنهم كل نبي بعث إليهم، بعد أن لاحقوه بالقتل، ورغم غضب الله وكتابة التيه عليهم، و تحريمهم دخولهم للأرض المقدسة بأمر من الله، إلا أن هؤلاء الصهاينة المشتتين، ليسوا بأهل كتاب،فكثير من العلماء يقولون، أن أهل الكتاب السابقين قد انقرضوا ومسحت آثارهم، وما هؤلاء إلا صهاينة تجمعوا من أقطار الأرض، وجاءوا لأرض فلسطين، تحت عقائد الكذب والتزوير، ومشاعر الغل والحقد والإجرام، يحاولون تزوير التاريخ ، بزعهم أنها أرض صهيون، وأن ملكيتها تعود لليهود، منذ قرون عديدة، وأن الحق لهم بملكها والبقاء عليها، فهؤلاء المحتلين المارقين، أتوا لسرقة أرض فلسطين وخيراتها، وبنوا لأنفسهم كياناً ودولة، بعد أن نبذهم العالم كله، وتشردوا في أطراف البلاد كلها، فهم شعب بلا هوية ولا وجود، يتعايشون مع عقد النقص، بالخوف وعدم الانتماء، لذا يبنون أمنهم على الإرهاب، والقتل والتدمير، بل هم مشتتون من داخل كيانهم، فيحملون من اللغات والعقائد، ما لا يتشابه به الشعب الواحد، فتركيبتهم ضعيفة هشة، كبناء العنكبوت، بل أشد ضعفاً، كيف يدّعون أن أرض فلسطين لهم، وهم يشعرون بالخوف منها، فالحجاب كبير بينهما، ففلسطين لا تلبس أي ثوب، فرائحة عطرها اللوز والزيتون والرمان،غرسته أيدي مباركه لأجدادنا، فمهما قطعت تلك الأشجار من جذورها، ستنبت من جديد، لتعلن هوية الأرض العربية، وتاريخها الإسلامي العريق، فكل شيء في القدس وحولها، يشد إلى عروبتها وتاريخها المجيد، يعطي للنسيم ذكريات الأقدمين من أهل فلسطين، تعصف رائحة الياسمين والكر نفل في ضواحيها، وبين أزقتها وساحاتها الواسعة، تزينت بثوب الزهر الأحمر والأبيض، وبسطت على أرضها بساط عشبها الأخضر.
يحاول الصهاينة الغاصبين، أن يقيدوا مدينة القدس، وأن يزيدوا من حصارها وتقيد معصمها، فيوضع الجدار ليحيط بخاصرتها الرقيقة، وتوضع بوابات وحواجز ليمنع أهلها من دخولها، إلا لمن يشاء بإذن الحاكم العسكري، ولعل انتظار الإذن يطول،ولا يسمح بعدها الدخول، ولا يسمح بالسير في شوارعها، تمنع الصلاة للساجدين، فيقف المصلين يوم الجمعة، وفي كل صلاة، ومع أذان الفجر الأول، تتدافع الأقدام لتفك ذلك الحصار، وترفع الأسوار والقضبان حتى لا يحجب المسير، وتصفر إنذارات الموت من كل جانب، وتسمع أصوات البنادق والرصاص، ليتطاير فوق أعناق الرجال والنساء، لعل العدو الغاشم ينجح في إلقاء الرعب في القلوب، فتتراجع أقدام المصلين للوراء، كي لا تجد أملاً في الدخول للصلاة، لكن ثبات القلوب أقوى، فالموت لأجلك يا القدس شهادة، إنهم يندفعون كزلزال تحت أقدام الظالمين، إنهم الفرسان الهائجة، تندفع لتقطع أعناق الغاصبين، ولا تبالي كم ضربة أو نزف للدماء أصاب الجسد، أو هل خرجت منه الروح.
والقدس ما زالت بردائها الأسود، ووجهها الأصفر البني، تسدل جدائلها التي قاربها المشيب، تذبل زهرتها، وتدمع عينها، تقي بوجهها سوء قهر المحتلين، تطل من وراء ثقوب ردائها، الملقى عليها، بأيدي غريبة سامية، تشتاق لحُليها الأحمر والأخضر، وصفائها الأبيض، ولون كحلها الأسود، تعانق السماء بروح قدسها، تشتاق لتحررها من قبضة الغاصبين، لتفر من غرفها المعتمة تحت الأرض وفي الزنازين، تحن إلى ذاتها القديمة، إلى عنوانها ولباسها الأبيض، تحن إلى ذكراها مع الرسول الكريم، واجتماع الأنبياء، وصلاة الإسراء الأخير.

نقلا عن المركز الفلسطيني