مشاهدة النسخة كاملة : صالح الذي لا يريد أن يرحل (عبد الاله بلقزيز)


ابو نسيبة
06-06-2011, 02:31 AM
صالح الذي لا يريد أن يرحل (عبد الاله بلقزيز)

سيرة علي عبدالله صالح رئيس اليمن كسيرة حسني مبارك وزين العابدين بن علي في الفساد واحتكار السلطة والتمديد في الحكم مثنى وثلاث ورباع وإهانة الشعب والوطن، غير أن ابن علي ومبارك أكثر ذكاء ومروءة واستعداداً للاعتراف بحقائق الأمر الواقع، أدركا أن الشعب أنزل بعهدهما حكم الإدانة ووقع عليه في المدن والشوارع والساحات العامة، فانسحبا: الأول منهما فاراً، والثاني متنحياً . علي عبدالله صالح لا يريد أن يفهم أن عهده انتهى كعهدي صاحبيه السابقين، على الرغم من علمه أن الذين ثاروا في وجه نظام حكمه هم أضعاف أضعاف الذين ثاروا في وجه ابن علي ومبارك، مازال يخامره اعتقاد، أو وهم، بأن في جعبته من الحيل ما به يقاوم الضغط ويدق الأسافين بين فئات الشعب وينهك المتظاهرين كي يستل شعرة سلطته من عجين القيامة القائمة في البلد، لعله يصدّق أن ذكاءه أمضى من إرادة شعب اختار الحرية والكرامة واسترخص في سبيلهما الأثمان كافة: صغيرها والكبير .
مصمم هو على صم الأذنين، على الإيحاء بأنه جبل لا تهزه الريح ولا الأرض من تحته تميد . يقف مخاطباً جمهوره الصغير في ساحة السبعين وكأنه ماوتسي تونغ أو جمال عبدالناصر، “معارضوه عملاء ومأجورون”، وشعبه الثائر “شرذمة” قليلة العدد من “المضللين” الذين لعبت الدعاية الشيطانية بعقولهم، والمنشقون عن نظامه من قيادات عسكرية وأمنية وسياسية وحزبية “انتهازيون” ولا يمثلون أحداً . وهو الذي سيبقى يحكم البلد “ولو كره الكافرون” .
شعبه لا يريده، يقول له ببلاغة اللغة الواقعية: “ارحل” . لكنه يرحل في نفسه قاطعاً الشوط الطويل الطويل من وهم إلى وهم فوهم . وفي كل مرة يجرب وهماً فيفشل، ثم يرحل من وعد إلى وعد آملاً بأن يكسب وقتاً إضافياً . يفعل ذلك حتى لا يرحل . إنه المستحيل يركبه ويجربه، كمن يطبخ الحصى يتصرف، كمن يعجن الماء والهواء . الذكاء الحاد لا ينفع إلا إذا هو استعمل في مكانه المناسب، والمكان المناسب هنا هو الامتثال لإرادة الشعب . أما التذاكي، ممارسة الذكاء الزائد، فلا يعود فضيلة بل يرتد على صاحبه . وقديماً قالت العرب “إذا اشتد البياض أصبح برصاً، و”الشيء إذا زاد عن حدة انقلب إلى ضده” . ولعمري ذاك مآل ذكاء صالح في هذه الأيام .
رمى له محيطه العربي الخليجي بحبل نجاة من القصاص، فقطع الحبل بعد أن سوّف وماطل وافتعل الشروط تلو الشروط، ثم خذل من وعدهم بالتوقيع على المبادرة التي تحفظ له ماء الوجه . فعل ذلك لأنه لا يريد أن يرحل، حتى لو عرض عليه الرحيل بكرامة وقليل العواقب . أما إن شاء من شاء أن يضغط عليه من الأشقاء ضغطاً معنوياً رمزياً، فزبانيته من المسلحين الموتورين جاهزون، جاهزون لتطويق السفارات وقطع الطرق لمنع تنقل الوسطاء . ما هَم إن كان في ذلك اخلال بالأعراف الدبلوماسية، بل بآداب الضيافة وأخلاق العرب، المهم ألا يرحل: أن يبقى رابضاً على صدور اليمنيين ما شاء له عناده أن يبقى كذلك . ومن لم يرق له بقاؤه في السلطة، فليشرب البحر .
حين يستنفد حاكم مستبد خياراته كافة، ويتناقص لديه معدل الذكاء السياسي، يجنح للعنف والقسوة الدموية . يصبح مثل الوحش الكاسر المحاصر في وكره، أشد شراسة ومقاتلاً حتى النهاية . الحاكم الذي من هذه الطينة يسكنه الشعور، في لحظة الضعف، بأن إبداء القوة العمياء هو الحل السحري لدفع خصومه إلى الرهبة منه . إنه الكي الذي لا مهرب منه بعد أن لم ينفع علاج السياسة . إنه - باختصار- الحاكم الذي يعود إلى سجيته، وينصرف عن دور سياسي تقمصه كرها، السلاح يجر السلاح، فتعم الفوضى، ومع الفوضى يجوز للدولة أن تفعل كل شيء من أجل “الأمن” .
ماذا يفعل علي عبدالله صالح غير هذا في هذه الأيام؟ يزعجه كثيراً أن الثورة ضده بيضاء وأن الملايين من شبابها ينازلون نظامه بالأدوات السلمية التي لا يتقنها، فلا يجد من وسيلة لتعديل قواعد الاشتباك غير اطلاق الرصاص والقذائف على المتظاهرين عساه يستدرجهم إلى الميدان الذي يفهم فيه، فيردوا على عنفه بعنف يتخذه ذريعة لإشعال اليمن كله . حيلة مفضوحة عند ثوار اليمن، ولذلك لم يوفروا لها ذريعة تحرف ثورتهم الرائعة عن خطها القويم الذي شقته لنفسها منذ البداية والتزمته حتى في الظروف الحوالك، وهم، بذلك يعلمونه الدرس الذي لم يتعلم: حَبل الفهلوة كحبل الكذب قصير، فالافراط في الذكاء يفضي بصاحبه إلى ارتكاب الأخطاء القاتلة على مثال ما يرتكب صالح . إن من يأخذ الوطن إلى الدمار والحرب الأهلية من أجل إشباع الرغبة المرضية في السلطة لا يستحق البقاء، لا يستحق حتى الرثاء .
وحيد هو في جنس الحكام، لا أحد في الدنيا - غير القذافي - يشبهه . السلطة والمال شهوتاه، والحرية خصمه، والقتل شريعته . شعبه لا يريده والمحيط والعالم ينصحه بالرحيل، ويأبى إلا أن يركب رأسه، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

نقلا عن دار الخليج