مشاهدة النسخة كاملة : احتفالاً بالهزيمة (عبدالله السويجي)


ابو نسيبة
06-06-2011, 02:25 AM
احتفالاً بالهزيمة (عبدالله السويجي)

في هذه الأيام وقبل أربعة وأربعين عاماً، حلّت نكسة سمّيت في ما بعد ب”نكسة 1967”، حيث مني العرب بهزيمة ساحقة أمام جيش الكيان الصهيوني، الذي احتل الضفة الغربية التي كانت تحت الحكم الأردني، وقطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري، وأكمل “جيش الدفاع الصهيوني” فاحتل شبه جزيرة سيناء، وهضبة الجولان، والأكثر من ذلك، صادر الفرح من وجوه الفلسطينيين والعرب، ولا يزال حتى يومنا هذا . وأسباب الهزيمة ما زالت شاخصة نعيشها حتى اليوم، فالعرب يمارسون الاستراتيجية ذاتها، بل ازدادوا اندحاراً جراء معاهدات السلام والاتفاقيات التي قيدت عاصمتين عربيتين استراتيجيتين على الأقل، وطبّعت معهما، وطبّعت مع دول عربية أخرى في الخفاء والعلن .
بعد نصف قرن من الهزيمة، لا تزال العقلية السياسية العربية هي ذاتها، كأنها جينات تورّث للأجيال، ولم تعمل حرب أكتوبر في عام 1973 على تغيير أي شيء، بل زادت الطين بلة، حين كانت ثمارها زيارة الرئيس المصري الأسبق أنور السادات للكيان الصهيوني، لتجر المسبحة بعد ذلك، انشقاقات وتشرذمات وتصدعات في الجسد العربي، لا يزال يتردد صداها حتى اليوم، إن لم يكن أكثر إيلاماً وسوءاً .
بعد نصف قرن من الهزيمة، سقطت شعارات كثيرة، وحل محلها مبدأ القبول بالأمر الواقع، سقطت البندقية الفلسطينية التي كانت ترفع شعار “ثورة حتى النصر”، وسقطت السياسة الإعلامية التي كانت “تردح”، والتي كانت تردد “سنرمي “إسرائيل” في البحر”، بينما قادة الكيان الصهيوني كانوا يرددون وما يزالون “حدودك يا “إسرائيل” من الفرات إلى النيل”، وليس بالضرورة أن يقف جندي صهيوني على ضفة الفرات أو على ضفة النيل، فالاحتلالات أنواع وأساليب، ويكفي أن تُحتل العقلية العربية وتصاب بفيروس الإحباط ومرض نقص العزيمة، حتى يتحقق الاحتلال لكل شبر، فالاحتلال احتلال ثقافي وفكري ووجداني ونفسي أكثر مما يكون احتلالاً مادياً، ولا شيء يظهر في الأفق يدل على أن هناك نوايا (لغسل آثار الاحتلال والهزيمة)، لأن آثارها ظاهرة للعيان مع كل نشرة أخبار لأي محطة تلفزيونية عربية فضائية، وبالتالي نحن نعيش حركة “مكانك سر” منذ 44 عاماً .
تحدث كثيرون وسوّدوا آلاف الصفحات عن أسباب الهزيمة، ولكن هناك سبباً جلياً وواضحاً مازال يتكرر ويتجسد في التشرذم العربي والخيانات المتتالية والمستمرة، والسقوط في وحل الردة عن المكونات التي تشكل الشخصية العربية، وتشمل الثقافة والمعتقد وأسلوب الحياة، ولكن هنالك سبباً جوهرياً لاستمرار الهزيمة، ويتمثل في الاتكال على الآخر والاعتماد عليه في التقنيات والاتصالات والصناعة والمأكل والملبس والأدمغة المخططة والمستشارين “الأشاوس”، وبشكل مختصر، الاعتماد على عقل الآخر “الأجنبي الغربي الشرقي وغيرهم من غير الناطقين بلغة الضاد)، وغياب السياسات الإنتاجية والتصنيعية، التي تحقق الاكتفاء الذاتي، فأحد أسباب الهزيمة العسكرية غياب التصنيع العسكري العربي، واعتماد مصر وسوريا على العتاد العسكري السوفييتي (آنذاك)، هذا الاتحاد السوفييتي الذي لعب بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر حتى تلفت أعصابه، ولم تكن وقفته تضاهي وقفة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية مع الكيان الصهيوني، ولو امتلك العرب صناعة الأسلحة لما ربضت طائراتهم في المطارات في انتظار قصفها، واليوم تُستكمل الدائرة، السلاح السوفييتي أو حتى الروسي أو الكوبي أو الصيني آخذ في الاندثار، ليحل محله السلاح الأمريكي، وأنظمة التسلح في كل مجالات المنظومة العسكرية في الوطن العربي تعتمد على المنظومة الأمريكية الغربية، وهذا يعني بكل بساطة، “وضع البيض كله في سلة واحدة”، وهو أمر ضد أدنى المعايير الاستراتيجية ومفاهيم الصراع مع الآخر، وبالتأكيد، فإن أمريكا والاتحاد الأوروبي لن يسمحا بأي تفوق عربي على الكيان الصهيوني، وعلى الرغم من هذه الحقيقة، يواصل العرب شراء الأسلحة، التي تستهلك نسبة كبيرة من دخلهم القومي والمحلي، يكاد يكون أكثر مما يصرف على التعليم والصحة والخدمات العامة .
وباختصار شديد، فإن العقلية العربية لم تجهد نفسها في السعي إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لا في السلاح ولا في الغذاء، على الرغم من كل الموارد الطبيعية والبشرية التي بإمكانها تحقيق التكامل الاقتصادي العربي، الذي بات يشكل حلماً، ولكن هذا التكامل يتطلب تكاملاً سياسياً، وهو أمر غير متوافر الآن، ولم يتوافر في يوم من الأيام، وذلك بسبب الولاءات والانتماءات والتحالفات غير المنطقية أبداً .
والآن، وبعد ما يقرب من نصف قرن على الهزيمة، هل يمكن للعرب أن يحتفوا بها، بمعنى التوقف عندها والاقتناع بأن ما أصاب فلسطين أصاب العراق وليبيا وسيصيب اليمن والسودان، وربما دولاً عربية أخرى، ليس بالمعنى المادي، ولكن بالمعنى الجوهري الحياتي؟ نحن لا نطرح تصورنا من فراغ، فالشواهد بادية للعيان، يغرف منها من يريد أن يملأ جعبته بالحقائق .
وفي الواقع، يمكن أن يحتفي العرب بالهزيمة بأن يكونوا مرة واحدة فقط، وعلى سبيل التجربة، صفاً واحداً كالبنيان المرصوص . لقد أضاعوا من أعمار دولهم وتاريخهم عقوداً كثيرة، فليجربوا هذا الأمر عقداً أو عقدين، ومن يخشى الخراب، نقول له، إن الخراب ماثل أمامنا في دول عديدة، ويبدو أنه يزحف كالطوفان، ألم يتم تدمير العراق تدميراً تاماً؟ ألا يتم تدمير ليبيا الآن تدميراً تاماً، ألم يتم تدمير السودان بهذه الحروب والانفصالات، ألم يتم تدمير الصومال وسحق الحياة على أرضها؟ ألم يتم تدمير لبنان مرتين خلال ثلاثة عقود؟ وماذا عن اليمن الآن؟
الحديث ليس حالماً وليس عاطفياً، “وليس عيباً أن يكون كذلك”، فالعالم مبني الآن على التحالفات، وتحكم هذه التحالفات الجغرافيا أولاً، والثقافة والعادات والتقاليد والمعتقد ثانياً، والمصير والمصالح المشتركة ثالثاً، وهذا كله متوافر في الوطن العربي، وليس بالضرورة أن تكون وحدة اندماجية، هناك نماذج للتحالفات والاتحادات، لندرس تجربة الاتحاد الأوروبي في التكامل الاقتصادي، ولندرس تجربة اليابان في التطور وبناء الدولة الحديثة من دون التخلي عن التقاليد العريقة، ولندرس تجربة اتحاد الولايات الأمريكية، التي نضرب بها المثل، وهنا نقول: ترى لو ظلت الولايات الأمريكية متفرقة كما كانت، هل ستصبح أمريكا دولة عظمى تسيطر على العالم الآن؟ أُكلت يوم أكلَ الثور الأبيض، هذه المقولة يتم تطبيقها الآن وبأيادٍ ماهرة ومحترفة، ولكن من يعتبر؟ لا أمان لأحد، ولا مكان للضعفاء المتشرذمين في هذا العالم، والقطار الأخطر في تاريخ الوطن العربي يمر الآن، وبسرعة لا يصدقها أحد، وكأن الناس سكارى وليسوا بسكارى، والله من وراء القصد .

نقلا عن دار الخليج