مشاهدة النسخة كاملة : دموع قلم (محمد الأمين ولد سيدي مولود)


ابو نسيبة
06-05-2011, 04:54 PM
دموع قلم (محمد الأمين ولد سيدي مولود)

ديمي منت آبه ... اسم يعني الكثير لكل الموريتانيين ولجزء كبير من شعوب أخرى في الصحراء والمغرب والجزائر ومالي وفي بلدان عربية وافريقية وعالمية أخرى، لكنه يعني أكثر لمن ابتلاهم الله بالتعلق بالفن "الحساني" وبالموسيقى "الحسانية" خاصة وبالصوت "الحساني" الأصيل الجميل...
ديمي ذلك العصفور المغرد الشجي القادم من الصحراء، من أرض الجبال، من وديان النخيل، من أرض "تكانت" قبل حوالي أربعة عقود من الزمن. أرض "تكانت" حيث مصدر جمال الصوت وعراقة ووفرة الأدب وإلهام الطبيعة وأصالة الإنتماء. تلك الأرض التي صدق الشاعر {لمغن} الراحل ولد الكصري عندما وصفها بقوله: حد أصيل ابتكانت شام / نافدها لاكِ عنها عام واعمل بلياليه أليٍام / لين الحكْ منها بل امنينْ عادِ ابانولُ روص افام / اطركْ تكانت متحدينْ ينباو أيغباو افلغمام / هومَ زاد ألً مشيوفينْ ما يبكَ شوقَ ادرس ما كام / ألا يبكَ في العينين اخزينْ ألا يبكَ منظوم افلكلامْ / ماجاو ألفاظُ منظومينْ أيبكَ ما ود حق اتراب / ماه كيف اتراب أخرى زينْ ألا حق امًلِ زاد أحباب / ما ينجبرُ فابلادَ اخرينْ قدمت الفنانة ديمي إلى العاصمة الموريتانية وهي تحمل معها صدق البدوي وبراءته ورقة الفنان وروعته... قدمت من حيث تلقت تربيتها الأولى حيث تزاوجت أبجديات التدين والأخلاق وبدايات التمدرس الفني وذلك على أيدي أكابر أسرتها بل وعلى أيدي رموز إجتماعية كبيرة من خارج الدائرة الفنية ولعل أبرز مثال على ذلك أستاذ ديمي الأول الرجل الصالح محمد ولد عبد الله الذي لقن الفنانة الراحلة كيف يمزج الفنان بين ذكر الله وأدائه الفني وذلك في أبياته الرائعة حيث ينشدها: أيا زهرة الجيل المعاصر بادري وردي فؤادي للشباب المعاصرِ ولا تتركي ذكر الإله فإنه هو الشٌهد يشفي من هموم الأكابرِ وهي الوصية التي أخذت بها ديمي، بل ويأخذ بها جل الفنانين الموريتانيين حيث يبرز الرافد الديني في ثنايا الفن خلال الأداء الغنائي، ذكرا لله ومدحا لرسوله صلى الله عليه وسلم، وموعظة للناس في نصوص مختلفة فصيحة وشعبية كثيرة. بلغت ديمي ذروة الشهرة والنجاح الفني في عقدي الثمانينات والتسعينات عندما انتشرت أشرطتها الكثيرة مع زوجها الراحل الخليفة ولد أيد وزميلها وأخيها الفنان الكبير سدوم ولد أيده ـ أطال الله بقاءه ـ وذلك عندما رفرفت مع سدوم في حدائق "الليمون" وكانا "بوقا" للذائبين في الفن وغنيا لضحايا حرقة "الغرام" ونشرا "دعاية" القصائد الفصيحة في أشرطتهما.. فكان "عيد مولود" جديدا للفن الموريتاني بثوب قشيب مطرز بروائع نزار قباني ومدائح البرعي. لقد تقلبت ديمي ذات اليمين وذات الشمال بين "انتماس" و"الفايز" و"مكه" و"تنجوكه" و"اسروزي" و"لكحال" ولبياظ" و"لبيت" "أعظاله" و"اعتيكه" بكل سلاسه ومقدره دون تشنج أو تعب أو عجز أو "تزحال". وغنت "امريميده" و"وبوعمران" "والمزارك" و"البت لكبير" والموماي" و"اسغير" و"لبير" و"لبيت" تامه وناقصه...الخ دون "اظلاع" أو لحن. غنت ديمي للبسطاء وعاشت أفراحهم ، وللوطن فنشدت "نخترعن كل أوطان/ وطني موريتان" و"يامورتان اعليك انبارك الأستقلال" ... لقد تميزت ديمي صوتا وأداء وأسلوبا عن جميع الفنانين الموريتانيين، بل وسيبقى جل الفنانين ينهلون من معينها ويتأثرون بتراثها عقودا قادمة... ولعل أحد كبار الشعراء "الحسانيين" وفق في تحديد العلاقة بين ديمي والفنانين الآخرين خاصة ممن يحاول تقليدها أو منافستها حين خاطبها أن من يريد تقليدها سيعجز في قوله: "يمش فاحمارك ما الحكْ/ امكظكْ واشياركْ". بل ووصف آخرصوت ديمي أنه هبة من الله لا يمكن تقليدها ولا منعها: احمارك قالب كل حد / حسك معطَ مولانا معطَ مولانا ما تكد / تكْعد فيه الشيانَ لم يشتهر عن ديمي التعريض بالأعراض ولا تملق الناس ... لها يد طولى حسب العارفين بها في الإحسان على ضعاف الناس... واليوم ترحل الفنانة الكبيرة ديمي منت سيداتي ولد آبه .. ولقد شاءت الأقدار أن تكون "المفاجأة رقم1" أن ترحل ديمي بهذه السرعة وهذه الفجائية وأن تكون "المفاجأة رقم2" أن رحيلها كان في المغرب
ومن طرائف الأقدار أن الأديب الكبير الراحل بوكي ولد اعليات نعى الفنانة ديمي من حيث لا يشعر وذلك قبل عقدين من الزمن، والأكثر طرافة من ذلك أنه نعاها عندما كانت تتوجه ـ حينها ـ إلى المغرب حيث توفيت اليوم. وذلك عندما قال: ما نبقُو تمش شور حد / ديمي الاه محتاجَ الا تمش يغير بعد / ماش ش فيه الحاجَ
اليوم رحلت الفنانة ديمي وغابت شمس الفن .. رحلت ديمي قبل أن تقول لعشاقها وجمهورها ووطنها: قفوا ودعوني قبل وشك التفرق فما أنا من يحيا إلى حين نلتقي رحلت ... وكان رفيقها وخليلها وأخوها سدوم بجانبها وكأنها تنشده ما أنشدها مرات : أعد الوداع فما أراك تراني / وأطل بكاك لبين أهل البان رحمك الله يا أم فيروز ... لقد تركت في القلب جرحا غائرا وخاصة لمن لم تشأ له الأقدار من جمهورك ـ مثلي ـ أن يراك مجرد رؤية طيلة حياته. رحمك الله يا أم فيروز... فلا الكلمات تكفي لوداعك ... ولا الوصف يفي حقك ... نسأل الله لك المغفرة ولذويك الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.

نقلا عن السراج الإخباري