مشاهدة النسخة كاملة : أنسنة الشريعة


ابو نسيبة
06-05-2011, 04:32 PM
أنسنة الشريعة

يمتاز الخطاب القرآني المتعلق بالمفاهيم الشرعية، بالتنوع والخصوبة، وهو بما أنه خطاب الله عز وجل، ينفذ بطريقة خاصة إلى القلوب فيؤثر تأثيرا قويا على المتلقي. من هذا التنوع أننا إذا أخذنا الصلاة والزكاة نجد أن الآيات حولهما تتميز بالخصوبة والتنوع.
ففي الصلاة قال الله عز وجل:”يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا، نصفه أو انقص منه قليلا، أو زد عليه، ورتل القرآن ترتيلا.” و قال الله عز وجل: “ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسي أن يبعثك ربك مقاما محمودا”. وقال عز وجل: “أقم الصلاة لدلوك الشمس إاي غسق الليل” وقال عز وجل: “ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم” وقال في الآية الأخرى: “ومن الليل فسبحه وإدبار السجود” ...
وعن الزكاة قال الله عز وجل: “و في أموالهم حق للسائل والمحروم” وقال في الآية الأخرى: “والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم” وقال عز وجل: “فلا اقتحم العقبة؟ وما أدريك ما العقبة فك رقبة، أو إطعام في يوم ذي مسغبة، يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة” وقال الله: “وآتوا حقه يوم حصاده” وقال: “خذ من أموالهم صدقة تزكيهم بها” وقال: “لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون”.
هذا التنوع في صياغة المفاهيم أثر في المسلمين أيما تأثير. واستجاب المسلمون لهذا الخطاب دون زيادة أو نقص. مما أدى إلى قيام أمة اعتبرت خير أمة أخرجت للناس. ونلاحظ أن الآيات القرآنية لا تقدم صيغة واحدة للصلاة والزكاة، ففي الزكاة أمر الله بأن نعطي أعز ما نملك، ولكنه اعتبر بالمقابل أن إطعام يتيم في يوم ذي مسغبة هو أيضا صدقة وزكاة لها مكافأتها. في هذه المرحلة كان القرآن والقرآن فقط هو المصدر الخلاق للمفاهيم الشرعية. وكان المسلمون منفعلين لا فاعلين، ومتلقين لا ملقين، والتزموا بما قال الغزالي بأن من تلقى السمع تترتب عليه أمور من بينها السكوت والإنصات والتسليم والاعتبار بالعجز.
لكن النفس البشرية تواقة إلى التأثير في ما يحيط بها، والمشاركة فيما تقوم به. لذلك لم يمر زمن طويل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلا والمسلمون يتشوفون لوضع القوانين للمفاهيم الشرعية. وكان لهذا التشوف عدة عوامل من بينها:
أولا: اتساع رقعة الإسلام لتدخل فيه شعوب وأمم كانت لها أعرافها وتقاليدها الدينية، وهذا الموضوع لم يعط من الاهتمام ما ينبغي ولم يتم البحث بجدية عن تأثير الديانتين اليهودية والمسيحية علي الشريعة الإسلامية وما تحويه من عبادات ومعاملات منهما.
فإذا كان الإسلام قد ظهر في بيئة وثنية هي مكة المكرمة، لكنه اكتمل في المدينة حيث أتباع الديانة اليهودية، وقد دخل في الإسلام أتباع هاتين الديانتين مثل عبد الله بن سلام من الديانة اليهودية وسلمان الفارسي من الديانة المسيحية. وهذا الأخير سئل عنه علي رضي الله عنه فقال: بأنه يعلم العلم الأول والعلم الأخر.. ومثل هذان الرجلان مصدرا للمعرفة الإسلامية في صورتها المبكرة. فلما حضر معاذ بن جبل الموت قيل له يا أبا عبد الرحمن أوصنا؟ قال أجلسوني إن الفهم والإيمان مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، يقول ذلك ثلاث مرات التمس العلم عند أربعة رهط عند عويمر بن أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود وعند عبد الله بن سلام.» وتذكر كتب التاريخ أن خالدا بن الوليد لما فتح عين التمر بالعراق وجد فيها عشرين كاهنا مسيحيا، فوزعهم على البلاد الإسلامية، وكان من بينهم والد محمد بن سيرين وقد تتلمذ أبو هريرة على كعب الأحبار، وتتلمذ مالك بن أنس علي ابن هرمز في مدة تفوق علي عشر سنين، يأتيه من الصباح حتي هوي من الليل، ولا نعرف موضوع الجلسات إذا لم يكن هو شرح تقاليد وعادات الديانات القديمة.
كما اطلع المسلمون في وقت مبكر على الكتب المقدسة للديانتين اليهودية والمسيحية. ويبين لنا هذا المقطع من سيرة ابن إسحاق المتوفى سنة 153هـ دقة ترجمة تلك الكتب قال ابن إسحاق عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإنجيل: “وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم فيما جاءه من الله في الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل، عن عهد عيسى عليه السلام، في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، أنه قال: من أبغضني فقد أبغض الرب، ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لم يصنعها أحد من قبل، ما كانت لهم خطيئة ولكن من الآن بطروا، وظنوا أنهم يعزونني، وأيضا للرب ، لكن لابد من أن تتم الكلمة في الناموس، أنهم أبغضوني مجانا –أي باطلا- فلو قد جاء المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب ، وروح القدس هذا الذي من عند الرب خرج فهو شهيد علي وأنتم أيضا ،لأنكم قديما كنتم معي في هذا قلت لكم لكيما لا تشكو” ثم عقب ابن إسحاق قائلا: “المنحمنا محمد وهو بالرومية البرقليس صلى الله الله عليه وسلم.”
هذه الفقرة من سيرة ابن هشام لا تدل على استيعاب المسلمين المبكر لنصوص المسيحية فحسب، بل تدل أيضا على دقة هذا الاستيعاب والتطور الكبير في الترجمة والمعلومات.
إذا كان لمن يسمون بمسلمة أهل الكتاب تأثير على التقاليد الإسلامية خصوصا أن هؤلاء أخذوا زمام المبادرة في المعرفة الإسلامية في وقت مبكر، قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما مات العبادلة عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن العاص وعبد الله بن مسعود، صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي، كان فقيه أهل مكة ابن أبي رباح، وفقيه أهل اليمن طاووس، وفقيه أهل اليمامة يحي بن كثير، وفقيه أهل الكوفة إبراهيم، وفقيه اهل البصرة الحسن، وفقيه أهل الشام مكحول، وفقيه أهل خراسان عطاء الخراساني، إلا المدينة فإن الله خصها بقرشي، سعيد بن المسيب” . وقد ضاق المسلمون الأوائل بهم ذرعا، وقال عروة ابن الزبير: “ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم. “
أما العامل الثاني إلى وضع القوانين للمفاهيم الشرعية، فيتجلى في الإرادة السياسية للخلفاء الأوائل. فضبط الأفراد وتوجيههم سياسيا، كان يتطلب ضبط انقياداتهم الإيمانية وتصرفاتهم الدينية، وقد بدأ أول تدخل للسياسة في الأحكام الدينية في الزكاة، وهو الخلاف بين أبي بكر الصديق وبين بني حنيفة ، فأبو بكر رضي الله عنه يريد أن يتصرف في زكاة المسلمين كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبنو حنيفة ربطوا الحكم بمحله، ومنعوها محتجين بأن الزكاة أعطوها للرسول بمقابل، وهو صلاته التي هي سكن لهم، وأبو بكر صلاته ليست كذلك بالنسبة لهم. فمع هذا الخليفة أخذت الزكاة معاني جديدة، وفي عهد عمر بن الخطاب طرأ نظام جديد لصلاة الجماعة وهو صلاة التراويح وعلق عليها قائلا: (نعمت البدعة هذه).
وقد بدأ عصر التدوين للمفاهيم الشرعية حقا وصدقا مع عمر بن عبد العزيز، وكان الدافع إلى ذلك هو حادثة الصلاة الشهيرة بينه وبين عروة بن الزبير. فعن مالك عن ابن شهاب: (أن عمر بن عبد العزيز أخر الصلاة يوما، فدخل عليه عروة بن الزبير، فقال ما هذا يا عمر؟ أليس قد علمت أن جبريل صلوات الله عليه وسلامه عليه نزل فصلى ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم نزل فصلى فصلى رسول الله صلى عليه وسلم. ثم قال بهذا أمرت، فقال عمر لعروة: أعلم ما تحدث به، أو أن جبريل هو أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة، قال عروة كذلك كان بشير ابن أبي مسعود يحدث عن أبيه” ، إن سياق الحديث هنا يشير إلى أن كمية الصلاة هي العدد الخمس وكأن عمر بن عبد العزيز لم يكن على علم كاف بهذه الكمية، أو ينقصها الدليل عنده، فجاءه عروة ليقدم له الدليل عن بشير عن أبيه أن جبريل نزل خمس مرات ليصلي برسول الله صلي الله عليه وسلم. وهناك سياقات أخرى للحديث تجعله يتمحور حول أوقات الصلاة أي حول الكيفية لا حول الكمية.
ما يلاحظ هو أنه في عهد هذا الخليفة كرست الدولة الإسلامية كل طاقتها لصناعة المفاهيم. ولأن العمل قيد التنفيذ يوصف بالعمل الجلل، كان لابد من قرارات حاسمة لتوحيد الجبهة الداخلية، فاستدعى هذا الخليفة الجيش المرابط على الحدود مع البيزنطيين في الشمال، وأقام صلحا مع الخوارج والقرامطة ، مما هيأ الطريق للتفرغ لوضع القوانين.
يؤكد على هذا الكلام الأحاديث التالية: فيروى عنه أنه قال: “سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله ، واستكمال لطاعة الله، وقوة على دين الله، من عمل بها فهو مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جنهم وساءت مصيرا.” وكتب إلى عدي بن عدي: (إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، فإن اعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص.) وفي حديث آخر أن ابنه عبد الملك قال له: (مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق؟ قال له عمر: لا تعجل يا بني فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة. وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدفعوه جملة ويكون من ذا فتنة) .
فعمر بن عبد العزيز يتحدث عن سنن وفرائض وشرائع يريد أن يبينها، وليت شعري ما هي هذه الشرائع والفرائض سوى صيغ جديدة يراد أن تلصق بالمفاهيم الشرعية. لذلك لعل هذا من الأسباب التي رفعت من شأن عمر بن عبد العزيز وأحاطته بهالة التقديس ورفعته إلى مرتبة الخلفاء الراشدين.
ومن أجل بلوغ هذا الهدف، تشوف هذا الخليفة إلى السنة كمصدر سلس يساعد على بناء هذه القوانين. فكتب إلى عامله بالمدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن (أنظر ما كان من حديث رسول الرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سنة ماضية، أو حديث عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، فاكتبه فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله.)
في الحقيقة لا يمكن أن يعتبر القرآن موضوعا لاستخراج هذه القوانين، لأنه كتاب محفوظ غير قابل للزيادة أو النقصان، ولكن السنة يمكن استفادة القوانين منها لأنها ليست محفوظة، وبالتالي يمكن أن نجعل الحديث الصحيح حديثا ضعيفا وبالعكس. إذن انصب الاهتمام عند هذا الخليفة إلى جمع السنة، وكان من أثر جهده ظهور كتب الموطآت في الحديث، وبقي أشهرها وهو موطأ مالك، وكلمة الموطا هنا تشهد على ما نقول من أن المقصود هو توطئة وتوطيد قوانين معينة من أجل المفاهيم.
إذن لم يكن اللجوء إلى جمع السنة وتدوين الحديث من أجل ما يقال من ضرورة اتباع أقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم للحصول على طاعة الله. بل كان المقصود منه هو بناء القوانين كمطلب أول وأخير.
لم يكن الأمر يتعلق بجمع السنة من أجل السنة، بل كان من أجل دوافع أيديولوجية، ومعرفية، تتمثل في صياغة القوانين في معاني موحدة حتى لا يترك تمثلها تابعا للأفراد وأهوائهم، فيتمثلها كل منهم حسب فهمه الخاص، مما يؤدي إلى فوضوية العبادات والمعاملات الشرعية. هذا الهدف حدد الأفراد المرجعية الذين تستقي منهم المعرفة، وخاصة الأحاديث النبوية. كما أنه أوقع تقسيما في السنة فما كان منها يتلاءم مع القوانين استقبل في درجة الصحيح، وما كان على خلاف ذلك رفض بهذا الشكل أو ذاك من أساليب الرفض.
بالنسبة للأفراد استقي أغلب الحديث من صغار الصحابة مثل عبد الله بن عباس وعبد الله عمر، وأبي هريرة رضي الله عنهم، وقد انتقد النظام كثرة الرأي عند العبادلة وقال متهكما عليهم: (كأنهم كانوا أعرف من آبائهم) فأكثر الأحاديث صادرة عن صغار الصحابة دون كبارهم، وذكر ابن القيم الجوزية أن “أصحاب ابن عباس يقولون ابن عباس أعلم من عمر ومن علي ومن عبد الله ويعدون ناسا فيشب عليهم الناس، فيقولون: لا تعجلوا علينا، إنه لم يكن أحد من هؤلاء إلا وعنده من العلم ما ليس عند صاحبه، وكان ابن عباس قد جمعه كله.” كان الوعي بالهدف هو الذي يمكن من بلوغ الصدارة في المعرفة، ووجد الحرس القديم من الصحابة أنفسهم عاجزين عن مقاومة التيار، فاعتزل البعض منهم كأبي ذر الغفاري، بينما التزم البعض الآخر بالسكوت، “فكان أكثر التابعين يفتون في الدين، ويستفتيهم الناس، وأكابر الصحابة حاضرون يجوزون لهم ذلك. “ والسبب في ذلك أننا أمام هدف معين ما كل احد يعيه. و لهذا قال مالك بأنه أدرك سبعين ممن يحدث كل واحد منهم عن الصحابة مباشرة ولم يأخذ عن واحد منهم، رغم أنهم عدول لكنهم ليسوا أهلا لهذا الشأن. أي أنهم لم يستوعبوا الهدف الذي يطلبه مالك من وضع قوانين معينة من أجل المفاهيم.
أما بالنسبة لأثر هذا الهدف في السنة، فقد اختزلت السنة في نسبة قليلة جدا وتم إلغاء أكثريتها الساحقة رغم صحتها.
وبالنسبة لرواة الحديث، فقد أقروا بأنهم لم يحدثوا بجميع ما يعرفون من السنة. فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاء ين، أما أحدهما فبثثته، وأما الأخر فلو بثثته لقطع هذا الحلقوم» ، فلعل أحد هذين الوعائين هو السنة التي تتعارض مع القوانين المراد إثباتها. وعن أنس بن مالك أنه قال «إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من كذب على متعمدا فليتبوأ معقده من النار .» وقال مالك ابن أنس اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إماما أبدا وهو يحدث بكل ما سمع ، وقيل لشعبة بن الحجاج: مالك لا تروى عن عبد الملك ابن أبي سليمان وهو حسن الحديث؟ فقال من حسنها فررت. وقال مسلم «ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه 2» وقال أهل الحديث في علم الاصطلاح: قولنا حديث صحيح أي صحيح على شروطنا وقد لا يكون كذلك في نفس الأمر، وكذلك القول في الحديث غير الصحيح.
وبالنسبة للمؤلفين في الحديث فقد رووا أقل جدا مما جمعوا، فيروى أن مالكا روى مائة ألف حديث ، جمع منها في الموطإ عشرة آلاف، ثم لم يزل يعرضها علي الكتاب والسنة ويختبرها بالآثار والأخبار حتى رجعت إلى خمسمائة. في هذا الكلام أن الحديث يعرض على السنة، ومعلوم أن السنة هي الحديث وبالتالي فالسنة في العبارة السابقة هي القوانين المرشحة لصنع المفاهيم.
وجمع البخاري مائتي ألف حديث، ومسلم ثلامائة ألف حديث بينما كتبهما تشتمل على أربعة آلاف حديث أصول دون المكرر.
ومما يدل أخيرا، على أن المقصود بالسنة ليس سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، بل السنة كما تتماشى مع القوانين المرشحة للعمل ما يذكر من رفض الأئمة أنفسهم أحاديث صحيحة رووها برواية صحيحة.
فرد مالك حديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا، وقال: جاء الحديث ولا أدري ما حقيقته، وكان يضعفه ويقول يؤكل صيده فكيف يكره لعابه، ورد حديث خيار المجلس، وقال: ليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه. ورد أبو حنيفة هذا الحديث أيضا كما رد خبر القرعة.
إذن تمثلت أنسنة الشريعة في درجة أولى، في المكانة التي أعطيت للسنة على حساب القرآن، وذلك في مرحلة أولى لتقريب المفاهيم من الإرادة البشرية، إذ اعتبرت السنة هي دستور القرآن. فتبين مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عمومه. قال الشافعي: «فكل من قبل عن الله فرائضه في كتابه قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه وأن ينتهوا إلى حكمه، ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل، لما افترض الله من طاعته » فالقرآن جاء بعناوين المفاهيم، كالنص على وجوب الصلاة، والزكاة، وتحريم الزنا والسرقة، بينما قامت السنة بوضع حدود لهذه المفاهيم، لذلك في المقارنة بين القرآن والسنة اعتبرت السنة في مجال الأحكام أهم من القرآن، فقال عمران بن حصين لرجل اعترض على السنة: «إنك رجل أحمق، أتجد في كتاب الله الظهرأربعا، لا يجهر فيها بالقراءة، ثم عدد إليه الصلاة والزكاة ونحو هذا ثم قال أتجد هذا في كتاب الله مفسرا إن كتاب الله أبهم هذا وإن السنة تفسير ذلك »
وقيل لمطرف ابن عبد الله ابن الشخير: لا تحدثونا إلا بالقرآن فقال مطرف: والله ما نريد بالقرآن بدلا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرأن منا. وقال الأوزاعي القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن.
إذن في المرحلة الأولى من الأنسنة تم تحييد القرآن لتحل السنة مكانه، والسنة هنا ليس كل السنة، بل السنة حسب حدود معينة كما مر سابقا، ولذلك اعتبر القرآن في الرسالة للشافعي ظني ومحتمل، كما اعتبر مع الأصوليين عمومات ظنية تحتاج إلى بيان من السنة. أما في المرحلة اللاحقة من الأنسنة فستبين الاجتهادات عند الأئمة السنة نفسها وتحل محلها كما حلت السنة محل القرآن.
وهكذا، فإذا كانت السنة تبين القرآن، فإن اجتهادات الأئمة تمثل بالنسبة للسنة ما تمثله السنة بالنسبة للقرآن، فهي تخصص عمومها وتقيد مطلقها وتبين مجملها، وفي مرحلة لاحقة أيضا سيمثل مجتهدو المذاهب نفس الدور بالنسبة لمذاهب أئمتهم في سلسلة من النفي ونفي النفي، وكما تدين تدان.
وهكذا فإذا كانت نسبة القرآن في بيان المفاهيم قليلة جدا بالنسبة للسنة، فإن نسبة بيان هذه الأخيرة قليلة جدا بالنسبة لاجتهادات الأئمة. فما حصل هو أنه بعد تحييد القرآن من أجل السنة وقع تحييد السنة أيضا من أجل رؤى ومواقف واجتهادات الأئمة.

نقلا عن الأخبار