مشاهدة النسخة كاملة : المشروع الصهيوني يتقهقر (يوسف مكي)


ابو نسيبة
06-02-2011, 06:35 PM
المشروع الصهيوني يتقهقر (يوسف مكي)

في 15 مايو (أيار) مرت ذكرى اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين، عام 1947م. وكان اغتصاب فلسطين هو المحطة الثانية، بعد وعد بلفور، على طريق تنفيذ المشروع الصهيوني الكبير. وهذه الأيام تصادف ذكرى مأساة عربية أخرى، هي نكسة الخامس من يونيو/حزيران عام 1967م.
الملامح الرئيسية لهذه المحطات الثلاث، أنها جميعاً استهدفت الأمة، ولم تستهدف فلسطين بعينها. لقد حدثت جميعها في مرحلة انتقال رئيسي في التاريخ العربي، وارتبطت محطتا وعد بلفور والنكبة، بنتائج حربين كونيتين. وكان التوافق الدولي، بالضد من حق الأمة العربية في الحرية والانعتاق عاملاً أساسياً في تحققهما. والملمح الآخر، هو أن هذه المحطات الثلاث قد حدثت في ظل وهن وعجز عربي، عن مواجهة هذه التحديات. وكان لكل محطة إسقاطاتها على الواقع العربي بأكمله.
جاء وعد بلفور متزامناً مع اتفاقية سايكس- بيكو ليضع الحجر الأساس، في الربط بين مشروع التحرر العربي، وتحقيق النهضة وتحرير فلسطين، وليجعل من تحرير فلسطين قضية العرب المركزية. وكانت نتائج الحرب الكونية الأولى، قد قسمت المشرق العربي، بين الاستعمارين التقليديين، البريطاني والفرنسي. أما النكبة فأخذت مكانها بعد اتضاح معالم الخريطة السياسية لهذا الجزء من العالم، بعد الحرب الكونية الثانية، وبشكل خاص، انزياح الاستعمار التقليدي، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة عسكرية عظمى، لا تضاهيها أي قوة أخرى فوق كوكبنا الأرضي.
ومرة أخرى، كان المشروع الصهيوني، متلازماً مع مشروع إعاقة مشروع التحرر الوطني في البلدان العربية، ليتأكد مجدداً تلازم النضال بين مشروعي النهضة وتحرير فلسطين. الفارق بين المحطتين، أن الأولى كانت برعاية بريطانية، أما الثانية فحدثت بعد تقهقر المشروع الاستعماري البريطاني، ولذلك كان الدور الأمريكي، أساسياً بامتياز.
أما المحطة الثالثة، نكسة الخامس من يونيو/ حزيران عام 1967م، فقد مثلت انتقالاً استراتيجياً في الصراع العربي- الصهيوني، وجعلت النظام العربي الرسمي، في القلب من الصراع. لقد كانت النكسة حدثاً مروعاً ومدوياً في التاريخ العربي، ليس فقط لأن الصهاينة حصدوا فيها مساحات تماثل أكثر من ثلاثة أضعاف من مساحة الأرض التي سطوا عليها في نكبة عام 1948، وأسسوا فوقها كيانهم الغاصب، بل من حيث تداعياتها وإسقاطاتها على الواقع العربي بمجمله، وبضمن ذلك منظوماته الفكرية والسياسية والنهضوية.
كان جرس الإنذار معلقاً دائماً فوق صدورنا، وكانت التهديدات ماثلة باستمرار أمامنا. فقادة العدو لفرط عنصريتهم، واعتدادهم بما يملكون من أرصدة وأوراق وتحالفات، ومساندة على صعيد صناع القرار الدولي، لم يترددوا في الكشف عن مشاريعهم، لقد كنا من وجهة نظرهم مجرد قطيع عاجز عن الحركة والفعل، وفي أحسن الأحوال، فإننا نتصرف بوحي من قانون الفعل ورد الفعل. وقد استقر في الذاكرة الجمعية لعتاة المشروع الصهيوني، "أن العرب شعب لا يقرأ". وهو تعبير ردده موشي دايان وزير الحرب "الإسرائيلي" أثناء عدوان يونيو، وبعد النكسة.
كان العرب، لا يزالون منهمكين، في رحلة البحث عن مشروع وعن هوية، وأيضاً عن موضع قدم يليق بهم. وكانت الصراعات تتلفع بأشكال جديدة، سياسية واجتماعية، مجسدة هشاشة الهياكل وضعف مقاومتها أمام مختلف أنواع التسلل والغزو. وكانت النتيجة، أنه فرض علينا الدخول في مواجهة عسكرية غير متكافئة لم نكن مستعدين لها، بينما أعد لها العدو كل عناصر التفوق.. وهكذا انتهينا بالنتائج الكارثية للنكسة.
لم يكن ما تمخض بالميدان من نتائج سوقية هو الأخطر في المعادلة الجديدة، بل تداعياته وإسقاطاته على الواقع العربي، وبضمن تلك تداعيات منظوماته الفكرية والسياسية. وكانت ملامح هذه التداعيات قد بدأت تفصح عن نفسها مبكراً، في الآداب والفنون العربية، بعدما يفترض أنه اليقظة و"عودة الوعي" على حقيقة النكسة. واتخذت الهجمة على الأمة طابعاً سادياً وعدائياً، شملت عناصر فعلها وحيويتها ونهضتها، بما في ذلك إبداعاتها وثقافاتها وإسهاماتها الإنسانية، ونجاح خططها في البناء والتنمية، وأيضا تضحياتها ومقاومتها للغزو الخارجي وتمكنها من طرد الاستعمار التقليدي في بقاع عربية كثيرة، وكان الأخطر أن التاريخ العربي الحديث كله اختزل في نتائج النكسة.
منذ النكسة، وحتى موسم الثورات، التي أكدت حضورها منذ بداية هذا العام، سادت ثقافة التفريط والتسليم، واعتبرت المقاومة خرافة، ومقاومة الاحتلال وهما وعدمية، من قبل قطاع واسع من المثقفين العرب. واعتمدت السياسات العربية، تغليب السلم على الأمن، وأصبحت الحقوق تتآكل بشكل مطرد في متتاليات تتجه إلى الأسفل، حتى لم يعد لدينا ما نتفاوض عليه. وغدا التفتيت والتناحر والانقسام طابعا للعقود الأخيرة، وبشكل خاص منذ عام 1990م، بعد تفجر حرب الخليج الثانية. وعلى الصعيد الفلسطيني، بلغ الانقسام حدته بالاقتتال بين حركتي فتح وحماس، وعجز النظام العربي عن فعل أي شيء لمساعدة الشعب الفلسطيني، في إنجاز حقه في الحرية وتقرير المصير. وبلغ العجز العربي، أوجه بحصار غزة وإغلاق معبر رفح.
من حقنا أن نتفاءل بفجر عربي جديد، وأن تفتح الآمال على مصاريعها في ما يتعلق بمسألة تحرير فلسطين، رغم كل ما يبدو من غطرسة قوة، ومن انحياز كامل للإدارة الأمريكية للمشروع الأمريكي، عبّر عنه بوضوح خطابا الرئيس الأمريكي أوباما الأخيران. فما حدث في الشهور الأخيرة لم تكن انقلابات أطاحت بنظم سياسية، وأقامت على أنقاضها نظماً سياسية أخرى، بل سقوط لثقافة أناخت بقوة على واقعنا العربي، وشلت قدرته على الفعل. ما حدث في جانبه، الإيجابي، رغم كل الصعوبات، هو عملية تطهير للنفس العربية، من أدران العجز والاستسلام والتفريط بالحقوق. وقد اتضحت بشائره للقاصي والداني، بتوقيف صفقة الغاز المصري للكيان الغاصب، وبالإعلان عن الفتح الدائم لمعابر رفح، وبالمصالحة الفلسطينية، وبتظاهرات ضخمة في ميدان التحرير، تهتف لعروبة فلسطين، وتطالب بطرد السفير "الإسرائيلي" من أرض الكنانة.
بشائر تقهقر المشروع الصهيوني، لا زالت في بدايتها، لكن أهمها أنها نقلت مركز الجاذبية في صنع القرار من الأعلى، إلى الغالبية من الجمهور. ومكنت الشعب العربي، من عبور برزخ الخوف والذل والمهانة، إلى برزخ آخر، ينقل الحلم من إرادة كامنة إلى واقع يدفع بالفلسطينيين إلى عبور الحدود نحو فلسطين، على كافة الجبهات. إنه موسم ربيع وتجدد أمل بانتفاضة فلسطينية جديدة تقربنا من حلم تحرير فلسطين، والتقدم العربي نحو البناء والتنمية، ليستمر التلازم ولكن بطريقة مغايرة، بين جدل النهضة ومشروع تحرير فلسطين، كما كان الأمر دائماً وأبداً، منذ تطلع العرب، قبيل الحرب الكونية الأولى إلى فك قيودهم والإمساك بزمام مقاديرهم.

نقلا عن المركز الفلسطيني