مشاهدة النسخة كاملة : الرافعة التاريخية التي تنتظر الإصلاح (علي بدوان)


ابو نسيبة
06-02-2011, 02:20 AM
الرافعة التاريخية التي تنتظر الإصلاح (علي بدوان)

مع نهاية شهر مايو 2011 تدخل منظمة التحرير الفلسطينية العام الثامن والأربعين من عمرها، قاطعة زمناً مديداً من التحولات العميقة السياسية والفكرية والتنظيمية في بناها وهياكلها وبرامجها، وبعد أن اجتازت عشرات المنعطفات والمطبات الهائلة التي كادت أن تقضي عليها وأن تطيح بها كعنوان رئيسي معنوي و(كياني-تمثيلي) وسياسي وكفاحي للشعب العربي الفلسطيني وذلك على امتداد العقود الماضية التي شهدت غلياناً مستمراً على جبهة الحضور الفلسطيني في الصراع مع الاحتلال ومع المشروع الصهيوني على أرض فلسطين.
التأسيس بقرار عربي... ولكن
ومن نافل القول، بأن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وان جاء بقرار عربي اثر أعمال مؤتمر قمة الإسكندرية العربية بدايات العام 1964، إلا أن الأساس في تأسيس المنظمة جاء بفعل الصعود الكفاحي الهائل الذي تنامى داخل أوساط الشعب الفلسطيني، وتحديداً من داخل مخيمات اللجوء والشتات فوق الأرض العربية المجاورة لفلسطين في سوريا ولبنان والأردن ومن داخل قطاع غزة الذي بات بعد النكبة يضم أعداداً كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين الذي وفدوا إليه من مناطق يافا واللد والرملة، وقد ترافق مع الإعلان الرسمي العربي عن قيام المنظمة انبعاث البدايات والإرهاصات المتتالية للثورة الفلسطينية المعاصرة التي أطلقت شراراتها الأولى حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) وجناحها العسكري قوات العاصفة فجر اليوم الأول من يناير 1965، وان سبقتها بعض التشكيلات الفدائية الفلسطينية في القيام ببعض الأعمال الفدائية هنا وهناك، كجبهة التحرير الفلسطينية بقيادة الضابط الفلسطيني أحمد جبريل، ومجموعة شباب الثأر التي كانت في حينها بمثابة الجناح العسكري لحركة القوميين العرب بقيادة الشهيد الدكتور وديع حداد، والتي أسسها الراحل جورج حبش، وقد تحولت بعد ذلك إلى العمل تحت عنوان الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مع نهاية العام 1967م.
من هنا، إن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، وان تم بقرار رسمي عربي عمل على استصداره الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في قمة الإسكندرية العربية عام 1964، إلا أن قيامها كان نتاجاً منطقياً للحالة الفلسطينية التي بدأت تعتمل بعد سنوات من النكبة والضياع. فمجموع الوقائع والتطورات التي حفرت أخاديدها في الوسط الفلسطيني، وإرهاصات الكيانية الوطنية، وتلمس ضرورات الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني أمام عمليات الاقتلاع وتذويب الهوية الوطنية، دفعت الرئيس الراحل جمال عبدالناصر للسعي من أجل تبني قرار عربي رسمي بتشكيل منظمة التحرير الفلسطينية بقرار من مؤتمر قمة الإسكندرية العربية عام 1964، في الوقت الذي تواصل فيه نمو وتعاظم الإرادة الفلسطينية لفتح الدروب أمام العمل الفدائي المسلح.
قيام ائتلاف منظمة التحرير الفلسطينية
إن خطوة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، التي تحسب للرئيس جمال عبدالناصر، ولحساسيته العالية في التقاطه اللحظة المناسبة، ترافق معها صعود العمل الفدائي الفلسطيني، وهو ما دفع بالرئيس عبدالناصر لإعلان تشكيل جيش التحرير الفلسطيني تحت قيادة المنظمة، وهو ما فتح الطريق أيضاً أمام إمكانية تحّول منظمة التحرير إلى إطار كياني ائتلافي بين المكونات السياسية والعسكرية الفدائية الفلسطينية التي بدأت في التوالد في حينها، وهو ما كان على أرض الواقع من خلال الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني (برلمان الشعب الفلسطيني) التي عقدت في القاهرة في فبراير 1968 حين شاركت بأعمالها كل القوى الفلسطينية الوليدة، وانتهت الأمور باندماجها جميعها في إطار ائتلاف وطني فلسطيني عريض اسمه منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وهو ما دفع برئيس المنظمة المرحوم أحمد الشقيري للتنحي وتعيين يحيى حموده كرئيس مؤقت (ثلاثة أشهر) إلى حين تسلم الرئيس الراحل ياسر عرفات موقعه كرئيس للمنظمة.
وبالمحصلة، لم يكن قيام منظمة التحرير في إطار الرسمية العربية وبترحيب منها ودخول القوى المقاتلة إلى عضوية وقيادة المنظمة وتحويلها إلى ائتلاف للجميع ليأتي دون مقدماته الكفاحية الفلسطينية، ودون إجماع شعبي فلسطيني ملموس، فقد جاء تأسيسها استجابة مباشرة وعملية لحالة قائمة ونامية في الوضع الفلسطيني ذاته آنذاك. فكل التطورات والتفاعلات داخل فلسطين في مناطق الضفة والقدس والقطاع، وحتى داخل المناطق المحتلة عام 1948، وعموم مواقع اللجوء الفلسطيني كانت تؤشر إلى مجموعة من الحقائق الحسية التي تنذر بالمخاض، والمخاض العسير لولادة الكيانية التمثيلية للشعب الفلسطيني بعد سلسلة من التحولات التي أفضت للانتقال من واقع الذوبان الفلسطيني في الإطار القومي العام وتحت سقف الشعارات القومية دون فعل ملموس إلى الجمع بين (الوطني-والقومي) بين (الخصوصية الفلسطينية-والقومية) وبما يحفظ الهوية الوطنية لشعب فلسطين ويظهرها أمام العالم بأسره نقيضاً لمشاريع أسرلة الفلسطينيين في مناطق 1948، وتقاسم ما تبقى من الأرض، وتهجير وتوطين اللاجئين في منافي ودياسبورا الشتات.
وما يهمنا في هذا الجانب، أن منظمة التحرير الفلسطينية التي خرجت عن طوق التأسيس الرسمي العربي، باتت بعد دخول المنظمات الفدائية لعضويتها بمثابة الإطار الكياني التمثيلي للشعب العربي الفلسطيني، وهو ما أكدته قمة الرباط العربية عام 1974، واعترفت به كافة الهيئات الدولية حين عبرت المنظمة البحار ووصلت إلى الأمم المتحدة عندما ألقى الرئيس الراحل ياسر عرفات خطابه الشهير والذي اختتمه بالعبارة المشهورة (جئتكم بغصن الزيتون وبندقية الثائر... فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي... لا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي).
إلا أن المتتبع لمسار وسياسات المنظمة، يدرك أن الكثير من الالتواءات قد وقعت في مسارها، وأن الكثير من الأمراض الخطيرة كادت أن تودي بها، خصوصاً بعد انطلاق تسوية (مدريد-أوسلو) عام 1991 وبعد توقيع اتفاق أوسلو الأول في سبتمبر 1993، حين طالبت إسرائيل بالقفز عن منظمة التحرير الفلسطينية وعن دورها التمثيلي والتعبيري لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وإحلال السلطة الفلسطينية مكانها وبالتالي شطب الشتات الفلسطيني بالكامل، وهو ما كرره اسحق رابين حين شبه المنظمة بالوكالة اليهودية التي انتهت مع قيام الدولة العبرية الصهيونية.
المسعى الإسرائيلي لشطب المنظمة
وبالتأكيد، فان المسعى الإسرائيلي من وراء الدعوة لشطب منظمة التحرير تكمن في شطب المعاني التي تحملها المنظمة باعتبارها السلطة العليا المسؤولة عن الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وأن مرجعية السلطة الفلسطينية هي منظمة التحرير بالذات.
وعليه، يمكن للمتابع أن يدقق جيداً بمسار الضغوط الكبرى التي مورست على الشعب الفلسطيني من أجل إنهاء صيغة منظمة التحرير واستبدالها بصيغة السلطة الفلسطينية، مع شطب وإلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني الذي يشكل الأساس الراسخ لوحدة الشعب الفلسطيني، ووحدة قضيته الوطنية وترابه الوطني وامتداده وعمقه العربي والإسلامي والمسيحي.
فقد بلغت تلك الضغوط درجات غير مسبوقة، عندما دفع الرئيس الأميركي الأسبق (بيل كلينتون) نحو عقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني في غزة عام 1996 والقدوم شخصياً إلى غزة وحضور اجتماع من حضر من أعضاء المجلس من أجل إقرار إلغاء أكثر من (15) مادة من مواد الميثاق الوطني الفلسطيني، وبالتالي إفراغ منظمة التحرير من مضمونها ومن معناها الحقيقي الذي قامت عليه واستندت إليه.
إضافة إلى ذلك، فان الهجمة الكبرى التي شنت من الطرف الإسرائيلي من اجل شطب وإنهاء المنظمة ومعناها التمثيلي والتعبيري وإلغاء مكانتها، ترافقت مع إهمال فلسطيني لأوضاعها، حيث أصيبت مؤسساتها المختلفة بالتهميش، والترهل، وعدم الانتظام في أعمالها، وطغيان دور السلطة الفلسطينية على دورها المناط بها كإطار قيادي أول لكل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، وقد تحسس أبناء الشعب الفلسطيني خارج فلسطين هذا التراجع في دور المنظمة، وانعكاساته على أوضاعهم، خصوصاً في لبنان حيث يعاني ويكابد الفلسطينيون هناك بشكل غير مسبوق جراء الأوضاع المحيطة بهم وجراء حالات الحرمان التي يعانون منها نتيجة القوانين اللبنانية التي أصابتهم بالظلم والتعسف والإجحاف كالحرمان من العمل في غالبية المهن، وغير ذلك.
رد الاعتبار لدور المنظمة
في هذا السياق، فان توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية مؤخراً في القاهرة، تضمن عنواناً رئيسياً يتمثل بالعمل من اجل إعادة بناء وإحياء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وتوسيع إطارها الائتلافي ليضم إليه حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مجموع القوى التي تشكل الآن ائتلاف المنظمة وهي (حركة فتح، الجبهة الشعبية، الجبهة الشعبية-القيادة العامة، جبهة النضال الشعبي، جبهة التحرير العربية، جبهة التحرير الفلسطينية، الجبهة العربية، حزب الشعب (الشيوعي)، حزب فدا، منظمة الصاعقة، الجبهة الديمقراطية) إضافة لحل مشاكل المنظمة المستعصية والتي تراكمت خلال السنوات الطويلة الماضية.
وبديهي أن العنصر الأساسي لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وبلورة قيام القيادة السياسية العليا للشعب الفلسطيني من رحم المنظمة وإعادة الاعتبار لدورها التاريخي، يتطلب العمل على انجاز برنامج سياسي متفق عليه، ويحظى بتأييد القوى الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القوى الاجتماعية الفلسطينية حيثما وجدت.
فالبرنامج الوطني، الائتلافي الموحد، هو الذي يشكل المدخل لإعادة تكوين وبلورة القيادة السياسية للشعب الفلسطيني، داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وبمشاركة جميع قوى الشعب الفلسطيني.
من هنا، إن الحديث عن التمسك بمنظمة التحرير الفلسطينية، كمرجعية وطنية كما هي في واقع الحال، يقتضي التحرك والعمل لإعادة بنائها لتقوم بدورها الحقيقي والتاريخي، بتمثيل الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده، وبتأكيد وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة أرضه، واعتمادها قولاً وعملاً كمرجعية عليا للشعب الفلسطيني، وكمرجعية عليا مسؤولة عن السلطة الفلسطينية. فالسلطة الفلسطينية تمثل فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1967، أما منظمة التحرير فتمثل كل الشعب الفلسطيني على امتداد ارض فلسطين التاريخية وفي الشتات الذي يضم أكثر من نصفه.
أخيراً، إن منظمة التحرير الفلسطينية التي شكّلت رافعة تاريخية في المسار الكفاحي للشعب الفلسطيني بحاجة ماسة الآن لإعادة بنائها وإصلاحها، ورد الاعتبار إليها، كما نص اتفاق المصالحة.

نقلا عن المركز الفلسطيني