مشاهدة النسخة كاملة : المصطفي ولد الامام الشافعي { مقابلة }


ام خديجة
06-01-2011, 08:12 AM
المصطفي ولد الامام الشافعي في مقابلة مع الأخبار

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=333w__dsc00062.jpg

المصطفى ولد الإمام الشافعي أثناء إجراء المقابلة مع مدير يومية بلادي موسى ولد حامد (يمين) والمدير التنفيذي لوكالة الأخبار الهيبة ولد الشيخ سيداتي (الأخبار)

رجل أسرار إفريقيا، والهامس في أذن القاعدة، ومستشار الزعماء الأفارقة، ورجل الأعمال والدبلوماسي النافذ، صديق الرؤساء والمعارضين، المصطفى ولد الإمام الشافعي، موريتاني مولود في النيجر في أسرة وصفها ابن خلدون موريتانيا المختار ولد حامدن بأنها "ملجأ اللهفان والجائع والظمآن، قل حاج في البر إلا ومر بهم وواسوه، ولا تجار هناك إلا وأعانوه وآووه".

يتقن المستشار الإفريقي لعدد من الرؤساء اللهجة الحسانية؛ بل ويعشق أمثلتها، كما أنه صديق مقرب لعدد منا قادتها السياسيين، تلقى تعليمه في موريتانيا، وأحبها بصدق، وووري جثمان والدته فيها.

يحب الرجل موريتانيا ويحتفظ في ذاكرته بالكثير من الأحداث عن موريتانيا، وكان فاعلا مهما في إزاحة أقوى دكتاتورية عرفتها البلاد، خلال عمر دولتها القصير، من خلال "رعاية" فرسان التغيير وقادة انقلاب الثامن يونيو 2003، ونتيجة حبه لموريتانيا فهو يرفض الحديث في شأنها مع غير الموريتانيين، وهو ما ولد له متاعب مع أصدقاء مقربين لم يكن آخرهم القذافي إبان وساطته في الأزمة الموريتانية 2009.

للرجل علاقات واسعة في إفريقيا وفي الصحراء، وتفاصيل عن أحداث إفريقية كبيرة، كان آخرها الخلاف الإفواري الذي حسم لصالح "واتارا" صديق الرجل بل وأخيه الأكبر كما يفضل أن يلقبه، يوصف الرجل بأنه صديق الرؤساء ومع ذلك يحتفظ بعلاقات ممتازة مع المعارضين، كما صاحب الوساطات الناجحة في إنقاذ أرواح الرهائن الغربيين من أدغال الصحراء ورصاص مسلحي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والأمهر في كواليس خلافات الأفارقة وأسرار حروبهم، وطرق المصالحة بينهم.

يتحدث الرجل –في مقابلاته- بتحفظ الدبلوماسي وحصافته، وحذر رجل الأمن وقوة استشعاره، دون أن يؤثر كل ذلك على بساطة يبدو أنها جزء من طبعه، فالرجل –رغم ما يمسك به من ملفات- تتعلق بأغلب أماكن النزاع في إفريقيا، يحمل معه هتافا واحدا، ويوزع رقمه الخاص على الجميع، من بواب الفندق إلى البائع المتجول، ويتحدث مع الجميع بعفوية وبساطة لا تتصور على أمثاله.

يشتهر رجل إفريقيا بعشقه للفن التشكيلي، ويقول عن نفسه إنه يحرص على زيارة معارضه وأماكن بيعه في كل الدول التي يزورها، بل واقتناء بعد اللوحات التي الجميلة التي تنال إعجابه، كما يحتفظ في بيته بلوحات تخلد مشاهد من كل الدول الإفريقية تقريبا.

لولد الشافعي أحاديث متعددة مع الأخبار، رأى بعضه النور خلال الأعوام الماضية، فسلك طريقه إلى صفحات القراء، وحجبت الظروف عددا آخر، فظل حبيس ذاكرة التسجيل أو أوراق المكتب.

يأتي حديثه إلى وكالة الأخبار اليوم استجابة لطلب للمقابلة، جاءت الإجابة إليه بعد حوالي نصف عام من توجيهه، فإلى نص المقابلة:




الأخبار - مصطفى ولد لمام الشافعي، رغم شهرتكم الكبيرة في القارة الإفريقية وحتى في العالم، إلا أن بعض الموريتانيين لا يعرفون عنكم الكثير، والبعض منهم ليس لديه عنكم سوى صورة مشيطنة ومتناقضة لصانع انقلابات وحركات تمرد، وصديق للرؤساء والمعارضين؟ كيف تعيشون هذه المفارقة؟

ولد الشافعي: بخصوص من يعرفونني فإنهم سيحدثونكم عن تشبثي بمبادئ وقواعد الشرف ولاسيما قيم الوفاء والصداقة واحترام الالتزامات. وأنا أعمل ضمن هذه الحدود مهما كلفني ذلك. وأكره ما أكرهه في العالم هو تمجيد الرجال خاصة إذا لم يحوزوا من الخصال غير الاستيلاء على السلطة عبر القوة. ولو كنت صانع انقلابات وحركات تمرد لما كنت حظيت بكل الثقة التي أحظى بها اليوم. أما صانعو الانقلابات فهم معروفون ويتشبثون بالسلطة، خاصة عندنا في موريتانيا، رغم العواقب الأليمة والثمن الباهظ الذي تدفعه الأمة.
ا


الأخبار - منذ آخر ظهور إعلامي لكم في العام 2009 لم توافقوا على مقابلة أي وسيلة إعلام موريتانية فما الذي يبرر موافقتكم اليوم على الحديث؟

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=222w__chafi_1.jpg

تتحدث الصحافة الغربية عن علاقات واسعة وناجحة للرجل، وتصفه بأنه "الرجل الذي يهمس في أذن القاعدة" (الأخبار)

ولد الشافعي: رغم معارضتي لانقلاب 6 أغسطس 2008 وتشاؤمي إزاء قدرة الجنرال [محمد ولد عبد العزيز] على تسيير البلاد، فقد قررت، رغم كل ذلك، منح فرصة للعسكريين، ومراقبتهم وعدم القيام بأي عمل أو تشجيعه ضدهم وإتاحة الفرصة لهم لأداء مهمتهم آملا أن يتمكنوا، على علاتهم وضعف خبرتهم، برجال ونساء ذوي خبرة وتجربة تساعدهم على تحقيق نجاحات، من أجل الخير لموريتانيا. وللأسف، كانت الحصيلة مُرة، فالوضع الاقتصادي والاجتماعي يتدهور بشكل لم يسبق له مثيل منذ استقلال البلاد. وفي الوقت الذي تتأرحج فيه السفينة وتكاد تغرق بدا لي أن من واجبي الذي أرى أنه يفرض نفسه علي، أن أطلق صرخة تحذير إلى مواطني.


الأخبار - تعيشون في أفريقيا، فما الذي تعنيه بالنسبة لكم موريتانيا؟

ولد الشافعي: أنا أعيش في أفريقيا رغم أنني أعيش في موريتانيا لحظة بلحظة! وأكابد عذابات وشقاء الموريتانيين. ولا تمر ثانية ولا دقيقة ولا ساعة إلا وقلبي يخفق على إيقاع ما يحدث في موريتانيا. وأمي، التي تمثل أغلى ما عرفت من حب، مدفونة بموريتانيا. وكل ليلة قبل أن أنام أدعو لها ولكل مواطني الذين رحلوا عنا.
وكذلك والدي يعيش في موريتانيا وإخوتي وأخواتي وكل من هم قريبون مني يعيشون هناك. كما أنني أعيش موريتانيا أيضا كل يوم في أفريقيا لأنني أعيش بين الموريتانيين المغتربين من كل المجموعات والأوساط الاجتماعية مختلطة. وقليلة هي الأحداث التي لا تصلني حتى تلك التي يتم التكتم عليها ومهما تعلقت بشكل يسير بموريتانيين. وأنا حاضر، بطريقتي الخاصة، من فصاله نيري حتى انواذيبو، ومن بابابي حتى بير أم اكرين.


الأخبار - يقال إن لديك ثروة طائلة، ما مصدرها وفيم تستخدمها؟

http://www.alakhbar.info/index.php?rex_resize=333w__chafi.jpg

ولد الشافعي مع الرئيس الإفواري وصديقه الشخصي أو أخيه الأكبر كما يلقبه الحسن واتارا (أرشيف الشافعي)

ولد الشافعي: حين تقولون لي إني ثري فإني لا أدري عن أي معاني الثروة تتحدثون. أحمد الله على الثروة التي أعطاني، والتي هي الأهم والتي هي أفضل ما أعتز به، ألا وهي الإيمان به. إن إيماني بالله هو اليوم أقوى من أي وقت مضى، ولا شيء يزعزعني في هذه الدنيا. لقد وفر لي والداي تعليما دينيا وعلموني احترام الجميع وحب المساكين. وأعتقد أن كل هذا يشكل أكبر الثروات، فالحمد لله حمدا كثيرا.

أما ما أعطاني الله من متاع الدنيا فأحاول تقاسمه مع الآخرين، لأني لن أذهب به معي إلى قبري. لا أهتم بتكديس الأموال، رغم انتمائي إلى أوساط تجار معروفين. ولم أتقلد يوما أي منصب يتيح لي تسيير أموال عمومية، كما لم أقم بأي نشاط محرم. بدأت مساري المهني في صناعة الطوابع البريدية مع شركاء أمريكيين وهو عمل جميل وسري استطعت الحصول منه خلال أعوام على ما يكفي من الأموال. ثم تطورت بعد ذلك إلى أنشطة أخرى كلها شريفة ومربحة وأتكتم عليها التزاما بوصية النبي صلى الله عليه وسلم "استعينوا على أموركم بالكتمان". ومقارنة بثروة الجنرال عزيز، فإني لا أملك أي درهم إلا وهو أشد حلية وأبعد بكثير عن الشبهات.


الأخبار - تتحدث شائعات أيضا عن وقوفكم وراء أنشطة تمرد في موريتانيا بمساعدة رجل الأعمال محمد ولد انويكظ...

ولد الشافعي: سوف أروي لكم نكتة مضحكة إلى حد بعيد وقد طرحتم علي هذا السؤال. التقيت في 21 مايو في ياماسكرو أثناء حفل تنصيب الرئيس الحسن واتارا برجل أعمال ثري في المنطقة، له أنشطة بنكية وصناعية وبترولية وهو من أثرى الشخصيات في القارة وكان رفقة شاب موريتاني مصلوع ويرتدي بذلة بسيطة للغاية. وقد تفاجأ صديقي، رجل الأعمال الذي أعرفه منذ فترة طويلة، أني والرجل الذي كان برفقته لسنا متعارفين ولم نلتق من قبل. وحينها قدم لي زميله، رجل الأعمال محمد ولد انويكظ كما قدمني أنا أيضا إليه. ولم يشأ ولد انويكظ، الذي بدا واضحا عليه الارتباك، أن يتحدث إلي وهو أمر أتفهمه.


الأخبار - كنتم إلى جانب الرئيس الموريتاني من المدعوين لحفل تنصيب "أخيكم الأكبر" واتارا. فهل قابلتم ولد عبد العزيز؟

ولد الشافعي: لم أكن مهتما بلقائه.


الأخبار - كيف تتمكنون من المحافظة في إفريقيا على علاقات ممتازة أحيانا (وشخصية) مع رؤساء الدول والفنانين والرياضيين ورجال الأعمال وشخصيات من مختلف الآفاق فيما لا تتمكنون من ذلك في موريتانيا؟

ولد الشافعي: أقيم علاقات ممتازة ومحترمة في موريتانيا مع الكثير من الشخصيات مثل الشيخ محمد الحسن ولد الددو الذي أكن له إعجابا كبيرا. كما أن علاقاتي ممتازة منذ سنوات مع مسعود ولد بلخير وأحمد ولد داداه ومحمد ولد مولود وصار إبراهيما وصالح ولد حننا من بين آخرين. كما أقمت علاقات حميمية مع اعلي ولد محمد فال وسيدي ولد الشيخ عبد الله ومحمد خونه ولد هيداله.


الأخبار - وما ذا عن ولد عبد العزيز؟
ولد الشافعي: أفضل –إذا تكرمتم- عدم الإجابة.


الأخبار - وكيف تقيمون الرئيس الأسبق سيدي ولد الشيخ عبد الله؟


ولد الشافعي: إلى جانب الخصال الحميدة كالوطنية والصبر التي يتحلى بها الرجل، يمكن ملاحظة ثلاثة أبعاد من شخصيته تؤهله للحكم الصالح: فقد كان دوما ينأى بنفسه عن النزاعات والحزازات الشخصية، ولم يكن يتتبع الزلات الحقيقية أو المتوهمة للناس، ولم يكن مهتما بجمع المال بل كان صوفيا تدفعه تربيته إلى البحث المستمر عن الصفاء الروحي. وهكذا كان يتجنب، على سبيل المثال، التدخل في مسار إرساء الصفقات العمومية أو منح رخص الصيد كما كان يترك لوزرائه أن يختاروا دون تدخل من الرئاسة. لأنه كان يؤمن بقيمة الحكامة بين المؤسسات ويحترمها. وينتمي ولد الشيخ عبد الله إلى مدرسة المختار ولد داداه وحس الكرامة لديه وروحه المناضلة، والمحصنة ضد المحسوبية وإغراءات الاسترباح.

وباعتداله الفكري والاجتماعي كان يؤمن بالتدرج في معالجة قضايا الحكم. وأثناء فترة رئاسته غير المكتملة، بدأت ورشات لإعادة البناء في البلد وجهد حقيقي في الشفافية تمثل في الاستقلال الذي منح لمفتشية الدولة التي اختير آخر رئيس لها بناء على توجيهات من الرئيس الذي لم يكن يعرفه. كما يمكن أن نذكر ضمن النتائج المرضية لحكمه عودة المبعدين وإصراره على معالجة ملف الإرث الإنساني من العمق وعلى المصالحة الوطنية في إطار روح من الحقيقة والعدالة.

وللأسف، وبسبب استقلاله، الذي جلب له ريبة العسكريين الذين ساعدوه خلال الانتخابات الرئاسية، فقد تم إبعاد ولد الشيخ عبد الله. لقد كان يسعى إلى يمارس كل صلاحيات الحكم باسم الموريتانيين الذين انتخبوه. وشرعيته كأول رئيس منتخب في تنافس تعددي منحه شعورا ساميا بالواجب وقد آمن بذلك حتى النهاية دون أي ضعف حين كان خصومه يراهنون على الانشقاق. وللتاريخ فإن ولد الشيخ عبد الله لم يفشل، بل هو أبعد ما يكون عن ذلك !


الأخبار - ولكن العسكر مع ذلك كانوا حلفاءه الأوفياء وهم من أوصله للسلطة؟

ولد الشافعي: لقد فشل الجنرال محمد ولد عبد العزيز وزمرته العسكرية في إقناع الناس بتأييد المرشح سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لوحدهم أثناء الحملة الانتخابية. وعلى العكس من ذلك شكل دعمهم عنصر تنفير منه أمام الرأي العام بسبب إطلاق صفة "رجل العسكر" غير الموفقة عليه.
وبالتأكيد، فقد كانوا، في تلك الفترة، من أهم الداعمين له، وقد يكون لهم دور في إقناعه بالترشح أصلا، لكنه، حتى رغم هذا الدعم المهم لم يتمكن من تحقيق الفوز بالشوط الأول مما خيب الظن بشأن القوة والتأثير المفترضين للزمرة العسكرية. وهو ما جعل نجاح الرئيس سيد محمد ولد الشيخ عبد الله معلقا على دعم مرشحيْن حصلا على الرتبة الثالثة والرابعة، أي الزين ولد ولد زيدان، ورئيس الجمعية الوطنية مسعود ولد بلخير. إن القول بأن عزيز وأتباعه كانوا وراء فوز ولد الشيخ عبد الله بالرئاسة ينم عن قصر نظر وضعف في تحليل علاقات القوة الانتخابية.


الأخبار - ما هوا تقويمكم للأوضاع الراهنة في البلد؟

ولد الشافعي: للأسف الشديد فهي تتميز بمأزق شامل وفقدان للمصداقية على كل المستويات: فالبطالة تمس كل الفئات العمرية كما يعاني البلد انسدادا سياسيا غير مسبوق. والموريتانيون اكتشفوا بسرعة كون وعود ولد عبد العزيز مجرد سراب بقيعة. لقد وعد عزيز يخفض أسعار الغاز والوقود والمواد الغذائية... إلخ.

واليوم فإن ثمن الغاز المنزلي أغلى بـ30% مما كان عليه، وقد شهد وقود السيارات زيادات متلاحقة خلال أشهر، وكل أسعار المواد الغذائية ارتفعت. وأثناء هذا، فقد وضع هو يده على الصفقات العمومية التي يمنحها لنفسه من خلال شركات واجهات تحت أسماء يمكن التعرف عليها بسهولة. بعد كل هذا، من الصعب بطبيعة الحال على دكتاتور متدرب أن يخضع، في صمت، شعبا ذكيا كشعبنا. نحن شعب قليل العديد ومتعارفون فيما بيننا. في نواذيبو يملك عزيز وشريكه اليوم أكثر من 20 سفينة. إن حربه ضد الفساد تعني إفقار الموريتانيين جميعا، لكنها تعني تكديس ثم تكديس الأموال دائما وأبدا لدى خمس أو ست أشخاص من مساعديه وواجهاته.


الأخبار - وإلام تعزون هذه اللوحة القاتمة التي ترسمونها لأوضاع البلد؟


ولد الشافعي: بعد انقلاب 2005 والانتقال الذي نتج عنه، كانت لنا آمال كبيرة. وقد كنا ننتظر بشوق بداية عهد جديد، لكن الجنرال وانقلابه في 2008 أجبرونا على التنازل عن بعض المكتسبات، ثم التقهقر بعيدا نحو المؤخرة. لقد أعاد إرساء النظام الذي حاربناه جميعا بشجاعة: الديماغوجية، والمغامرات، والأكاذيب، والاضطرابات، وانعدام الاستقرار الإداري، وتشجيع غير الأكفاء. لقد قوى الجنرال الجوانب الأكثر سلبية في عهد ولد الطايع. وكمثال صارخ على ذلك، يختار معاونيه، من بين أضعف الرجال ومن الأقل كفاءة وخبرة.

ولا يتمتع الجنرال عزيز بالقدرات السياسية وخصال القائد التي يتطلبها تسيير بلد هش مثل موريتانيا. إن وجوده على رأس الدولة خطأ في الاختيار كثيرا ما حصل عبر التاريخ وبطريقة مأساوية، وأنا أتخوف من الرجل وأرى أنه لم يرتكب بعد كل ما في جعبته من حماقات.


الأخبار - أنت ومن خلال معرفتك به منذ مدة طويلة، كيف تقيم ولد عبد العزيز كرجل دولة؟

ولد الشافعي: إن عزيز من بين كل من حكموا موريتانيا، بدء بالمختار ولد داداه الذي تستحيل مقارنته بالباقين، هو الوحيد الذي لا يتوفر على أي من خصال القيادة اللازمة كما أن مستواه الدراسي يبدو الأضعف على الإطلاق. وكعسكري، فإنه يظل أحد الضباط القلائل الذين لم يتلقوا أي تكوين حري بالمناصب التي تقلدها. وللأسف الشديد فقد راكم، في تكرار حرفي للنظام الموروث منذ 1978، الترقيات السريعة التي لم تراع في أي لحظة مسار التكوين. لقد قذف بعزيز إلى واجهة التاريخ خلافا لكل قواعد وضوابط الترقي.

تأملوا مثلا في تاريخ الرؤساء الموريتانيين؛ من عهد الرئيس الأول لموريتانيا المختار ولد داداه، واقرأوا سير حياتهم ومساراتهم العلمية والمهنية، ستجدون أن الرئيس المختار ولد داداه كان محاميا، وأن الرئيس محمد خونه ولد هيدالة كانت لديه الباكلوريا، كما تخرج من مدرسة عسكرية، وأن ولد الطائع مدرس وتخرج من مدرسة معروفة، وأن اعلي ولد محمد فال حاصل على الباكلوريا، ولديه شهادات من مدارس عسكرية، وأن سيد محمد ولد الشيخ عبد الله خبير اقتصادي، أما ولد عبد العزيز فليس لديه أي مؤهل علمي، وكل تكويناته كانت في الأمن والحراسة، إذن هو غير مؤهل للقيادة. كما أن كل العسكريين الذين قادوا البلاد جاءوا من قيادة أركان الجيش التي يفترض أن أصحابها لديهم خبرة وتجربة ودراية شاملة، أما أن يأتي حارس الرئيس وينقلب عليه فهذا ما لم يتم قبل ولد عبد العزيز.

كانت مهمته الأساسية تتلخص، كما رآها أسياده المتعاقبون، في مهمة حارس المطبخ، والمتمثلة في ضمان أمن سيده لكون ولائه –كما يفترض- أمرا مفروغا منه.
تصوروا شركة متعددة الجنسيات وصاعدة تقرر أن توفر لمسؤول الأمن لديها كل الوسائل للاضطلاع بمهمته على أكمل وجه بما في ذلك تمكينه من أن يختار بنفسه عناصره وفق معاييره الخاصة، ثم في يوم من الأيام يقرر هذا المسؤول، متقويا بجهازه هذا، أن يقيل الرئيس التنفيذي للشركة وأن يعلن نفسه من جانب واحد المسؤول الوحيد عنها. إن مصير هذه الشركة لن يكون، منذ تلك اللحظة، غير الإفلاس المدوي.

إن هذا بالضبط هو ما حصل في موريتانيا منذ 6 أغسطس 2008 خاصة وأن جنرالنا لا يتمتع بالخبرة ولا باللياقة اللتين قد تعوضان مثالبه. يزعم أنه يقود البلاد، ويدفع بالأمة إلى غد أفضل بينما لا يظهر أي احترام أو تقدير أو حتى تعاطف نحو أي من مواطنيه. أما معاونوه الأقربون فيرزحون تحت وطأة الاحتقار والتكبر وعبادة الأشخاص.


الأخبار - لكي نلخص، ما ذا تنقمون أكثر على العسكريين الذين استولوا على السلطة في موريتانيا؟

ولد الشافعي: لقد عانت بلادنا من تخلف يستحيل تداركه تقريبا فيما يتعلق بالديمقراطية، واجتازت مرحلة من الاضطراب والتقلب والخراب والتراجع على كل المستويات، وذلك تحت كل الأنظمة العسكرية المتعاقبة منذ 1978. وفي 2007، مع انتخاب رئيس مدني وإتاحة حرية الصحافة والتعددية الحقيقية أصبحت موريتانيا البلد العربي الوحيد المعترف به كبلد ديمقراطي مقدمة نموذجا أثار الآمال حتى خارج حدودنا. وللأسف، ظهر من جديد عسكري آخر على المشهد السياسي. وباختطافه البلد كرهينة فقد أرجعه إلى ذيل الركب. أما اليوم، وبينما تهب رياح الحرية والإصلاحات على العالم العربي، فإن موريتانيا تعود إلى عهد الدكتاتورية المظلمة وغياب العدالة والشعبوية والمحاباة والكذب. فالبلد يجد نفسه بين يدي عصابة من الرفاق الأوغاد لا أحد يغتر بهم. أنا بالفعل صديق الرؤساء، وصديق المعارضين كذلك ولكني لا أصادق إلا الزعماء المتسامحين والذين يحترمون مبدأ الاختلاف والكرامة الإنسانية ويفهمون ويقبلون المعارضة ويعلمون كيف يقدرون الجميع.


الأخبار - ساهمتم في إسقاط ولد الطايع وأيدتم ولد الشيخ عبد الله حتى نهاية حكمه وتقولون حاليا إن البلد غير مستقر، فكيف ترون مستقبله؟

ولد الشافعي: بما أن ولد الطايع لم يعد في السلطة فإنني لا أرغب في الحديث عنه. ولم أكن ممن خدموه وليست له علي منة لا في حياتي ولا في مساري المهني، على عكس علاقة الجنرال عزيز به. ومن ثم تلزمني تربيتي ولياقتي ألا أشنع عليه. أرى أن عزيز عاشر ولد الطايع وتملق له بل واستخدم العلاقات العائلية لكي يحظى بالقبول في دائرته. إنه صناعته، وهو مدين له بكل مساره المهني وثروته، ومع ذلك فقد أعطى لنفسه مهمة سبه وشتمه وإهانة عائلتهما ووصفه بشتى النعوت. وهذه هي الطريقة التي يعبر بها أمثال عزيز عن عرفانهم بالجمل.

أما بشأن معارضتي للرئيس المخلوع ولد الطايع فهي تندرج في نضالي ضد نظام للزبونية القبلية، والمحاباة، والفساد، واللاعقاب، والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، نظام للنهب وقمع الحريات، وتزوير الانتخابات ومصادرة المعارضة... إلخ. واليوم يعيد النظام إنتاج ذاته، ولم يتلق أي من كبار فاعليه العقاب الذي يستحق لأن عزيز هو من يحميهم، إنه منهم وهو بالتأكيد أفضل حارس للمنافع التي وجهها في صالحه هو وذويه.

وباختصار، لا أستطيع الخوض في المستقبل السياسي لسلطة عزيز لأنه، في رأيي، لا يملك أي قدرة على البقاء. فالأسس غير الأخلاقية لبناء سلطته تهتز وهذا مصدر انعدام استقرار نظامه وهذه ملاحظة اكلينيكية كما أحسب. بوسعه، في أحسن الأحوال، التفاوض على فترات هدنة تطول أو تقصر لكنها لا تمنح أي أفق ولا حتى ذلك الاستشراف الضروري لما بعد 6 أشهر والذي بدونه ينحرف كل عمل سياسي إلى مجرد ممارسة هاوية. إن عزيز مجرد هاو معلق في عجلة من التاريخ. لست بالتأكيد قويا جدا في "الميكانيكا"، ولكن التجربة تعلمنا أن مثل هذه التصرفات لا يستمر طويلا.


الأخبار - ما هي وجهة نظركم حول الأحداث الحالية بموريتانيا وخاصة تحركات الشباب؟
ولد الشافعي: الشباب الموريتاني واع ومتحضر وعلى اتصال بالعولمة الإعلامية والتكنولوجية. كل أشكال التهميش والبطالة التي يعاني منها ستثير قدراته النقدية. عاجلا أو آجلا، ورغم اللجوء إلى كل وسائل التثبيط وخاصة القبيلة، فإن هذا الشباب الفاقد لأمل في حياة كريمة، سيضع بصمته على مصير موريتانيا. وقد سقطت حولنا تباعا أنظمة أقوى بالفعل وأكثر رسوخا من سلطة ولد عبد العزيز. لقد حصل النظام الحالي على شعبية متخيلة خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، من خلال خطاب شعبوي يعتمد على شتم المنطق ويتلخص في العبارة الخاوية "أنا رئيس الفقراء"، لكن مع الزمن، تبدى خواء هذا الشعار وتآكلت قدرته على التنويم.

إن سلطة عزيز تحصد نتائج الوعود العرقوبية. والشعب يعلم حاليا أن محاربة الفساد ليست إلا شعارا انتخابيا. فـ"رئيس الفقراء" يفرض لنفسه عمولة في أهم الصفقات العمومية التي توزع دوما بين حفنة من أفراد قبيلته وقليل من الأسماء المأجورة...

إن هذه المحاباة هي محرك الغضب لدى الشباب، وهي مصدر ثوراته في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن. ويبدو لي من السذاجة الاعتقاد بأن "الخصوصية" المزعومة لبلدنا ستجعله استثناء من البيئة المحيطة به.


الأخبار - انطلاقا من تجربتكم كيف تقيمون سياسة النظام في مواجهة الإرهاب؟

ولد الشافعي: يتعلق الأمن على الحدود بكل من رهانات السياسة الأجنبية وبقوات الأمن المحلية. وهكذا، فإنه مع سلطة لا تتوفر على إستراتيجية ولا مبادرة سياسية ولا اقتصادية ولا حتى دبلوماسية يتم التفكير في القرارات لحظة اتخاذها فقط. فبين عشية وضحاها تتحول موريتانيا من صديق للديمقراطيات الغربية وتتحالف لحظة بعد ذلك مع إيران. ثم تسعى لإغراء فنزويلا دون أفق أو سبب يمكن أن يبرر مصلحة لموريتانيا. فمنذ أن كان هنا، ظل الجنرال يبحر دوما على غير هدى، وهذا أحد أسباب المأزق الحالي. لا ينبغي لمن هو رجل دولة أن يخاف من نواقصه. لقد نصح الفيلسوفي الأخلاقي الكبير بالتاسار غراثيان [1601-1658] أميره الأسباني بالتزام الفضيلة، على عكس مذهب ميكافيلي العابث، قائلا إن "من يكون سيد نفسه سيتحول عما قريب إلى سيد للآخرين". وهذا التحكم في الذات يفترض التعلم والاستماع وطلب النصح والتفتيش عن النقائص من أجل تجنبها.

اسمحوا لي إذن أن أقول إن السياسة تجاه الجماعات السلفية –وأقصد السياسة الأمنية- تدهورت كثيرا. لقد كلف الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عزيز بهذا الملف بعد ترقيته، في ظروف مشبوهة، إلى رتبة جنرال. وبعد هذه الترقية غير المستحقة حصل اغتيال السياح الفرنسيين في ديسمبر 2007 ثم تكاثرت مثل هذه الأحداث بسبب غياب الوقاية.

ولا تتوفر موريتانيا على أي إستراتيجية في هذا المجال حتى الآن، لأن الإستراتجية – ببساطة- تحتاج إلى مؤهلات وإلى رؤية بما في الكلمة من معنى، وإلى تحويل معرفة الأرض إلى لمسة من الجرأة، لكن عزيز يفتقد بشكل فظيع كل هذه الأمور وهو يعوض هذا الخلل بالصمت، لكن التعمية على الأخطاء لا تجدي في أوقات الاختبار. لقدر برر الجنرال "السابق لأوانه" انقلابه ضد ولد الشيخ عبد الله في 6 أغسطس 2008 بغياب الأمن بل وحاول الترويج للفكرة الغريبة بكون ولد الشيخ عبد الله كان سلفيا بعد أن بنى مسجدا في القصر الرئاسي ودشن فيه صلاة الجمعة. والحال أنه في فترة أولى العمليات كان عزيز المسؤول الوحيد عن هذا الملف وسيتجلى، بسرعة فائقة، عجزه عن أداه مهمته.

تعتبر السلطات أنها زودت الجيش بوسائل حديثة وعملت على ضمان جاهزيته لمواجهة المجموعات لكن السكان يطالبون بالأمن الحقيقي والذي يحسونه عن قرب. لقد وصلت سيارات مفخخة إلى مشارف نواكشوط، ولأول مرة تم اختطاف أجانب على أهم طريق يربط بين العاصمة السياسية والاقتصادية. ما هي إذن فائدة الإنفاقات العسكرية إن لم يكن الحصول على صفقات مشبوهة تضاعف ثراء محيط الرئيس؟


الأخبار - يتهمكم البعض بأنكم على اتصال بالقاعدة بالمغرب الإسلامي وأنكم تساعدونها في تحديد أماكن الرعايا الغربيين ثم تتفاوضون على إطلاق سراحهم مقابل دفع فدى؟

ولد الشافعي: هذه دعاية رخيصة يروج لها أمن ولد عبد العزيز للتغطية على فشله، وبعض المواقع المتخصصة في أحاديث الصالونات لا تتوقف عن تحميلي المسؤولية عن أخطاء عزيز. وغالبا ما يرد اسمي في فضائح لا أعلم حتى أسماء أبطالها.

وبخصوص المفاوضات من أجل تحرير الرهائن، فأنا لا أعمل بطريقة فردية بل بشراكة مع أجهزة أمنية متعددة غربية وإفريقية، بينها الأجهزة الأمنية الأسبانية والكندية، وهذه الأجهزة أدرى بما تم في هذا المجال، ولا يمكن –بل لا يتصور- أن تقبل وسيطا أو مفاوضا ساهم في اختطاف رعاياها.

لقد قمت بهذه الوساطة في ظروف صعبة ولا تخلو من أخطار ونهضت بهذا الدور بناء على طلب وجهته لي دولة بوركينا فاسو، في إطار تعاون إقليمي ودولي لإطلاق الرعايا الغربيين وكان هدفنا التعاون جميعا من أجل إطلاق سراح الضحايا وهم بصحة جيدة. وما تم بطريقة رسمية وقد فق الله في نجاح تلك المهمة.


الأخبار - ما هي في رأيكم المقاربة المثالية لمحاربة الإرهاب؟

ولد الشافعي: الأهم في هذا المجال هو أن نعلم أن علينا الاستفادة من الدروس، واستخلاصها من الأحداث من أجل نشر الأمن في موريتانيا، وإعادة الشباب الموريتاني إلى دوره الطبيعي كمحرك للتنمية. كما أنه لا بد من حلول شاملة من أجل مواجهة هذه المشكلة الغريبة بشكل كبير على مجتمعاتنا في الصحراء والساحل، التي تميل إلى المرح والصفاء الروحي والتسامح والبعيدة عن التعصب. يجب أن يسود التفكير والمرونة من أجل حل خلاف يحصل في مجتمع مسلم وفيه علماء أجلاء. هذه المقاربة، لكي تنجح، لا بد أن تكون شاملة ومقبولة، وأن تتخذ دون ضغوط خارجية تجعل موريتانيا مجرد آلة عسكرية في يد جهات أخرى.

الأخبار - لديكم علاقات جيدة مع عدة رؤساء دول في القارة بعضهم كانوا معارضين مطاردين أو زعماء حرب. ما سر نجاحكم في هذا وهل يمكن أن تعتمد عليكم الحكومة الموريتانية لاستغلال هذا النفوذ؟
ولد الشافعي: بكل صراحة أعتز بهذه أتشرف بهذه العلاقات وأعتز بها، وهي تقوم على الاحترام المتبادل ودعم الشعوب المقموعة في نيل حقوقها. وتتعزز هذه العلاقات بمعاني الشرف والعزة بعيدا عن كل تزلف أو نفاق؟.

أما الشق الثاني من سؤالكم، فأؤكد لكم أنني ابن موريتانيا، وسأظل في خدمتها بما في ذلك خدمتها عن طريق أصدقائي.

الأخبار - هل من كلمة أخيرة حول القذافي؟
ولد الشافعي: أرى أن ما يجري في ليبيا هو "انتقام إلهي" من القذافي نتيجة تصرفاته في حق الشعب الموريتاني. فبعد انقلاب عزيز اختار القذافي أن ينحاز إلى العسكر وأن يعلن على الملأ دعمه لخيارهم في إجراء انتخابات رئاسية بشكل أحادي في 6 يونيو 2009 (06/06)، قبل أن يتم توقيع اتفاق داكار. كما حصل الانقلابيون في موريتانيا، فضلا عن ذلك، على دعم سياسي ومالي من ليبيا وكان له الدور البارز في ثني مواقف العديد من الدول... وهذا ما نسميه بـ"التازابوت".


نقلا عن الأخبار