مشاهدة النسخة كاملة : وسائل التغيير الديمقراطي (أسامة عبد الرحمن)


ابو نسيبة
05-31-2011, 04:10 PM
وسائل التغيير الديمقراطي (أسامة عبد الرحمن)

معروف أن شعور القاعدة العريضة من المجتمع بأنها مهمشة وأنها تئن تحت وطأة الفقر والبؤس، باحثة عن قوت يومها بشق الأنفس، لا بد أن يولد احتقاناً يتراكم كلما طالت السنوات من دون أن تكون هناك بارقة أمل لتحسن الوضع العيشي والاقتصادي والاجتماعي وحتى السياسي . ولعل الدول المتخلفة إجمالاً في غياب النهج الديمقراطي الحقيقي، والاستئثار بالسلطة وغلبة الاستبداد الذي يتنامى فيه الفساد، تشهد وضعاً متماثلاً تشقى فيه القاعدة العريضة من المجتمع وتشعر بالظلم والبؤس والحرمان وتقاسي شظف العيش وسوء المعاش .
على مدى عقود مضت، شهد الشارع العربي في مصر وتونس مظاهرات واحتجاجات ربما احتوتها في كثير من الأحيان بعض قرارات سريعة ترفع بعض الحيف والظلم . ولكن سرعان ما يعود الأمر إلى سابق عهده . وبتراكم الحيف والظلم وضيق الحال وشظف العيش، تجد القاعدة العريضة المهمشة أنه لا مفر من الشارع تعلن فيه انتفاضها ضد الحيف والظلم . ويتكرر مرة أخرى نهج الاحتواء السريع بقرارات سريعة ليهدأ المشهد إلى حين ثم يعود إلى سيرته الأولى . غير أن الجديد في الثورة العربية الجديدة أن المشهد تجاوز هذه الصورة النمطية المعروفة والمألوفة منذ عقود، إذ إن البطالة التي طالت أعداداً كبيرة من الجامعيين وحاملي المؤهلات العليا والذين أصبحوا تحت وطأة الفقر والبؤس والحرمان أضافت إلى القاعدة العريضة شريحة متعلمة ومؤهلة ومواكبة لثقافة العصر وقادرة على الانتفاضة ضد الحيف والظلم بوسائل أكثر نجاعة بفضل ما تملكه من رصيد معرفي وقدرة على استخدام العلم ومنجزات العصر في سبيل تحقيق غاياتها .
إن مبعث الاحتقان لدى هذه الشريحة المتعلمة والمؤهلة من حيث المبدأ، هو نفس المبعث لدى القاعدة المجتمعية المهمشة، وتلاقي هذا المطلب المشترك في رفع الحيف والظلم وتحقيق الحياة الحرة الكريمة على صعيد واحد تقوده الشريحة المتعلمة والمؤهلة التي تجاوز مطلبها تحسين الحال الاقتصادي والاجتماعي إلى آفاق سياسية تسعى إلى الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية . ذلك لأنها من منطلق رصيدها المعرفي تدرك أن تحسين الحال الاقتصادي والاجتماعي لن يستمر من دون نظام ديمقراطي حقيقي يلتزم بتحقيق المطالب الشعبية، وأن المسألة ليست مسألة احتواء للاحتقان من خلال جرعات تتمثل في بعض القرارات السريعة كما دأب عليه الوضع من قبل، وأن الضمان الحقيقي لتحسين الحال الاقتصادي والاجتماعي، أو بمعنى أصح تحقيق العدالة الاجتماعية هو الديمقراطية بمنظومتها المعروفة من الحريات والحقوق وسيادة القانون واستقلال القضاء .
إن الوسيلة الحضارية التي لجأ إليها الشباب العربي في الثورة التي أصبحت شعبية ضربت مثلاً رائعاً في النهج الحضاري لتحقيق الديمقراطية . ربما انطبق عليها مفهوم الثورة الحقيقي، وقد درجت الانقلابات العسكرية في عدد من الأقطار العربية على إطلاق مفهوم الثورة عليها وما هي بثورة . وفي كل الأوضاع، فإن هذه الانقلابات العسكرية التي اتخذت الثورة مسمى لم تنهج النهج الديمقراطي وغلب النهج الأحادي والقمعي عليها، وآل المآل التنموي في ظلها إلى وضع سدت السبل فيه أمام قاعدة عريضة مهمشة وتبحث عن قوت يومها تحت مظلة الحيف والحرمان، ولا تجد متنفساً لها إلا الشارع، رافعة مطالبها الاقتصادية والاجتماعية . وجاءت الثورة الشبابية الشعبية ثورة حضارية وبوسائل حضارية معاصرة كان الإنترنت فيها عامل تواصل واتصال جماعي وشحذ معرفي وتنسيقي هائل، استطاع أن يبلور مظاهرات الشارع وينقلها إلى آفاق أوسع شدت المجتمع بأسره إلى صوتها المدوي، وبرهنت للعالم من خلال الفضاء الإعلامي الواسع على قدرتها في السعي إلى تحقيق غاياتها النبيلة بوسائل حضارية معاصرة . كما حدث في تونس ومصر، وبقي عليها أن تحافظ على الاستمرارية لاستكمال المشروع الحضاري والاعتماد على منهجية مستقبلية، تأخذ في الاعتبار العوامل المضادة والمناهضة وكيفية التصدي لها .
ويتفاوت الوضع على الساحة العربية، فقد يكون مخاض الثورة الشبابية الشعبية في بعضها أقل تكلفة نسبياً، وفي بعضها الآخر عسيراً وباهظ التكلفة .

نقلا عن دار الخليج