مشاهدة النسخة كاملة : رحلة بين عجز الداخلي ....وسوء الفهم الخارجي


أبو فاطمة
02-24-2010, 01:55 PM
تصدير الأزمات (رحلة بين عجز الداخلي ....وسوء الفهم الخارجي)

http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_24_02_2010_13_15_54.jpg (http://www.essirage.net/sys_images_news/ImgNew_24_02_2010_13_15_54.jpg)

محمد الأمين سيدي مولود

إنها عادة سيئة وتقليدية أن يلجأ أي نظام إلى تصدير أزماته إلى الخارج.وعادة ما تصدر تلك العادة من أنظمة تعاني الكثير من المشاكل الداخلية فتنفس جزءا من ضغط الرأي العام في أزمات مصطنعة. وعادة ما يكون ذلك مظهر من مظاهر الشيخوخة والترهل في نظام ما .

أما نظام فتي ومنتخب "ديمقراطيا" فمن المستبعد أن يلجأ إلى هذه التكتيكات الكلاسيكية ـ أو هكذا يفهم مما يحدث ـ التي تعود بأزمات خارجية أسوأ من التي يتهرب منها داخليا.

النظام الموريتاني اليوم يقوم بنفس اللعبة بقصد أو بغير قصد. جميع البراهين تدين هذا النظام مع الأسف.

الأزمات الداخلية يمكن تلخيص جزء منها في الركود الشديد الذي يعيشه الاقتصاد حيث انعدام السيولة وقلة الدخل وركود الأسواق وتراجع إنتاج الفرد وارتفاع ملاحظ في أسعار بعض المواد هذا علاوة على تدني الأجور وارتفاع المصاريف.هنالك مشاكل لا تقل أهمية عن مشكل الاقتصاد كمشكل الإرهاب، وكواقع المشهد السياسي في أزمتيه أزمة النظام والمعارضة من جهة وأزمة الأغلبية أي أزمة النظام البينية. وإن شئت أضف أزمة المعارضة (أداء وانسجاما).

يخطئ النظام إن ظن أن صرف انتباه الناس عن هذه المشاكل سيحلها ولو مؤقتا وخاصة إذا كان ما تصرف إليه الأنظار عبارة عن مشاكل بحجم وخطورة ما تقوم الدبلوماسية الموريتانية اليوم من تهور.



إن استدعاء سفيرنا في جمهورية مالي الشقيقة على خلفية إطلاقها سراح عنصر من عناصر القاعدة ـ افتراضا ـ لا ينم عن حكمة إن منحنا الأولوية لمصلحة الشعب الموريتاني المحضة وأعطيناها الفرصة لتكون الحكم بين خطورة ما قامت به مالي فعلا وما يمكن أن تقوم به لاحقا كردة فعل على استدعائنا سفيرنا منها. وهي ردة فعل ظهرت بوادرها اليوم إذ تفيد بعض التقارير الصحفية بتعرض موريتانيين لمضايقات على الحدود مع مالي وخاصة في "جكني" و"بوصطيله".



إن مصلحة آلاف المنمين الذين ينتجعون مالي أكثر من نصف العام دوما بما يملكونه من ثروات حيوانية طائلة،وكذلك مصلحة تجار كثر سواء منهم مستوردي الحبوب أو البضائع الأخرى التي تغذي جزء كبيرا من "موريتانيا الأعماق" ينبغي أن توضع نصب أعين كل من يحكم هذه البلاد وأن يجعلها في الميزان مع أي تصرف يمكن أن يضرها حتى وإن كان حقا "دبلوماسيا" طبيعيا.

صحيح أن لمالي هي الأخرى مصالحها في بلادنا وخاصة مع وجود ميناء يسهل لها نقل البضائع ولكن أيهما الأقوى مصالحها فينا أو مصالحنا فيها. وهل من العرف الدبلوماسي البحث عن الصراعات أم احتوائها؟وهل الأولوية للتصعيد ووقف المصالح المتبادلة أم العكس؟



إن استدعاء السفير كان من الممكن تلافيه لو لم يشفع ببيان من الخارجية ملئ بعبارات تمهد الأرضية لتصعيد دبلوماسي لاحق، وتصريحات لمسؤولين من السلطة متشنجة ولا تناسب حجم الحدث .إنها نوعية من البيانات والتصريحات كنا نود اختفائها مع اختفاء بيانات الوكالة الهجائية في حق دول الجوار والصداقة كما حدث مع ليبيا في التسعينيات.



كما أن ما يحدث مع مالي كان من الممكن تأويله في إطار الإفراط في الحس الأمني من طرف نظام جل أسياده الحقيقيين ذوي خلفيات عسكرية لو لم تسبقه إشارات أخرى تدل على بعض التخبط ـ إن لم نقل الفشل ـ في دبلوماسيتنا. من هذه الإشارات الاحتكاك ببعض مواطني ساحل العاج الذي رد باستفزاز جاليتنا البالغ تعدادها حوالي 125 ألف حسب تقديرات شبه رسمية وذلك بطلب جميع المقيمين فيه بالحصول على تأشيرات وجوازات سفر ودفع مبالغ مالية معتبرة كرسوم للإقامة السنوية.



ولم يقتصر أداؤنا الدبلوماسي الخارجي المرتبك على الدول الإفريقية المجاورة بل امتد إلى الدول العربية حتى تلك المقربة جدا من النظام. فالموقف من إيران يريب المملكة المغربية،وربما المملكة السعودية وبعض دول الخليج، والموقف من البوليساريو يريب الجزائر.والموقف من المملكة العربية السعودية ربما يريب ليبيا (حدث من ذلك شيء خلال قمة الدوحة).

كما أن التقارب الأمني أو التنسيق مع فرنسا يزعج الجزائر وقد يضيف إليها ليبيا إذا ما ظهر تواجد عسكري غربي في بلادنا وخاصة على الحدود مع الصحراء الكبرى التي ظلت معظم دول الجوار تعارض وجود أي قواعد غربية بها.



إن الاستقلالية في دبلوماسية الدول وعلاقاتها الخارجية شيء مهم وركن سيادي، لكن ذلك لا ينسي أن الهدف من هذه العلاقات أو عدمها هو مصلحة البلد وشعبه وليس عرض العضلات في المد والجزر في العلاقات مع العالم، أو السلوك البهلواني في القفز على جميع حبال المسرح الخارجي مما يعرضنا للوقع أكثر من منحنا فرصة الصعود.



نقلا عن السراج الموريتانية