مشاهدة النسخة كاملة : فن قراءة الأحداث " بالمقلوب" (سعيد دويكات)


أبوسمية
05-30-2011, 04:35 PM
فن قراءة الأحداث " بالمقلوب" (سعيد دويكات)

مع انطلاق الثورات العربية والتي كانت مفاجئة ومذهلة إلى أبعد الحدود بحيث بدأت تعيد رسم الوقائع لا على المستوى العربي فحسب، بل على مستوى العالم بأسره،وشكلت دعما هائلا للشعب الفلسطيني تجلى بأحداث يوم النكبة وبشائر فتح معبر رفح بشكل دائم وعلى إيقاع توقيع اتفاق المصالحة لاحت في الأفق تباشير فجر فلسطيني جديد، أو هكذا خيّل لمحبي هذا الشعب الذين آلمتهم وأنهكتهم أربع سنوات عجاف من الانقسام..
ثم جاء خطاب اوباما المتعثر والمستغفر أمام "إيباك" ليرسم لوحة سوداوية أمام الحالمين بفرصة أو شبه فرصة لنجاح المفاوضات.. وتلاه خطاب نتانياهو الذي أفرغ كل ما في جعبته من كذب وعجرفة وتسلط، وهو يوزعه الاتهامات ذات اليمين وذات الشمال فحينا تطال أوباما وأحيانا أخرى فريق التفاوض، يلقي بتعليماته ويفرض شروطه وسط احتفال صبياني تهريجي من الهيئة التشريعية لأعظم دولة في العالم...
وهي شروط أشبعها أوباما وكونغرسه المصفق بصماً وتوقيعا بأصابع أيديهم وأرجلهم إعلانا عن االبهجة والسعادة بهذا الفتح النتنياهوي العظيم!
كان المتوقع من السلطة في رام الله وتحديدا رئيسها السيد محمود عباس أن يرد على هذا الصلف والاستخفاف به كزعيم للطرف المفاوض وعلى التنكر لحقوق الشعب الفلسطيني أن يتمسك بالمصالحة فعلاً لا قولاً وأن يبدأ بتنفيذها على الأرض ليوصل رسالة لاوباما ونتانياهو انه قد يئس من ألاعيبهم، وأن لديه بدائل حقيقية لفشل مشروع التسوية، وانظر ماذا سيكون بوسعهم أن يفعلوه في ظلال الثورات الشعبية الجامحة، لم يجرؤوا على وقف مالهم السياسي لأن البدائل الشعبية أشد والسلطة مصلحة لهم قبل الجميع. لقد شكلت المصالحة فرصة هائلة لعباس لكنه بدلا من اغتنامها تفنن في قلب محتواها وإفراغها من مضمونها وتحويلها من سيف بيد الشعب إلى سيف مسلط على رقبته.
رجالات السلطة يقولون بألسنتهم ليل نهار أنهم مع المصالحة ويرسلون الموفدين إلى حماس لإجراء المزيد من الحوارات التي لم تفلح في إطلاق معتقل سياسي واحد ممن تحولوا من معتقلين إلى رهائن لا يعلمون إلامَ سوف تؤول إليه الأمور، بل إن هذه الحوارات شكلت غطاء لمزيد من القمع في الضفة الغربية مقابل تطبيق واضح للمصالحة في غزة وكأنها مصالحة من جانب واحد أو ربما وقعت حماس المصالحة مع نفسها في القاهرة والناس لا يعلمون..
وكأن السلطة ترسل رسالة من خلال منع حرية هؤلاء الرهائن إلى أولياء أمور التفاوض : أننا رغم المصالحة ورغم خطاباتكم المحبطة فنحن على عهد التفاوض والعداء للمقاومة باقون !
السلطة في رام الله وقعت مع حماس على حكومة مستقلين لمدة عام بدون برنامج سياسي لأن هذه الحكومة مختصة فقط بإعادة إعمار غزة والإعداد للانتخابات..وأن يكون رئيسها وأعضاؤها بالتوافق بين حماس وفتح.
ما نراه ونسمعه اليوم ينبئنا عن مصالحة منزوعة الدسم، وقراءة عقيمة للمتغيرات العربية، وكأن شيئا لم يكن، فالمعتقلون السياسيون لا زالوا في السجون والوقائع على ارض الضفة الغربية لم تتغير والانكى من ذلك تصريحات السيد عباس بأن الحكومة ستكون حكومته وستحمل برنامجه السياسي –بكل مآسيه-، وفي مكافأة واضحة لنتانياهو واسترضاء لأوباما يعلن أنه سوف يسعى لأن تلتزم الحكومة القادمة بشروط الرباعية وفي مقدمتها الاعتراف "بإسرائيل" ! يبدو أن هناك من يظن أن الثورات والمصالحة تدعم موقف "إسرائيل" وليس فلسطين !وكذلك هو لا يرى بديلا عن فياض رئيسا لهذه الحكومة خاصة بعد عودته من "الوعكة الصحية" التي أصابته في الولايات المتحدة وألزمته بالبقاء عدة أيام في نفس فترة إقامة نتانياهو هناك. – يا محاسن الصدف!
.... ونبقى مع شروط الرباعية التي حوصر الشعب وحماس لأجلها خمسة أعوام،وصُبّ جحيم الرصاص المصبوب على رؤوس أهل غزة لأجلها ولم تفلح في كسر إرادة الفسطينيين بقيادة حماس وفشل الحصار وأصبح الكثيرون ممن التزموا بهذه الشروط يتراجعون عنها...بينما السيد عباس يتخذ من المصالحة وسيلة لتحقيقها..فهل من أجل هذا وقعت المصالحة ؟ أم أن التوقيع كان مجرد وسيلة لتحقيق أهداف لم يكن لها أن تتحقق بوجود الانقسام..وهل كانت مصالحة لتوحيد الصفوف أم محاولة لتوحيد الأصابع كي تبصم على الاعتراف بإسرائيل وبالتالي جرّ حماس إلى انتحار سياسي أكيد ؟
أجواء من الإحباط الشديد بسبب الالتفاف على المصالحة واليوم تتوسع أجواء الإحباط أكثر فأكثر مع تكشف النوايا من وراء توقيعها لدى البعض، إذ أن آخر ما يمكن أن يتوقعه عاقل هو أن تستغل المصالحة بهذه الطريقة المفرطة في السوء تقرباً إلى اوباما ونتانياهو بعد كل ما قالاه وفعلاه خاصة في خطابيهما الأخيرين حيث أزالا القناع عن وجهيهما وبدت الأمور ساطعة كالشمس في رابعة النهار،حيث قذفا أوراق التفاوض كلها في سلة المهملات،بل إنهما لم يبقيا شيئا يمكن التفاوض عليه، ولكن مع ذلك يبدو أن البعض لا يزال حتى الآن عاجزا عن رؤية واستيعاب ما يجري حتى لو فاق في وضوحه الشمس.

نقلا عن المركز الفلسطيني