مشاهدة النسخة كاملة : كذاب يخطب في كذابين (عوني صادق)


أبوسمية
05-30-2011, 04:21 PM
كذاب يخطب في كذابين (عوني صادق)

انتظرت يومين كاملين لأستمع إلى خطاب رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أمام أعضاء الكونغرس الأمريكي، لا لأنني توقعت أنه سينقلب على نفسه أو سيغير من لهجة خطابه أمام اللوبي الصهيوني الأمريكي (إيباك)، بل لأن الصحافة "الإسرائيلية" كانت على مدى أسابيع تصدع رؤوسنا في الحديث عن "الخطاب التاريخي" الذي سيلقيه نتنياهو أمام الكونغرس، لتكون بعد ذلك المفاجأة بالنسبة للبعض.
لقد لاحظ أحد الكتاب "الإسرائيليين" أن ما قاله نيتنياهو أمام الكونغرس كان نسخة طبق الأصل عن كلمة كان ألقاها في واشنطن في مناسبة ما قبل 32 عاماً وكان يومها في وظيفة تشبه الملحق الاقتصادي في السفارة "الإسرائيلية" هناك. ويعلق الكاتب "الإسرائيلي"، متعجباً، بالقول: إن العالم يتغير، وكل شيء فيه يتغير، لكن نتنياهو لا يتغير. (أعتذر لأنني أضعت النص واستعيده من الذاكرة). والحقيقة أن ذلك لا يجب أن يفاجئ أحداً ولا أن يفاجئنا، لأن نتنياهو مثل كل الزعماء الصهاينة لا يتعامل بالسياسة، بل بالأساطير أولا، ثم بالأكاذيب التي تسوق الأساطير، لتتحولا معا إلى نوع من "العقيدة" الثابتة غير القابلة للتغيير أو التبديل.
لذلك لم آت لأناقش ما جاء في خطابي نتنياهو، أمام (إيباك) وأمام (الكونغرس الأمريكي) لأنه ليس في خطابي نتنياهو ما يمكن أن يستحق النقاش الجاد. وقد صدق المعلق "الإسرائيلي" نحميا سترسلر الذي كتب في صحيفة (هآرتس 25/5/2011) يصف خطابي نتنياهو بأنهما ليسا سوى "خداع وإشاعة أوهام"، مضيفاً: "إن الأشد إضحاكاً هو أن ترى محللي السياسة يحاولون الغوص في عمق كلمات نتنياهو، لأن الحقيقة فيها بسيطة ومبتذلة، وهي أن كل شيء أرض "إسرائيل"، من ناحية تاريخية ولأسباب أمنية، وما بقي مجرد كلام...".
كذبة واحدة فقط من أكاذيب نتنياهو أريد أن أتوقف أمامها. في خطابه أمام الكونغرس، قال المستوطن نتنياهو للمستوطنين من أعضاء الكونغرس: "نحن لسنا البريطانيين في الهند، ولسنا البلجيكيين في الكونغو. نحن لسنا محتلين غرباء، هذه أرض آبائنا، أرض "إسرائيل"". وأضاف متسائلا: "أي تزوير تاريخي يستطيع إنكار أربعة آلاف سنة علاقة بين الشعب اليهودي وبين الأرض اليهودية؟" من الواضح أن نتنياهو لا ينكر فقط الحقائق التي تتعلق بالشعب الفلسطيني، بل وينكر أيضاً حقائق أخرى كثيرة يتحدث عنها يهود وصهاينة، داخل "إسرائيل" وخارجها. فكذبة "الشعب اليهودي" و"الأرض اليهودية" لم تعودا سرا أو يطلقها ال"معادون للسامية" أو ل"دولة "إسرائيل". ألم يسمع نتنياهو عن حكاية "اختراع الشعب اليهودي"، وما قاله فيها المؤرخ اليهودي "الإسرائيلي" شلومو ساند؟ ألم يصله خبر كتاب المؤرخ "الإسرائيلي" إيلان بابيه، وما قاله عن "التطهير العرقي" في فلسطين"؟ ألم يقرأ ما كتبه ابراهام بورغ عن "إسرائيل" والصهيونية"؟ ألم يخبره أحد عن كتاب كوستلر وعن "دولة الخزر"؟ طبعاً، كل هؤلاء في نظر نتنياهو، وفي أحسن الأحوال، "كارهون لأنفسهم" ولا قيمة لما يقولون، وتبقى القيمة لما يقوله نتنياهو!
في صحيفة (هآرتس- 25/5/2011)، كتب جدعون ليفي عن خطاب نتنياهو أمام الكونغرس: "كانت خطبة عدم، مليئة بالأكاذيب والتضليل. حقيقة أن الكونغرس وقف عشرات المرات على قدميه ليهتف له هي شهادة على جهل أعضاء الكونغرس أكثر منها شهادة على نوع خطبة ضيفهم". ويتوقف ليفي عند أكاذيب نتنياهو حول "الديمقراطية "الإسرائيلية"" وحرية عرب 48 مرة، وحول حرية العبادة في القدس مرة، فيقول مثلا: "كيف يتجرأ على الحديث عن حرية العبادة في القدس في حين يمنع مئات آلاف الفلسطينيين من هذه الحرية منذ سنين"؟ ويمسك ليفي نتنياهو متلبسا في مقولة "حق "إسرائيل" في الدفاع عن نفسها"، ويقول: "كيف يستطيع الكلام عن حق كل دولة في حماية نفسها وأن يقول في الوقت نفسه إن الدولة الفلسطينية ستضطر لأن تكون منزوعة من السلاح، فكيف ستدافع عن نفسها؟".
لقد صدقت إحدى الصحف عندما قالت: "بدا الكونغرس الأمريكي وكأنه برلمان أحد بلدان العالم الثالث، يستقبل القائد المبجل، ينحني أمامه ويصحبه بنظرات الانبهار إلى منصة الخطابة". والسؤال الذي يلح على كل من راقب المشهد الفانتازي لأعضاء الكونغرس هو: هل يمكن أن يكون أعضاء الكونغرس الأمريكي من الجهل، كما يرى جدعون ليفي، إلى الحد الذي يجعلهم يصدقون كذاباً مفضوحاً مثل نتنياهو؟ وإن لم يكن الجهل، فهل تكفي الوصولية والانتهازية وإغراء المنصب للظهور بهذا المظهر؟ وإذا كان كل هؤلاء معروضين للبيع، فكيف يمكن لهم أن يتحكموا بمصائر العالم وشعوبه؟ ويبدو أن القضية هي أن "الحال من بعضه": كذاب يخطب في كذابين، فكيف لا يصدقونه؟

نقلا عن المركز الفلسطيني