مشاهدة النسخة كاملة : تجليات الأزمة وأثارها الاقتصادية (الأمير ولد سيدي محمد)


أبوسمية
05-28-2011, 06:54 PM
تجليات الأزمة وأثارها الاقتصادية (الأمير ولد سيدي محمد)

تمر موريتانيا اليوم أكثر من أي وقت مضى بأزمة اقتصادية وسياسية كبيرة تمثلت في التدهور الكبير والملاحظ في المستويات المعيشية العامة للمواطن، بالإضافة إلى الانعكاسات السلبية للتجاذبات السياسية التي تشهدها الساحة السياسية في هذه الأيام، حيث أصبحت الثورات والاحتجاجات هي السمة السائدة اليوم في الشارع الموريتاني للمطالبة بالحقوق المسلوبة وبهدف وضع حد لتلك الممارسات التي أوصلت البلد إلى ما هو عليه الآن حسب تعبيرهم.
إن المتتبع لأداء الحكومة منذ تشكيلها يرى بشكل واضح مدى العجز التام الذي تعاني منه هذه الحكومة في تنفذ برامج الإصلاح الذي كان هو شعار الرئيس محمد ولد عبد العزيز في حملته الرئاسية الماضية، فمحاربة الفساد والمفسدين مازالت وستظل مستشرية في الدوائر العامة للدولة، ضف إلى ذلك أفواج البطالين الذين يزدادون يوما بعد يوم، والمشاكل الناجمة عن الارتفاع المذهل في أسعار المواد الأساسية بالإضافة إلى الجمود التام الذي يطبع النشاط الحكومي بشكل عام .
فالمواطن البسيط أصبح ينظر لهذه الحكومة على أنها أصبحت تشكل خطرا كبيرا عليه خاصة وهي تذكره دائما أن لديها الوسائل للتعاطي مع كل يمكن أن يواجه هذا البلد من مشاكل اقتصادية واجتماعية ، لكن كل هذا ذهب أدراج الرياح، فالاحتجاجات والإضرابات تزداد بتنوع وتطور لتشمل أكثر قطاعات الدولة حساسية، كل هذا وغيره أصبح يحشر السلطة القائمة في زاوية ضيقة يصعب عليها الخروج منها بسهولة نتيجة انعدام الرؤية السليمة والواضحة في معالجة كل هذه القضايا الصعبة والشائكة التي يعاني منها بلدنا منذ عقود من الزمن. من هنا تأتي ضرورة خروج الحكومة من هذا المأزق الذي تعيشه والدخول فورا في حوار جاد وعام مع كل الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية والاقتصادية لوضع سياسات وبرامج حقيقية تهدف إلى تطوير وتنمية القطاعات الحيوية في الاقتصاد الوطني، والتي يمكن من خلالها التخفيف من المعانات التي يعيشها المواطن البسيط في هذا البلد الذي يتوفر على موارد كبيرة يمكن من خلالها أن يكون من أغنى الدول في العالم. فهو يمتلك ثروة هائلة من السمك والحديد بالإضافة إلى الثروة الحيوانية التي تعتبر هي المتنفس الوحيد لدى أغلب الطبقات الاجتماعية في البلد، كما أنه وحسب المؤشرات التي أعلنت عنها الشركات العاملة في قطاع المعادن فإن لديه كميات معتبرة من الذهب والماس وأنواع أخرى من المعادن النفيسة، كل هذا وغيره لم يحل دون تدهور الأوضاع الاقتصادية العامة في البلد.
فالمعلومات المتوفرة عن المؤشرات العامة للاقتصاد الوطني (العجز؛ النمو الاقتصادي؛ التضخم؛ البطالة؛ حجم الاستثمارات....) لا تنبئ بخير فالعجز في الميزانية العامة للدولة يتطور وبوتيرة متزايدة، حيث يلاحظ في هذه السنة تزايدا معتبرا في قيمة السندات الحكومية الموجهة للمؤسسات المصرفية وغير المصرفية بهدف الحصول على التمويلات للازمة لتغطية النشاط الحكومي بكل مجالاته، بالإضافة إلى القروض التي تم تقديمها من طرف الحكومة الفرنسية أكثر من مرة والموجهة لدعم الميزانية وللتغلب على العجز فيها. كما أن مستوى النمو الاقتصادي وإن تزايد لا يعبر عن تطور أو تحسن في النشاط الاقتصادي للبلد، وذلك بسبب الارتفاع الملاحظ في معدلات التضخم والبطالة ولانكماش في حجم الاستثمارات المحلية والأجنبية، بالإضافة إلى التًدني المتزايد في قيمة العملة المحلية. كل هذا من شأنه جعل مسألة وضع مراجعة عامة للسياسات الاقتصادية المتبعة، ووضع أسس وضوابط دقيقة بهدف التغلب على كل المشاكل التي يمكن أن يواجهها الاقتصاد الوطني مسألة في غاية الأهمية.
إن السياسات والبرامج الاقتصادية لا تبنى من فراغ ولا تخضع لنظرية الارتجال ـ التي أصبحت هي السًمة السائدة في تنفيذ المشاريع الحكومية ـ وإنما تتم عن طريق دراسات موسعة وشاملة لكل ما يحتاجه البلد في إطار الإمكانات المتوفرة والمتاحة لديه، وانطلاق من ذلك يتم تنفيذ تلك السياسات والبرامج المرسومة من طرف القائمين على الشأن الاقتصادي على فترات زمنية محددة وحسب الأولويات التي يجب أن تكون هي المرجعية الأساسية في ذلك التنفيذ.
سيدي الرئيس لقد قلت وفي أكثر من مناسبة إن الشعب الموريتاني عانى في العقود الماضية من الأنظمة المتعاقبة عليه، حيث بددت ثرواته من خلال الفساد الذي طبع تسييرها للشأن العام كما رسخت فيه الجهل والقبلية والمحسوبية، بالإضافة إلى الكثير من الممارسات التي كانت تشكل عقبة كبيرة في تنمية وتطوير هذا البلد. كل هذا يفرض عليك سيدي الرئيس أن تكون على دراية تامة بما يجب عليك القيام به اتجاه كل المشاكل التي يتخبط فيها البلد ومازال بهدف تحقيق أكبر مستوى ممكن من التنمية يعيش فيه المواطن الموريتاني بشكل من الرفاهية والتطور ينسى من خلاله ما كان يعيش فيه من بؤس وظلم في الحقب الماضية.
وفي الأخير يجب أن نذكر السلطات أن من أسباب تغيير الحكومات خاصة في هذه الفترة هو الاستبداد السياسي والفساد الإداري وسوء التسيير، كما أن عدم التعاطي مع المطالب الأساسية والمشروعة لكل أطياف المجتمع قد توصلنا إلى ملا تحمد عقباه فنرجو أن لا نصل إلى ذلك ويظل بلدنا ينعم في جو يطبعه الأمن والتطور والاستقرار لقرونه طويلة .
والله الموفق

نقلا عن السراج الإخباري