مشاهدة النسخة كاملة : النشيد الديني في موريتانيا ..رحلة على أجنحة الإيمان


أبوسمية
05-28-2011, 06:49 PM
النشيد الديني في موريتانيا ..رحلة على أجنحة الإيمان

http://img217.imageshack.us/img217/2449/imagesimgnewsimgm852400.jpg

كانوا خمسة أو ستة قرروا على حين غفلة من المجتمع أن ينتهجوا هذا الخط الفني الجديد الذي شكل بالنسبة لهم خيارا لممارسة عمل فني مميز ولأداء ما يعتبرونه رسالة سامية يحملها الفن بين ألحانه وأشجانه. من هذا المنطلق بدأ النشيد «الإسلامي» يدخل باستحياء إلى الساحة الفنية في موريتانيا، ورغم كل العوائق المادية والمجتمعية فإن الفتية المنشدين يصرون على أن للنشيد مستقبلا باهرا في أرض المليون شاعر.
ورغم أن تجربة النشيد الإسلامي تكاد تكون حديثة بالفعل في العالم الإسلامي ككل وفي موريتانيا بشكل أخص فإن العديد يتحدث عن جذور صوفية لممارسة هذا الفن الذي من الممكن جدا بحسب متعاطيه وأنصاره أن يتحول إلى عبادة «مادمت تخلص النية فيه لله وتسعى إلى مدح النبي صلى الله عليه وسلم والحض على الخير والبر والإحسان» على حد تعبير المنشد الشاب عمر ولد حمادي
روافد صوفية.
وبالتالي فإن الحديث عن الرافد الصوفي لا يبدو بعيدا في مسيرة الفن في هذا البلد المغاربي الذي تنتشر فيه الطرق الصوفية بشكل لافت وتحرص على إقامة مجالس الأذكار التي غالبا ما تتحول إلى حلقات رائقة لأداء النشيد الصوفي، وتتميز الطريقة التيجانية بأنها الأكثر استعمالا للأناشيد الدينية في برامجها التربوية، وغالبا ما تركز تلك الأهازيج على مدح النبي صلى الله عليه وسلم ومدائح مشايخ الطريقة والحديث عن الوجد والشوق ونار العشق التي يلتهب بها قلب المريد التيجاني، وغالبا ما يؤدي المشايخ بأنفسهم هذه الأناشيد. كما أن أكبر مؤسسة تتبع للطريقة التيجانية في موريتانيا وغرب إفريقيا، وهي التجمع الثقافي الإسلامي، تنظم سنويا مسابقات في الغناء الجماعي تكون موضوعاتها هي مدح النبي صلى الله عليه وسلم.
كما أن مجتمع البادية في موريتانيا جعل من أساسيات تعاطي الفن تخصيص فقرات ثابتة بالمديح النبوي، رتبت عليها الأسطورة الشعبية الكثير من الأجر الجزيل عند الله، «فجزاء من يتصبب عرقا عند أداء الرقص في حلقة مدح النبي صلى الله عليه وسلم هو ألا تمسه النار أبداً»، كما تردد الأسطورة الشعبية.
ورغم كل هذا، فإن طبيعة المجتمع المتدين ظلت مجابهة للفن نظريا رغم حضوره العملي في كل تفاصيل الحياة، وتشيع على نطاق واسع المقولة الشعبية «لمرابط ماه صاحب إيكيوي»، أي أن «المدرس شريعة لا يمكن أن يكون صديقا للفنان"
طريق النجاح
هذه هي الفرقة الوحيدة في موريتانيا لحد الآن، ولا تزال الإسم الأكثر حضورا في الأنشطة الثقافية، خصوصا تلك التي تكتسي طابع النضال السياسي أو التضامن مع شعب فلسطين والعراق، كما أنها أضحت تسجل حضورا لافتا في المناسبات الاجتماعية وحفلات الزفاف التي ينظمها من يقتنعون بأن النشيد بديل عن «الغناء المحرم».
والطاقم ليس كبيرا للغاية، حيث لا يزيد على ثلاثة منشدين ومهندس صوتيات. وفيما لا تتوفر الفرقة على أي مقر ثابت تدير من خلاله أنشطتها الفنية، فإنها تتخذ من المقر العام لجمعية شبيبة بناء الوطن الموريتانية الاستديو العام لتسجيل وأداء مقاطعها الغنائية. ويحاول أعضاؤها تقديم فلسفة لما يعتبرونه رسالة نبيلة يقدمها الفن، حيث يؤكدون: «إننا نسعى إلى تخليص «الهول» (وهو الإسم الشعبي للغناء في موريتانيا) من كل الشوائب، نحن نقدم الأداء الجميل والصوت الشجي ونعلم أن الله جميل يحب الجمال».
بين النشيد الذي يدعو بحسب هؤلاء الشباب إلى قيم الطهر والعفة، ويرتبط بالإيمان والعواطف السامية، وبين الهول الذي يرى فيه خصومه أنه إما أن يكون حراما محضا أو أنه اختطفته القيم السالبة والمناقضة لقيم المجتمع الموريتاني، فإن الموسيقى قد تحدد نقطة للالتقاء.. ورغم أن المنشدين الإسلاميين لا يرون جواز استعمال «الآلات والمعازف»، فإن النغمات الموسيقية والمؤثرات الصوتية التي يتم تركيبها، ومعالجة الصوت من خلالها عبر أجهزة الكمبيوتر، تقلص مساحة الفروق بين ما هو بالفعل «معازف يحرم استعمالها» وما ليس كذلك.
كما أن المنشدين يسعون جادين إلى ما يعتبرونه أسلمة نظام الموسيقى الموريتانية «فالظهور والبتوته»، وهي الأنظمة العامة للموسيقى بحسب محمد الأمين ولد المصطفى، «ليست إلا أنظمة محايدة علينا أن نعيد استعمالها فيما يخدم تصوراتنا وأفكارنا».
ويرفض المنشدون الموريتانيون أن يوصفوا بأنهم مرتهنون للنمط المشرقي من النشيد، حيث يعتبرون أنه ليس إلا رافدا واحدا من الروافد التي تشكل نسق الإنشاد العام في موريتانيا. ومحمد الأمين ولد المصطفى، الطالب بكلية الشريعة والمنشد الشعبي الأكثر طرافة، ينفي تهمة الارتهان للنشيد المشرقي قائلا: «لقد أنشدنا في ظهور «الهول» الموريتاني، ومختلف جوانبه، كما أنشدنا للعديد من الشعراء الشعبيين الموريتانيين من محمد ولد أبواه إلى التقي ولد الشيخ وسيد ولد أمجاد».. ويستدرك محمد الأمين مضيفاً «لكن أليس «إيكاون» أنفسهم يدعون إلى تطوير الفن؟».
في البدء كان المجتمع الموريتاني القريب من نظام المجتمعات المغلقة قد قسم طبقاته تقسيما مهنيا، ليكون الفن من نصيب فئة مخصوصة تدعى «إيكاون». ورغم أنه خصص امتيازات مادية ومعنوية لهذه الفئة، إلا أنه هبط بها إلى أسفل السلم الاجتماعي، الأمر الذي جعل مهنة الفن عملا توارثيا لا يمكن تعاطيه إلا من خلال الانتماء العرقي إلى فئة «إيكاون»، وإلا فإن على المرء أن يتحمل ردات فعل قاسية من المحيط. وعلماً أن هذا التقسيم الفئوي قد بدأ في التخلخل شيئا فشيئا، فإن هذا لا يمنع من أن نجد له حضورا قويا في الساحة وبين شرائح واسعة من المواطنين.
لكن فتيان فرقة «صدى شنقيط» يرون أنفسهم بين موقفين باعتبار أنهم يمثلون أسلوبا جديدا «يسعى إلى محو تلك الصورة السيئة للفنان كشخص طماع وعديم الفائدة يعيش على ما يهبه الناس له اتقاء لشر لسانه، وإلى تغيير الصورة النمطية في الفن حتى يكون رسالة». ويضيف أعضاء الفرقة: «نحن لا نغني إلا الكلمات الهادفة التي نقتنع بمضامينها بينما «إيكاون» يغنون كل ما يكتب لهم، فمن الممكن أن يجمع «الإيكو» في مشهد واحد بين مدائح النبي صلى الله عليه وسلم وبين مقاطع غنائية تمجد الغرام وعلاقات الحب والعشق"».
أما الرسالة الثانية التي يسعى الفنانون «الإسلاميون» إلى تقديمها، فهي «إذابة الفوارق المجتمعية والقضاء على تلك الطبقية التي قسمت المجتمع بحسب فئاته». وهنا يؤكد أحد المنشدين : «إذا كنا منبوذين من قبل البعض في مجتمعنا، فإن النخبة المثقفة والعاقلة تعتبرنا شجعانا ونؤدي رسالة مهمة».

http://img7.imageshack.us/img7/2933/imagesstoriesremotehttp.jpg

لكن رغم ما يتحدث عنه المنشد من شجاعة، فإن العديد من الشباب الذين التحقوا بفرق النشيد وجدوا أنفسهم مجبرين على التخلي عن هذه الموهبة لأسباب معينة منها أن المجتمع لا يتصور فنانا لا ينتمي «عرقيا إلى فئة إيكاون»، كما هي حالة المنشد محمد الكوري الذي قرر اعتزال الفن رغم أنه ظل لعدة سنوات المنشد الأكثر جماهيرية بين أنصار هذا النمط الغنائي الجديد. ويرى الكوري أن هنالك عدة عوامل ساهمت في قراره هذا. ويوضح: «إن عدم الاقتناع بالنشيد جعلني أكتشف أنه من الممكن أن استثمر موهبتي في ميادين أكثر جدية».
وسائل متواضعةالعائق المادي هو الآخر لا يزال يقف في وجه مسيرة النشيد حيث يشكو القائمون على هذا الفن من انعدام كامل للعون، ليس من طرف المؤسسات الثقافية فقط، بل أيضاً من أنصار الإنشاد الذين يكتفون بالحضور الجماهيري الكثيف لكل نشاط تقيمه فرقة «صدى شنقيط». وعندما يتقدم المنشد في السن تتضاعف الأعباء الاقتصادية بالنسبة له، وبالتالي فإن عليه بالمقابل أن يتفرغ لمشاغل الدنيا ما دام لا يجد «على النشيد معينا».
رغم حداثة سنه ورغم أنه لا يزال يخطو خطواته الأولى، ما من شك أن تجربة النشيد في موريتانيا لن تمثل فقط مجرد حدث يضاف إلى قائمة الأحداث الفنية، لكنها تغيير هام في القيم والتقاليد التي تسير المجتمع الطبقي في هذا البلد. ورغم كل العوائق، يصر فتيان «صدى شنقيط» على أن «السفينة قد أبحرت ولن توقفها العواصف العاتية أبدا».

نقلا عن السراج الإخباري