مشاهدة النسخة كاملة : التباس في وقت العاصفة: نقاش مع غسان بن جدو


ام خديجة
05-28-2011, 11:18 AM
التباس في وقت العاصفة: نقاش مع غسان بن جدو
د. نصر حسن

http://www.alquds.co.uk/data/2011/05/05-27/27qpt974.jpg

في إطلالته الغريبة بعض الشيء على قناة رامي مخلوف القناة المهنية الحيادية غيرالناطقة باسم النظام السوري وأجهزته البوليسية حديث ممل، شد ومط ولف ودوران حول هدف واحد لجر بن جدو إلى التشبيح الإعلامي. الصورة مرتبكة واللسان متعثر والصوت غريب والمشهد مفكك على الآخر.
بن جدو أحد أشهر مقدمي البرامج السياسية الميدانيين. اعلامي مهني كان لسنوات يصدح ويحلل ويشترك في مرافقة الأحداث وحتى توجيهها المبطن حينا والفاقع حينا آخر. ساهم بإمكانية قناة 'الجزيرة' الضخمة وخطها العام في هز وخلخلة عروش الديكتاتورية والفساد العربية التي أصبحت اليوم برغبة النظام وأبواقه مندسة وسلفية وغير مهنية وتفبرك الأكاذيب حول هذا النظام الوديع المسكين الممانع المقاوم الذي يحترم شعبه ويحرص على كرامته ويحبه حتى القتل!
عجائب يا دنيا! كل السوريين والعرب والعجم يعرفون بن جدو ولا نخفي اننا كنا نكن له احتراما حتى تاريخ ظهوره الميمون على قناة رامي مخلوف وبالمناسبة يعرف بن جدو جيدا هذا المخلوف من خلف ومن يمثل وماذا فعل ويفعل في سورية اقتصاداً وسياسة وأخلاقاً و'رأس مالاً' نزيهاً من كد يمينه وعرق جبينه وعبقريته التجارية الفريدة وتشبيحا في طول سورية وعرضها! لاشك أن بن جدو قرأ وسمع ماجاء به رامي مخلوف هذا إلى صحيفة 'نيويورك تايمز' وماذا جادت به قريحته الوطنية الممانعة حين باح بشفرة بقاء الحكم وربط حرصه على بقاء النظام حفاظاًعلى استقرار إسرائيل لاغير! هو قالها يا سيد بن جدو، رغم ذلك ورغم انفصام الصورة بين رتوشها القيادية وممانعة ومقاومة النظام وأهله وأبواقه من جهة، والأداء المهني لقناة الجزيرة من جهة أخرى في تغطيتها للمجازر التي يرتكبها النظام في سورية وليس في الجولان! رغم كل تلك الألاعيب والتجييش المبتسر كنا حتى تاريخ ظهوره نكن له احتراما وتقديراً عاليين بناء على دور وأداء وموقف وأخلاقية تبرع بها بسرعة لترقيع عباءة دموية ممزقة لنظام عار تماماً وتسويقها ورقة محروقة في أسواق الاعلام.
أهي يا ترى عودة الابن الضائع؟! محمولاً على احترام مؤسس على مهنية وصدقية وأداء إعلامي يراد أن يكون معبراً لدور جديد يتناقض كليا مع دوره المعروف وبهذا التبسيط والتسطيح والسرعة في الانتظام في طابور نظام سيء الصيت، دور ملتبس في لحظات عاصفة مر بها لبنان وسورية والعراق والعالم العربي عموما وصولاً إلى سورية؟ لا ندري سر تلك المهنية التي تهاوت والصدقية التي سقطت والكلمات التي اختنقت واللسان الذي ارتبك بأول امتحان مجسم للألوان على الهواء الفضائي السام. نعم بالألوان حتى لا يعترض البعض ويتهمنا الذين تذكروا فجأة أن النظام السوري رغم كل تلك الوحشية والقتل والتمثيل بالأبرياء وإعلان حربه على الشعب أنه ممانع يخوض معركة التحرير ضد شعبه المندس!! ولا نقول غير ذلك حفاظا على المصداقية و'شرف مقاومة النظام السوري' الذي أصبح رداء وغطاء لكل ما هب ودب من السياسيين والإعلاميين والمنظرين والمتاجرين بدماء الشعب السوري؟ وفي وقت يخوض النظام وآلته القمعية معركته الممانعة الأخيرة ضد شعب أعزل.
أمصدر ذلك اللمعان الإعلامي هو براعة أداء شخصي مهني فردي أم أنه ناتج عن تلك المساحة الكبيرة من الحرية. نعم الحرية التي هي مصدر النور والتنوير والحقيقة التي افتقدها غسان بن جدو في تونس وعموم أنظمة العار العربي التي انهارت والمنهارة والتي على طريق الانهيار؟! أم وفرتها لهذا الإعلامي البليغ الذي عبر عن عشقه لانتفاضات محددة ذات مطالب عادلة ومحقة نقولها بنعم كبيرة جدا، لكن زيفها النظام وأسقط عليها عقده ولونه، وللأسف الشديد اصطف غسان معه ضد الشعب السوري ومطالبه وثورته السلمية وضد قناة الجزيرة أيضا، الجزيرة هي ما غيرها ببرنامجها الأسبوعي الشهير 'حوار مفتوح'. نعم الجزيرة ببرامجها وخططها واستراتيجتها التي كان جزءا مباشرا مخلصا فيها على امتداد سنوات عربية عجاف، والآن لا ندري ماهي التجاذبات المهنية أو السياسية أو التجارية التي أخرجتك من القناة الرائدة في المهنية والشفافية التي تشحط اليوم الإعلام العربي الرسمي كله وأنظمته بخطابها الإعلامي الحركي الذي يتواكب ببراعة مع نبض الأحداث وتواترها في منطقة عربية لم يعد من صفة لها اليوم سوى التوتر والانهيار والانتقال إلى مرحلة عربية أخرى؟
لا نريد في هذه اللحظة السورية المشرقة التي قابلها النظام بغباء غريب ولونها بلونه الدموي وفتح أبواب جهنم طمعا في تسلل شياطينه لتوليف الأحداث وجرها إلى المجهول عينه، ولا نريد في سياقات هذه اللحظة التاريخية المتوترة بكل ما تعني الكلمة وتحمل من تجييش أعمى وعواطف نبيلة وحرص على أن تكون مساراتها السلمية التي أرعبت النظام وأربكته وأفقدته عقلانيته المصطنعة ووطنيته المزيفة وممانعته المخادعة التي يدفع ثمنها الشعب السوري أنهاراً من الدماء الطاهرة الزكية .
لانريد أن ننجر إلى سياق العواطف والانفعالات بقدر ما نريد القليل من الصدقية والشفافية والعدل، نعم العدل والكيل بمقياس إنساني واحد في تقييم الأمور والأحداث، وأن يكون المعيار واحد حول الإنسان كائنا ما كان انتماؤه الديني أو مذهبه أو جنسه، حتى نكون منسجمين مع النفس والمعيار والحقيقة بحدها الأدنى، عطفا على ذلك نسأل السيد غسان بن جدو: هل المقاومة تعني أن يكون الشعب السوري رهينة أبدية لنظامه المخادع؟! وهل قيمة الممانعة والمقاومة الحقيقية وليست اللفظية الكاذبة كما حال النظام السوري هي أغلى من حرية وكرامة الشعب السوري؟! أليس من الغريب هذا الهوس المجنون بالحرص على انتفاضة البحرين؟! رغم أننا نرفض هذا المدخل التحريضي ونصر على توصيف الأمر ببعده القانوني الحقوقي المدني الإنساني ونقول بأن هناك شريحة من المجتمع في البحرين مهمشين ويجب أن ينالوا حقوقهم أسوة ببقية المواطنين! هذا للتوضيح حتى لا يبيعنا البعض سمكا في أنهار الدماء التي يجريها النظام في سورية !
نسأل السيد غسان ما هو موقفك تجاه المواطنين في سورية! وكيلا نكيل على طريقة بن جدو نفسه نسأل: ماهو موقفك من الأغلبية المقموعة والمقتولة والمحاصرة في سورية؟! وحتى لا يفهم الأمر في غير سياقه أو في السياق الذي يريده النظام نقول أن هذا التوصيف غير مفيد وتقسيم المجتمع على أساس طائفي خطر ويشبه في أكثر حالاته حسن نية سكب البنزين على النار المشتعلة؟! قلناها مراراً أن مصدر خطر برنامج السيد حسن نصرالله على استقرار لبنان هو لأنه مبني على أسس طائفية لا تؤمن بالحوار والتعددية والديمقراطية وبالتالي لا يجيد التنافس السلمي الديمقراطي بل يفرض نفسه بقوة الأمر الواقع أي قوة السلاح وأيضا النظام في سورية على اعتباره نظاما علمانيا ممانعا مقاوما في شكله الخارجي وعائلي مئة في المئة في بنيته الداخلية على مستوى الدولة ومفاصلها الحساسة. هذا توصيف للأمر الواقع، وليكن واضحا لضعاف النفوس من كل الألوان نقول لم نكن ولن نكون سوى وطنيين سوريين رغم كل ذلك الكم المرعب من العنف المتسلسل المبرمج في سورية لعشرات السنين. لم تغرنا مواقع الطائفية وكهوفها وتخلفها وقصورها الإنساني لأن النهج الطائفي أياً كان لونه ورداؤه هو كريه. نحن مقتنعون فكرا وسياسة وعملاً بأن الحل الوطني السليم الصادق في الترفع عن مستنقعات النظام والتمسك بقيمة الإنسان الواحدة وبالدولة الوطنية المدنية التي يتساوى فيها الجميع بدون استثناء أو ترقيم أو تلوين .
نستطرد قليلا في السياق نفسه رغبةً في الإيضاح وتمسكاًبخيار الحرية المسؤولة والمساواة ونترك أمور وطقوس العبادة وتراتيلها لكل فرد أو دين أوطائفة أو مذهب لأن ذلك من صلب حرية خياراتهم ضمن الحرص على احترام مساحة المجموع المستقلة الحيادية التي هي الدولة التي اغتصبها النظام السوري وبهدلها وعاث فيها هتكا وتخريباًونهباًوتمثيلا. لكن ألا يبدو هذا الحرص غريبا ً بعض الشيء ومتناقضاًوغير مفهوم في الحدث السوري السلمي؟! وأيضا ً ألا يتناغم هذا الاصطفاف الغوغائي كليا مع تقييم الممانعين والمقاومين والمطبلين للديكتاتورية والفساد الذين ثقبوا آذاننا بمقولة أن الغرب يكيل بأكثر من مكيال ويحرص على حقوق الإنسان فقط عندما يتعلق الأمر بمصالحه، وهذا ليس صحيحاً بالمطلق، مع ذلك، لماذا هذا الصراخ بالحرص على حرية الإنسان في البحرين وهو مطلب حق يتم تجييشه بهذا الشكل النشاز! وإهمال مطبق غريب عجيب لحقوق الإنسان في تونس وسورية ياسيد بن جدو؟
أخيرا ًنقول للسيد غسان بن جدو الإعلامي الذي أحببنا واحترمنا بأن ذلة المهني العاقل كارثة في ظروف ثورة الحرية والكرامة المختومة من قبل الشعب كله بالدم الطاهر والشعار السلمي وقيم العدالة والمساواة والشعب السوري الذي وضع الحرف وبنى الحضارة وعطًر التاريخ الإنساني بقيم التعايش والحرية والحياة والذي يمثل قلب العروبة والمقاومة الفعلية أثبت بالملموس رغم ظروفه الشاذة بظل نظام شاذ بكل شيء وفتح حدود سورية وقبل ذلك قلبها لكل العرب وخاصة اللبنانيين في محنهم العديدة ألا يستحق هذا الشعب كلمة حق أمام هذا الكم المخيف من العنف والقتل والحصار، وفي أضعف الإيمان الصمت أمام هول الصورة الدموية التي يرسمها بدناءة نظام ليس له توصيف سوى فعله الذي يقوم به على الأرض في سورية.
وهل لا تستقيم الممانعة والمقاومة سوى بجعل الشعب السوري رهينة لخداع النظام الذي يبعد عن المقاومة والممانعة بعد السماء عن الأرض؟! وهل لايجوز أن يمارس فعل الممانعة والمقاومة سوى شريحة من المجتمع وأسر أغلبية المجتمع في رهانات نظام بائسة مخادعة؟! وهل طريق الممانعة والمقاومة بالضرورة يمر عبر هذا القمع وتلك الدماء وذلك العنف المروع ضد المدنيين؟! وما رأيك بقرار النظام الخطير الذي جاء على لسان منظره.. الفكري بأنه فقهياً نعم فقهياً يجوز للنظام قتل ثلث الشعب السوري حفاظاً على الثلثين الباقيين؟
قالها الشعب السوري بعد أن أثبت النظام بجدارة منقطعة النظير أنه والإصلاح خطان متوازيان، قال رأيه ب'الشعب يريد إسقاط النظام' ورد عليه النظام ب'النظام يريد قتل الشعب' وبدأ بتنفيذ ذلك بإعلان الحرب على الشعب كله... قليلاً من المهنية والمصداقية والعدل والنظر إلى الأفق بعين مفتوحة على الآخر (بفتح الخاء وكسرها)... سورية في نهاية النفق المظلم والنظام زائل والشعب السوري هو الباقي ...


نقلا عن القدس العربي