مشاهدة النسخة كاملة : هوامش على مهرجان " الهول الإسلامي" (محمد سالم ولد محمدو)


أبوسمية
05-27-2011, 10:53 AM
هوامش على مهرجان " الهول الإسلامي" (محمد سالم ولد محمدو)

"الهول أو الغناء أو النشيد وأزوان وآزاي " وربما الحداء أسماء مترادفة,أو متقاربة لمسمى واحد أو متقارب الأجزاء،متداخل المعاني،والمختلفون عليه أو حوله،مختلفون حول شيء لا يحددون ماهيته حسب تعبير الشيخ علي الطنطاوي،فإذا احتربوا طاشت سهام الفريقين عند الهدف وبقي الهول سالما معافى " تترامى سهام التحريم والتحليل " حواليه ولا عليه"
وأظن جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم (والهول الإسلامي) مالت-طربا- إلى التقارب والترادف لفظا ومعنى وربما وزنا ونغما كذلك بين هذه الأسماء الشريفة،فدعت الناس إلى أيام الحداء الصحراوي الأصيل،واستدعت لذلك شعراء " وشعارا " من أخواننا الأفارقة والعرب،حتى يتلاحم الهول بالهول والشعر بالشعر وتصل الموسيقى الموريتانية رحمها الأصيل الموزع بين جذور إفريقية وأخرى عربية،فالحمد لله على تلك الصلة وعلى هذا الحداء النبيل،حيث سيرفق " أنجشة السنغالي " بالقوارير،وصلة الرحم الموسيقي خلة نبيلة قل من الناس من يلتفت إليها اليوم.
هي إذا فرصة سعيدة،وخطوة نبيلة تضيفها جمعية المستقبل في سعيها إلى تحرير الأداء الإسلامي في التعامل مع قضايا العصر وحاجات الناس وفي سعيها أكثر إلى الإجابة عن الأسئلة المحرجة التي ظل الخطاب الإسلامي يعاملها بعقول وعواطف وأذواق السلف صالحه وطالحه،وهي أيضا فرصة لعقد صداقة جديدة وعميقة بين " لمرابط وإيكيو" وهما من هما في تاريخ هذا البلد تاريخا وثقافة وحاضرا ومستقبلا.
وهي فوق ذلك فرصة لإنصاف الفن والفنانين في هذا البلد والاعتراف لهم بجميل الصنع في البناء الثقافي الموريتاني وفي تكوين شخصية الإنسان المسلم في هذه الأرض تلك الشخصية التي تتشكل من مزج الفقه بالأدب والهول والتصوف والفروسية والرجولة،لتصوغ من ذلك التجميع شخصية الفتى،ومعاني الفتوة
- ما كان الهول في هذه البلاد – في أغلب أحواله – إلا فنا مسلما باعتبار منتجيه ومؤديه, وإسلاميا في الغالب بمواضيعه ومجالاته،فمن ذا الذي لا يطربه أحمد ولد الميداح ويمنحه عمقا جديدا في معاني الحب النبوي عندما يشدو
- وَيْحَ قَوْمٍ جَفَوا نَبِيّاً بِأرضٍ ألِفَتْهُ ضِـبابُها والظّـِباءُ

- وَسَـلَوْهُ وحَنَّ جِذْعٌ إليـهِ وَقَـلَـوْهُ ووَدَّهُ الغُرَبـاءُ

- أخْرَجـوهُ منها وأواهُ غارٌ وحـَمَتْهُ حمامَـةٌ وَرْقاءُ
أو يسمع ردات محجوبة منت الميداح رحمها الله وهي تعيد الذكرى وتجدد أشواق الشيخ محمد ولد محمد سالم رحمه الله تعالى
أتذري عينه فضض الجمان** غراما من تذكره المغاني

مغان بالعقيق إلى المنـقى** إلى أحد تذكرها شـــــــجاني

ومن تذكــار منزلة بسلع** إلى الجـــــــما تعاني ما تعاني

فهل عزم يصول على التواني** وهل بعد التباعد من تداني

وهل أغدو بكور الطير رحلي** على وجناء دوســرة هجان

بعيشك صف شمــــــائله فإني** أحــــن إلى شمائله الحسان
ومن ذا الذي لا يحمل أشواق البرعي،ويجول معه بين " الأبلق الفرد" " والغوير" إلى النيابتين " عندما يصيخ إلى المرحوم الخليفة ولد أيده وهو يهدى الزمان عبير نغماته
أرى برق الغوير إذا تراءى بأقصى الشام زودني بكاء
أو
قل للمطي اللواتي طال مسراها من بعد تقبيل يمناها ويسراها.
كما كان في " تواجد " مريدي التصوف في هذه البلاد نفحات فنية رائعة فلعل الفن في هذه الأرض أول ما نشأ ظلالا للتصوف،ونفحات من ظلال " السير إلى الله"،حيث أهازيج الدروايش في مدح النبي صلى الله عليه والسلم وشهود الجمال الإلهي العظيم أو التغني بكرامات الأولياء ومكانات الأشياخ على نحو ما نسمع عند اتلاميد أهل شيخنا وهم يرددون
ما كط خدمك تلميدي ماعاد غوث وسييدي

يالشيخ سيدي محمد يالشيخ محمد سيدي.
كما خلدت حفلات "المدح" النبوي مستوى كبيرا من التعلق بالمعاني السامية للممدوح صلى الله عليه وسلم،خصوصا في أجواء لم تصله حداء ركب الأشراف وهو يشق هذه الفجاج متخذا ظهور العيس مدرسة،فمنح بذلك تدين العوام عمرا مديدا ولولا تدين العوام لزالت معالم من الدين كبيرة وأعلام جليلة.
ولو أن كثيرا من الخطباء والدعاة وأصحاب الأفكار اختصر بعض محاضراته إلى أهازيج وأغان بسيطة لخلد تلك المآثر والقيم الشريفة على نحو ما يأخذ محمد إقبال على ابن تيمية رحمه الله عندما واجه انسيابية الشعر الصوفي الرائع وشطحات ابن الفارض والحلاج رحمهما الله،بجفاف المنطق وصرامة الفقه ووضوح المناظرة.
ومن ذا الذي لا تشوقه الديار ويتعلق بالوطن ويأخذ الشوق منه مجامع القلب وشغاف الفؤاد،وهي يستعيد مع الشادي أحمد ولد الميداح ترنيمات جحدر بن مالك

أليس الله يعلم أن قلبي * يحبك أيها البرق اليماني

وأهوى أن أميل إليك طرفي * على عدواء من شغلي وشاني.

أو يسمع ميادة موريتانيا النعمة منت الشويخ و وهي " تنشد" للبسامي

وكانت في دمشق لنا ليال*سرقناهن عن ريب الزمان

جعلناهن تذكار الليالي * وعنوان المسرة والأماني

ولو أني خبأتك في جفوني* إلى يوم القيامة ما كفاني

قليل في وداعك ألف عام* وألف بعد ذاك وحجتان

ولو نعط الخيار لما افترقنا* ولكن لا خيار مع الزمان
أو يسمع الفنانة الكبيرة لديمي منت آبه -متعها الله بالصحة والسلامة- وهي تستعيد للتاريخ خطى سيدي محمد ولد الكصري،حتى إذا نسمت له الريح نفحات من ريا تكانت العاطرة،أو تراءت له عن بعد رؤوس الجبال الفارعة في تكانت " ينباو ويغباو فالغمام،أليس حقيقا به أن يردد كما رددت حميدة بنت عبد الرحمن بن عوف حيث ختم القدر حياتها على أبواب المدينة المنورة،بعد غربة شآمية طويلة على حد ما يروي أبو الفرج في كتاب الأغاني
ألا ليت شعري هل تغير بعدنا *جنوب المصلى أم كعهدي القرائن

وهل أدؤر حول البلاط عوامر *من الحي أم هل بالمدينة ساكن

إذا برقت نحو الحجاز سحابة *دعا الشوق مني برقها المتيامن

فلم أتركنها رغبة عن بلادها* ولكنه ما قدر الله كائن
ومن ذا الذي لايتعلق بقيم وطنية وحدوية كبرى عندما يستعيد له أحمد ولد الميداح خطوات ولد أحمد يوره أو مولود ولد أجيه الصكيعي وهما يجولان بين أحراش ووديان شمامه.
ألا ليت شعري هل بني همرصـــــمبا وهل حيهم قد جاوروا "لتـــــكشكمبا"
وهل صمبا الفلان تغدو نساؤهم سراعا إلـى "الصطاره"حاملة "تمبا"
وأنا – وربما غيري كثير – أكثر تفاعلا مع هذه المعاني من مثيلاتها في النشيد الإسلامي الملحون بلغة شامية أو مصرية أو خليجية،وما أظن" مقامات " البياتي أو صبا أو نهاوند" أو غيرها أقرب إلى الإسلام ولا الوطن من الجانبه الكحله أو الجانبه البيظ أو لكنيديه.
وما أظن أن مؤثرات صوتية أبدعتها يدا مهندس متخصص،أفرغ فيها آخر قدرات التأثير الصوتي هي أقرب إلى الإسلام من " أمهار وتشبطن " أعدها صانع تقليدي موريتاني،أودعها مهارات بسيطة وقدرات بدوية فبأي حق شنسحب عن هذه الإسلامية ونهبها تلك.
إن "إسلامية الفن" ضمن أسلمة المعارف والإبداعات الإنسانية،تقتضي مستوى من الصراحة والوضوح في تصور الأشياء والحكم لها أو عليها،حيث تبدو في المحصلة النهائية المسافة ضيقة جدا بين النشيد الإسلامي والهول البيظاني،وتبدو وشائج الرحمى والتواصل بينهم قريبة جدا ومتداخلة ولعل جمعية المستقبل بأنشطتها الثقافية تجسر تلك الهوة " فتبيظن النشيد" قدر الإمكان وتجلو عن الهول بعض ما ينقم عليه بعض جمهوره من عوارض ليست منه ماهية ولا عناصر وإن صحبته أحيانا،تماما كما تخلص الفكر والخطاب الإسلامي من بعض العوارض والنزعات التي قد تشوه صورته،ثم يأتي من يجلو صداها ويمحو رانها فيعود الخطاب ناضرا قويا،أما أسلمة الهول في هذا البلاد فتكفي من شواهدها "شواهده"
هي إذا بوابة مصالحة بين الفن ومحضنه الإسلامي وبين"لمرابط " وإيكيو" وإذا كان المرحوم الأديب الشيخ ولد مكي قد رغب برقصاته الحسان عن حضرة " الشهود الكبار " ففي حضورهم اليوم مهرجان الحداء فرصة لعلاج من ينفعه العلاج أما "من لم يحرّكه الربيعُ وأزهاره، والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج" على حد تعبير الشيخ أبي حامد الغزالي.

نقلا عن السراج الإخباري